اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
الآشوريون/السريان/الكلدان (بالسريانيَّة: ܐܬܘܪ̈ܝܐ آشورايي؛ ܣܘܪ̈ܝܐ سُريويي) هي مجموعة عرقية دينية ساميّة مسيحية تسكن في شمال ما بين النهرين في العراق وسوريا وتركيا وإيران، كما توجد أعداد أخرى في المهجر في الولايات المتحدة ودول أوروبا وخاصةً بالسويد وألمانيا. ينتمي أفراد هذه المجموعة العرقية إلى كنائس مسيحية سريانية متعددة ككنيسة السريان الأرثوذكس والكاثوليك والكنيسة الكلدانية وكنيسة المشرق. كما يتميزون بلغتهم الأم السريانية وهي لغة سامية شمالية شرقية نشأت كإحدى لهجات الآرامية في مدينة الرها.
المناطق القبلية التي تشكل الوطن الآشوري هي أجزاء من شمال العراق الحالي (سهل نينوى ومحافظة دهوك)، وجنوب شرق تركيا (هكاري وطور عبدين)، وشمال غرب إيران (أرومية) ومؤخراً شمال شرق سوريا (محافظة الحسكة). وهاجرت الغالبية إلى مناطق أخرى من العالم، بما في ذلك أمريكا الشمالية وبلاد الشام وأستراليا وأوروبا وروسيا والقوقاز خلال القرن الماضي. نشأت الهجرة بسبب أحداث مثل مذابح ديار بكر والإبادة الجماعية الآشورية (بالتزامن مع الإبادة الجماعية للأرمن واليونانين) خلال الحرب العالمية الأولى من قبل الحكومة العثمانية والقبائل الكردية المتحالفة ومذبحة سيميل في العراق عام 1933 والثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، سياسات البعثيين القوميين العرب في العراق وسوريا، وصعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) واستيلائها على معظم سهل نينوى.
يعتقد الآشوريون/الكلدان/السريان بانحدارهم من عدة حضارات قديمة في الشرق الأوسط أهمها الآشورية والآرامية، وهي واحدة من أقدم الحضارات في العالم، ويعود تاريخها إلى 2500 قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين القديمة. كما يعتبرون من أقدم الشعوب التي اعتنقت المسيحية وذلك ابتداءً من القرن الأول الميلادي، فساهموا في تطور هذه الديانة لاهوتياً ونشرها في مناطق آسيا الوسطى والهند والصين. وعملت الانقسامات الكنسية التي حلت بهم على انفصالهم إلى شرقيين (آشوريون وكلدان) وغربيين (سريان) كما حدثت اختلافات لغوية بين السريانية الخاصة بالمشارقة وتلك الغربية. كما ساهموا في ازدهار الحضارة العربية الإسلامية في بلاد المشرق وخاصةً في عهد الدولة الأموية والعباسية. غير أن المجازر التي حلت بهم ابتداءً بتيمورلنك في القرن الرابع عشر مروراً ببدر خان بداية القرن التاسع عشر أدت إلى تناقص أعدادهم كما تقلص عددهم بأكثر من النصف بسبب المذابح الآشورية عشية الحرب العالمية الأولى. وشهد النصف الثاني من القرن العشرين هجرة العديد منهم إلى دول أوروبا وأمريكا، كما أدت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، السياسات البعثية العربية القومية في العراق وسوريا، وحرب الخليج الثالثة والانفلات الأمني الذي تبعها كصعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) واستيلاءها على معظم سهل نينوى إلى تقلص أعدادهم بشكل كبير في العراق بعد نزوح مئات الآلاف منهم إلى دول الجوار وخاصةً سوريا.
هناك اتجاه عام لدى الباحثين لاعتبار أن الآشوريين الحاليين انحدروا أصلا من الآشوريين الذين كونوا الإمبراطورية الآشورية، فهنري ساغس أحد أهم علماء الآشوريات ذكر أن:
كما يوضح سيمو بربولا أن اكتشاف رقم آرامية تحتوي على أسماء آشورية في منطقة الخابور بسوريا بعد سقوط نينوى بقرون يؤكد وجود قرى آشورية بتلك المنطقة. كما دعم هذا الرأي كل من عالم الإيرانيات ريتشارد فراي وعالما آثار القرن التاسع عشر أوستن لايارد وهرمز رسام، بينما يقبل عالم الآشوريات روبرت بيغس هذه الفرضية بحذر ويرفضها باحث تاريخ الشرق الأدنى روبرت بيكر.
وعموما فبحسب رأي أغلب الباحثين فإن الآشوريين القدماء أقوام سامية عاشت في أعالي بلاد ما بين النهرين. ويعود تاريخ إنشاء أقدم مستوطنة في المنطقة إلى 6,000 ق.م. في تل حسونة مسافة 35 كم جنوب الموصل. كما سيطرت على هذه المنطقة حضارات السومريطن والأكديين والميتانيين. ويعود أقدم ذكر لملك آشوري إلى القرن 23 قبل الميلاد وبرزت الإمبراطورية كقوة إقليمية في عهد شمشي أدد الأول.
