اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت سياسة الرسول مُحمَّد تتجه نحو توحيد العرب تحت راية الدين الإسلامي في مؤسسةٍ تتخطّى النظام القبلي، واستطاع أن يؤسس جماعةً دينيَّةً سياسيَّةً جسَّدت كيان دولة. فدخل العرب عامَّتهم في هذا الدين، وانضووا تحت لِواء النبيّ، ودانوا له بالزعامتين الدينيَّة والسياسيَّة، بفعل أنَّه يُصدرُ أحكامه عن وحي الله وأمره، بالإضافة إلى أنَّهُ كان مثاليًّا في سُلوكه. إذ سوّى في المُعاملة بين القبائل المُختلفة، ولم يميل إلى إيثار الأهل والعشيرة. وهكذا تمَّ توحيد القبائل في شبه الجزيرة العربيَّة في دولةٍ واحدةٍ يرأسها النبيّ ومركزها المدينة المُنوَّرة. لكنَّ هذه الوحدة كانت مُفككة. فالاضطراب الذي لازم مواقف القبائل العربيَّة، التي لم يترسَّخ الإسلام في قُلوبها نظرًا لِحداثته؛ وحَّد التيَّارات المُختلفة في المدينة المُنوَّرة، فالتفَّ الجميعُ حول الخليفة. أمَّا خارج نطاق المدينة، وفي أرجاءٍ واسعةٍ من شبه الجزيرة العربيَّة، فلم يكن يوجد سوى أشكالٍ من التحالف السياسي مع المدينة، بالإضافة إلى ذلك فإنَّ الدُخول في الإسلام كان قرارًا سياسيًّا استهدفت به زعامات القبائل المُحافظة على كيانها، وتحاشي خطر المُسلمين عليها. لكن هذه الزَّعامات، ربطت بين شخص النبيّ وبين ما حقَّقهُ للعرب بعامَّةً من مكاسب دينيَّة واجتماعيَّة وسياسيَّة غيَّرت تمامًا حياة العربيّ والنظام القبليّ الاجتماعيّ. فقد استبدل الإسلام، مُنذُ بداياته، رابطة الدم بِرابطة الدين والعقيدة، والغزو والحرب وفق الأعراف السائدة بما تنصُّ عليه الشريعة، والتمزُّق القبليّ بِوحدة الأُمَّة، وحدَّ من النِزاعات القبليَّة التقليديَّة من خِلال رفع مبدأ الثأر بِشكله القبليّ، ونقل مسؤوليَّة ذلك إلى الجماعة الإسلاميَّة، وشرَّع الجهاد في سبيل الله بدلًا من القِتال من أجل الثأر أو التسابق على الماء والكلأ، وأطاح بِفرديَّة القبيلة لِقاء فكرة الجماعيَّة التي تستند عليها الأُمَّة، وأرسى قواعد الدولة الإسلاميَّة، وساوى بين المُسلمين دون النظر إلى أُصولهم وألوانهم وأعراقهم، ودعا إلى التكافل والتضامن، ونظَّم المُجتمع العربيّ على نحوٍ يتناسب وطِباع العرب، ومع ذلك لم يتمكّن من الإنجاز التام والنهائي لِمدِّ نُفوذ الدَّولةِ الإسلاميَّة الناشئة على سائر أنحاء شبه الجزيرة العربيَّة، فبقيت العادات والتقاليد القبليَّة القديمة مُتجذِّرة في نُفوس القبائل المُقيمة على أطراف شبه الجزيرة، وكانت أقوى من رابطة الدين.
والحقيقة أنَّ سياسة التوحيد لم تكن قد استُكملت، ولم يتجذَّر الإسلام إلَّا بين سُكَّان المدينة المُنوَّرة ومكَّة والطائف، وبعض القبائل القاطنة بجوارهم. أمَّا سُكَّانُ المناطق الأُخرى في شبه الجزيرة، ولا سيَّما اليمن وعُمان وحضرموت في الجنوب، فلم يكن الدين قد تجذَّر في نُفوس سُكَّانها، ولقد كان إسلامهم سطحيًّا ومرحليًّا، واستسلامًا للأمر الواقع خشية القتل والسبي، وليس اقتناعًا بالإسلام كعقيدة ونظام ومنهج حياة، كما كان وليد ظُروفٍ سياسيَّة خاصَّة أحدثها دُخولُ قُريش في الإسلام، ولم يؤدِّ إلى خلق ترابط ووِثاقٍ اجتماعيٍّ ماديٍّ فيما بينهم. وقد أسلم أهالي هذه المناطق مُقتدين برؤسائهم الذين تقبَّلوا سُلطة الحُكومة الإسلاميَّة في المدينة المُنوَّرة، وأطاعوا الرسول مُحمَّد، بعد أن حقَّق انتصاراتٍ كُبرى على القِوى المُعادية له ولِدعوة الإسلام، للمُحافظة على كيانهم وإبعاد خطر المُسلمين عنهم. ولا يدُلُّ إرسال الوُفود القبليَّة إلى المدينة لتُعلن إسلامها على أنَّ القبائل فهمت واستوعبت الإسلام وآمنت بتعاليمه وحرصت على الدُخول فيه، وبِخاصَّةً أنَّ المُدَّة الزمنيَّة بين دُخول هذه القبائل في الإسلام ووفاة النبيّ كانت قصيرة لا تتجاوز ثلاث سنوات، بالمُقارنة مع المُدَّة التي استغرقها استقرارُ الدّين الإسلامي في مكَّة والمدينة، البالغة عشرين سنة. كما أنَّ هذه القبائل الضَّاربة على الأطراف كانت تمُرُّ بمرحلة تحوُّلٍ سياسيٍّ لتتخلَّص من الضغط الفارسيّ الساسانيّ الواقع عليها، بالإضافة إلى الصراعات الداخليَّة بينها على النُفوذ.
لذلك، تفاوت إيمان هذه القبائل بين القوَّة والضعف بشكلٍ عام. ولقد كان النبيُّ يعي ذلك تمامًا، ونزلت بهذا الصدد الكثير من الآيات القًرآنيَّة تتهم الأعراب، وهُم الأكثريَّة المُطلقة للعرب آنذاك، بالضُعف والتخاذُل والكُفر والنِفاق، ومنها ما ورد في سورة التوبة: الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، وفي سورة الحُجرات: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. ويُلاحظ أنَّ الآية الأخيرة نزلت في وقتٍ أخذت الكثير من القبائل تُسارع عبر وُفودها للدُخول في الإسلام. وكان الرسول قد شعر بما تنعم بهِ هذه القبائل من حُريَّة العيش، فتركها تعيشُ حياتها الخاصَّة مع الالتزام بتعاليم الإسلام من صلاة وزكاة وصوم وغيرها، لذلك لم تفقد شيئًا من حُريَّتها السياسيَّة، على أنَّها اعتبرت الزكاة نوعًا من الذُلِّ والتبعيَّة، يدفعونها بصفتهم الطرف المغلوب، الأمر الذي يدُلُّ على عدم استيعابهم الغاية من ورائها، وبالتالي عدم استيعابهم الدين الجديد؛ فالزكاةُ واجبة على جميع المُسلمين سواء كانوا سادة قومهم أم من العامَّة، طالما تخطَّت ثروة الشخص منهم المقدار الذي حددته الشريعة، لكن على الرغم من ذلك، لم تمنع تلك القبائل الزكاة في حياة النبيّ، إذ اعتبر مشايخها وأمراؤها أنَّهم أبرموا حلفًا أو عقدًا مع قائدٍ كبيرٍ يفوقهم قوَّةً وشأنًا، والعهدُ مُلزم، لا سيَّما وأنَّ الظُروف قد فرضت ذلك بعد أن اتّحدت قُريش، وهي أقوى قبائل العرب، تحت راية الإسلام؛ لكن كما هو حالُ أيُّ عقد، فإنَّ صلاحيَّته تنتهي آليًّا بِوفاة الشخص المُتعاقد معهُ إن لم يتمُّ البت فيه مُجددًا مع شخصٍ آخر. لذلك اعتقدت هذه القبائل أنَّ ما يجري في شبه الجزيرة العربيَّة موقوتٌ بحياة النبيِّ مُحمَّد، وما أن وافته المنيَّة حتَّى تحيَّنت الفُرص للانفصال عن الدولة الجديدة سياسيًّا وطرد عُمَّال الزكاة الذين كان الرسول قد أرسلهم للإشراف على جمعها وشرح أُمور الدين للناس، والارتداد عن الإسلام كنظامٍ سياسيٍّ وليس إلى الوثنيَّة، بدليل أنَّ أهم حركات الرِّدَّة كانت تقوم على إدعاء النُبُوَّة.