لا يعرف بالتحديد أصل الآراميين، حيث ظهروا كأقوام بدوية أو شبه بدوية في مناطق بادية الشام مرورا بجبال لبنان والجزيرة السورية. وجاء أول ذكر لهم جاء في وثائق آشورية في عهد الملك الآشوري تغلاث فلاسر الأول حوالي 1,100 فذكروا تحت مسمى أحلامي آرامايي أي "آراميي أحلامو" وقد تمكن هؤلاء من التغلغل إلى الدولة الآشورية كما استطاعوا السيطرة على عرش بابل وعلى المدن الحيثية الهامة شمالي سوريا ك-"يعديا سمعل" و"حماث" (حماة) وكونوا عدة ممالك كما في آرام دمشق وأرباد وآرام نهرين. غير أن الآشوريين سرعان ما اجتاحوا أراضيهم. وقاموا بسبيهم باعداد كبيرة.
أدى احتلال الآشورين لدول مدائن الآرامية في سوريا وتحويل عدد من سكانها إلى أعالي بلاد الرافدين إلى تزاوج هؤلاء مع سكانها الآشوريين وأصبحت الآرامية بحلول القرن الثامن ق.م. هي اللغة الرئيسية في الإمبراطورية. بدأت هذه الإمبراطورية بالانحلال في القرن السابع ق.م. فتمكن الميديون والبابليون من إسقاط نينوى سنة 612 ق.م. ومن ثم آخر معاقل الآشوريين بحاران سنة 609 ق.م.
أصبحت معظم أجزاء الإمبراطورية الآشورية جزءاً من الإمبراطورية البابلية الثانية خلال فترة حكم نبوخذنصر، غير أن الأخمينيين سرعان ما أسقطوها وكونوا إمبراطورية بقيادة قورش الكبير امتدت من الهند إلى صحراء ليبيا شرقاً. وخلال تلك الفترة أصبحت آشور (آثورا "ܐܬܘܪܐ" بالفارسية القديمة) إحدى الساترابات الأخمينية، وشملت معظم أجزاء وسط وشمال العراق والجزء الشرقي من سوريا. واحتلت أهمية خاصة، فأصبحت إحدى أكثر الولايات البارثية ازدهاراً، كما أصبحت آراميتها اللغة الرسمية للإمبراطورية، فعرفت اللغة الآرامية بتلك الفترة بـ"الآرامية الإمبراطورية". وبالرغم من قيام الآشوريين بثورة للحصول على استقلالهم سنة 520، إلا أن هذه الفترة شهدت بشكل عام نمواً اقتصادياً وأدبياً.
أصبحت مدن آثورا مسرحاً للمعارك بين المقدونيين بقيادة الإسكندر المقدوني والأخمينيين بمنتصف القرن الرابع قبل الميلاد، فوقعت فيها معركة غوغميلا سنة 331 ق.م. وبالتحديد في السهل الواقع بين أربيل والموصل، وانتهت هذه المعارك بانتصار ساحق للمقدونيين وسيطرتهم على المنطقة. وبعد وفاة الإسكندر تنازع عليها خلفائه سلوقس الأول وأنتيغونوس الأول مونوفثالموس، فتمكن سلوقس بالنهاية من ضمها إلى الإمبراطورية السلوقية. استمرت هيمنة الحضارة الهيلينية على المنطقة حتى نهاية القرن الثالث قبل الميلاد، عندما ظهرت الإمبراطورية البارثية، فشكّل البارثيون ساتراب آشورستان وعاصمتها مدينة أربيل، وضٌمت بابل لاحقاً إلى هذا الساتراب وأصبحت قطيسفون عاصمة لآشورستان وللإمبراطورية البارثية على حد سواء.
أدى انهيار الإمبراطورية السلوقية إلى سيطرة الإمبراطورية الرومانية على المناطق الواقعة شرقي الفرات بينما سيطر البارثيون على المناطق الواقعة غرب الفرات فتشكلت في المناطق الحدودية عدة ممالك سريانية وعربية شبه مستقلة تابعة لهاتين الإمبراطوريتين مثل حدياب والرها وتدمر والحضر. واعتنق أهل هذه الممالك ديانات تأثرت بديانات وادي الرافدين والفرس، كما تغلغلت اليهودية إلى حدياب فاعتنق ملكها إيزاط وزوجته هيلينا الديانة اليهودية في أوائل القرن الأول، غير أن الحدث ذو التأثير الأعمق كان دخول المسيحية إلى الرها الذي يذكر التقليد السرياني أن الملك أبجر الخامس راسل يسوع لكي يزور مملكته ويشفيه غير أن الأخير رد بإرسال أحد تلاميذه الاثنان والسبعون فانتشرت المسيحية فيها. وبغض النظر عن صحة هذه الرواية فقد أصبح للمسيحية وجود ملموس في كل من حدياب والرها بنهاية القرن الأول، فأصبح مار أداي أسقفا على الرها بحلول عام 100 ورسم بقيذا نفسه أسقفا على حدياب سنة 104. وخلال القرنين الثاني والثالث نشأت بالإضافة إلى المسيحية عدة ديانات غنوصية في تلك الأنحاء كالمانوية ومنها انتشرت إلى فارس ووسط آسيا.