تذكُرُ الرِّوايات التاريخيَّة أنَّ مُمثلي بنو أسد وغطفان وطيء اجتمعوا بعد وفاة النبيّ، وأرسلوا وفدًا مُفاوضًا عنهم إلى المدينة المُنوَّرة مُطالبين بإعفائهم من الزكاة. استقبل أبو بكر الوفد استقبالًا حسنًا لكَّنهُ رفض طلبهم بترك الزكاة رفضًا قاطعًا على الرُّغم من أنَّهم أكَّدوا عزمهم على الاستمرار في الدين والصَّلاة. ولمَّا عادوا خائبين من المدينة ارتدّوا والتحقوا بالمُتنبِئ طُليحة الأسدي، وما يصحُّ على هذه القبائل يصحُّ أيضًا على الأكثريَّة السَّاحقة من القبائل مثل كِندة وقُضاعة وهوزان وغيرهم، حيثُ أعلنوا ارتدادهم وفضّوا عُقودهم مع النبيّ واستقلّوا بأنفسهم. وأدَّى العاملُ الأجنبيّ دورًا آخر في تحريك البواعث التي أدَّت بدورها إلى انتفاضة الأعراب ورِدَّتهم، ذلك أنَّ إرسال النبيّ الكُتب والمراسيل إلى المُلوك والأُمراء المُجاورين، ومن بينهم شاه فارس كسرى الثاني وقيصر الروم الإمبراطور هرقل، يدعُوهم فيها إلى الإسلام، جعل هؤلاء يعملون على إثارة الفتنة في بِلادٍ ليس فيها من أسباب الوِحدة غير الدين الجديد. كذلك، لعب تباين حياة الحضر والبدو في شبه الجزيرة العربيَّة دورًا في عدم تحقيق الوحدة القوميَّة بسهولة، فطبيعة حياة البدوي لا تخضع لِحاكمٍ على النحو الذي يفهمه الحضريّ. فالبدويّ لا يُقايض باستقلاله الفرديّ شيئًا، كما ترى القبيلة في البادية أنَّ حياتها تكمن في استقلالها، فتُقاوم كُلَّ ما من شأنه الانتقاص أو الحد منها. وعندما انتشر الإسلامُ بين العرب، وهو يدعو إلى التوحيد، خشي هؤلاء من أن تمتد وِحدة الإيمان بالله إلى وِحدةٍ سياسيَّةٍ تقضي على استقلالِ أهلِ الباديةِ. أخيرًا، اتخذت بعضُ القبائل موقفًا سياسيًّا مُعارضًا من قُريش بعد وفاة النبيّ، بدافعٍ من عصبيَّتها القبليَّة، فتلك القبائل لم ترضَ من قبل بتفوُّقِ قُريش وزعامتها عليها، وعدَّت استمرار هذه الزعامة بعد وفاة النبيّ كنوعٍ من الوِراثة التي لم يألفها العرب، لذلك لم تأخذ بيعة أبي بكرٍ طابعها الاجتماعيّ في أواسط القبائل، فكان لِبعضها موقفٌ لا ينسجمُ تمامًا مع الأُسلوب الذي تمَّ بموجبه اختياره كخليفة دون أن يكون لها رأيٌ في هذا الاختيار.