بلغت المسيحية السريانية عصرها الذهبي في القرن الرابع والخامس بظهور ملافنة مثل أفرام السرياني ونرساي وغيرهم، واعتبرت المدارس السريانية في الرها ونصيبين من أهم المراكز التعليمية في تلك الفترة، حتى توصف مدرسة نصيبين أحيانا بأنها أقدم جامعة في التاريخ. كما تمت ترجمة الإنجيل والتناخ إلى السريانية بالنسخة المعروفة بالبشيطتا والتي تعد من أقدم النسخ المحفوظة للإنجيل، وكتبت العديد من التفاسير وكتب الألحان مثل بيث غازو (ܒܝܬ ܓܙܐ بيث گازو) والذي لا يزال يستعمل حتى اليوم في الكنائس السريانية الغربية.
أدت خلافات بين كيرلس الأول بطريرك الإسكندرية ونسطور بطريرك القسطنطينية إلى حرمان الأخير كنسيا في مجمع أفسس الأول سنة 431 وتم اعتبار تعاليمه هرطقة فانقسم السريان بين مذهبي كيرلس ونسطور، وأدى دعم البيزنطيين لكيرلس واضطهادهم للنساطرة إلى هجرة هؤلاء إلى الإمبراطورية الساسانية وخصوصا إلى أربيل وقطسيفون كما قام الساسانيون بدورهم باضطهاد الموالين للبيزنطيين فانتقلوا إلى غرب الفرات، فانقسم السريان منذ ذلك الحين إلى مشارقة "نساطرة" (نسبة إلى نسطور)، ومغاربة "يعاقبة" (نسبة إلى يعقوب البرادعي) كما أدت الخلافات اللاحقة في مجمع خلقيدونية إلى انشقاق الكنائس الأرثوذكسية المشرقية عن الكنائس الغربية (الأرثوذكسية الشرقية والكاثوليكية لاحقا) وسمي السريان الذين تبعوا الإمبراطور البيزنطي وانشقوا عن الكنيسة السريانية بالملكيين نسبة إلى كلمة "ܡܠܟܝܐ" ملكايا بالسريانية والتي تعني "أتباع الملك"، ومنهم الروم الأرثوذكس والكاثوليك الذين اندمجوا بالثقافة اليونانية وأصبحوا لاحقا يعرفون بالروم الأورثوذكس.
كانت الأكادية، التي تنتمي لعائلة اللغات السامية الشرقية هي اللغة الأم للآشوريين القدماء. وقد انتشرت هذه اللغة منذ الألف الثالث قبل الميلاد في وسط وشمال بلاد ما بين النهرين وكذلك في منطقة الجزيرة السورية. غير أن ظهور الآرامية، وهي لغة سامية شمالية شرقية، بالألف الأول جعلها تصبح اللغة الرسمية للإمبراطورية الآشورية وذلك لبساطتها وسهولة كتابتها مقارنة بالكتابة المسمارية التي استعملت في كتابة الأكادية. واستمر نمو هذه اللغة خلال عهد الإمبراطورية الأخمينية فأضحت هي اللغة الرسمية لها. وبحلول المسيحية كان للآرامية انتشار واسعة فحلت محل معظم اللغات التي انتشرت في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط كالفينيقية والعبرية وأصبحت لغة عدة ممالك نشأت في تلك المنطقة مثل حدياب والحضر والرها وتدمر والأنباط بالإضافة إلى انتشارها في معظم مدن سوريا والعراق.
بحلول القرن الأول قبل الميلاد بدأت آرامية مدينة الرها تطغى على غيرها من اللهجات الآرامية، وأصبحت هذه اللغة تسمى بالسريانية نسبة إلى منطقة نشوئها بسوريا. وقد تكرست هذه الهيمنة بظهور الرها كمركز مسيحي هام وانتشار المدارس اللاهوتية في الرها ونصيبين. وتعتبر الفترة ما بين القرن الرابع والسادس الميلادي العصر الذهبي للغة السريانية فيها ظهرت العديد من الكتابات الفلسفية واللاهوتية، وذلك بالرغم من محاولات الإمبراطورية البيزنطية فرض اللغة والثقافة اليونانية. تكتسب اللغة السريانية أهمية دينية خاصة في المسيحية، أولاً لأن يسوع قد تكلّم بالآرامية، التي تعتبر بمثابة اللغة الأم للسريانية، وثانيًا لأن العديد من كتابات آباء الكنيسة والتراث المسيحي قد حفظ بالسريانية، إلى جا