English  

كتب zaheeruddin babur

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

ظهير الدين بابر (معلومة)


السُلطَانُ الأَعظَم والخَاقَانُ المُكرَّم ظَهير اَلَدّين مُحَمَّد بَابُر پادشاه غازي بن عُمر شيخ بن أبي سعيد بن مُحمَّد بن ميران شاه بن تيمور الگوركاني (بالفارسية: سُلطان اعظم وخاقان مُکرَّم ظهیرالدین محمد بابُر پادشاه غازى گورکانی، وبالأردية: سُلطان اعظم وخاقان مُکرَّم ظہیر الدین محمد بابر بادشاہ غازى گورکانی) (16 محرم 888 هـ - 6 جمادى الأولى 937 هـ الموافق فيه 14 فبراير 1483م - 26 ديسمبر 1530م) هو وريث عُمر شيخ ميرزا على عرش فرغانة، ومؤسس سلطنة المغول الهنديَّة، وهو كذلك مُؤسس سُلالة مغول الهند التيمورية التي حكمت شبه القارة الهندية طيلة 300 عام إلى أن انقضى أجلها بعد خُلع آخر السلاطين المغول محمد بهادر شاه سنة 1857م من قبل البريطانيين.

وُلد ظهير الدين بابُر سنة 888 هـ الموافقة لسنة 1483م لأمير فرغانة الميرزا عمر شيخ ابن سُلطان التيموريين أبو سعيد ميرزا الذي قسم مُلكه لأربعة من أولاده، فكان من بينهم عمر شيخ والد بابُر وأمَّا أم ظهير الدين بابر فهي قُتلُغ نگار خانُم. تولى عرش فرغانة بعد وفاة أبيه وهو في الثانية عشرة من عمره، وذلك في عام 899 هـ الموافق عام 1494م، وبعد أن مات عماه ذهب أكبر خطر كان يهدده، وعندما كان يسترد أملاك أبيه الضائعة حول فرغانة قام بضم إقليم سمرقند حاضرة جده تيمورلنك، وبقي فيها مائة يوم ثم خرج منها ليقضي على ما أثاره أخوه جهانگير من القلاقل في فرغانة، ففقد سمرقند بعد أن انتهز صاحب بخارى الفرصة واستولى عليها ولم تلبث أيضاً في يده حيث أن شيباني خان الأوزبك قام بالتغرير به. ونزح بابُر إلى خارج بلاد ما وراء النهر بعد أن تركه جنده وأقرباؤه، وأيضاً بسبب ملاحقة شيباني خان له، فذهب إلى بلاد كابل وغزنة. وبعدما هزم الصفويون شيباني خان، اتصلوا ببابر وأمدوه بجيش دخل به بلاد ما وراء النهر من جديد، ولمس بابر من سكان هذه البلاد كرهاً له حيث أنه حالف الصفويين الذي قاموا بمجازر كبيرة بحق السكان وأرغموهم على التشيع، فقام بالرجوع إلى كابل. بعد رجوعه إلى كابل ولى بابر وجهه صوب الهندستان بعدما استنجد به فريق من كبار الأمراء من بينهم دولت خان اللودهي وعلاء الدين علم خان وحرضوه على دخول الهند وإنزال سلطان دلهي إبراهيم اللودهي عن عرشه. قام بعد ذلك بعدة غزوات هندية تقدر بخمس غزوات، وقام بفتح بهيرة ولاهور، وخاض معركة پاني پت سنة 1526 التي انتصر فيها، ودخل أغرة وجلس على عرشها، وكذلك قام بالقضاء على الراجپوتيين في واقعة خانْوَه. فكانت وقعة أغرة التي تيسر لبابر فيها أن يقضي على الثوار الأفغان ثالث معركة حاسمة خاضها في الهند بعد معركتي: پاني پت وخانْوَه. وفي سنة 937 هـ الموافقة لسنة 1530م مرِض مرَض الموت وما لبث أن توفي. وخلفه على عرشه ابنه نصير الدين همايون. دُفن بابُر في أغرة بدايةً، ثُمَّ نُقلت رُفاته فيما بعد ووُريت الثرى في كابل، كونها كانت أحب بقاع الأرض إلى قلبه.

ترك بابُر بعد وفاته إرثاً كبيراً تمثّل بإنشاء دولة قوية استمرت زهاء ثلاث قرون شملت الشمال الهندي، وأصبح صاحب السلطان المطلق في الهندستان، وغدت دولته تمتد في رقعتها المترامية الأطراف من جيجون إلى البنغال ومن الهملايا إلى چندري وگواليار. وما غدا أولاده من بعده يزيدون في أراضيهم حتى خضعت لهم شبه القارة الهندية كلها. يُعد بابُر بطلًا قوميًّا في كُلٍ من أوزبكستان وقرغيزستان، وقد أصبحت الكثير من قصائده التي نظمها بيده أغانٍ فلكلوريَّة في الهند وبعض الدُول التُركيَّة المُجاورة، ومن أهم الآثار التي تركها: كتاب بابر نامه، الذي وضعه بِالتُركيَّة الجغطائيَّة ثُمَّ نُقل إلى الفارسيَّة في عهد حفيده جلال الدين أكبر على يد الشاعر عبد الرحيم خان خانان؛ وهذا الكتاب هو المصدر الأساسي لِحياة ظهير الدين بابُر. ويُعتقد أنَّ سبب اشتهاره بِلقبه «بابُر» أي «ببر» مردُّه صعوبة نطق اسمه العربي «ظهير الدين مُحمَّد»، بِلسان قومه الأصليين، أي اللسان التُركي المغولي.

خلفية تاريخية

حكم سلاطين الدولة المغولية الهند قرابة ثلاثة قرون، فشهدت هذه البلاد في عهدهم نهضة وحضارة كبيرة، وكان مؤسس هذه السلالة ظهير الدين محمد الذي ينتهي نسبُه من ناحية أبيه إلى السُلطان التركي تيمورلنك، ومن ناحية أمه إلى خان المغول جنكيز خان. والمغول والترك كلاهما قد سبق إلى شبه القارة الهندية وكان لهما شأن خطير ودور هام في تاريخ آسيا الوسطى وبلاد الشرق الإسلامي. جاور المسلمون قبائل التُرك ببلاد أواسط آسيا ابتداءً من أواخر القرن الأول الهجري، وكانت قوافل التجار المسلمين تتوغل في آسيا الوسطى حتى بلغت الصين شرقاً وحوض الفولجا غرباً وكان هؤلاء التجار من أكبر الأسباب وأنشط الوسطاء في نشر تعاليم الدين الإسلامي، وانتشر الإسلام في بلاد ما وراء النهر أيام قُتيبة بن مُسلم الباهلي وذلك في أواخر القرن الأول الهجري، وبدأ الإسلام الجماعي للترك في القرن الرابع الهجري عندما أسلم خان قشغر "ساتوك بغراخان" الذي تسمى بهارون بن سُليمان، أمير القرة خانيين وأسلم معه أهل بلاده وفريق كبير من سكان تركستان الشرقية وإقليم خُطن. كذلك اعتنق السلاجقة الإسلام في القرن الرابع الهجري. في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري ظهر تيمورلنك في بلاد ما وراء النهر الذي استوزره الأمير الجغطائي "إلياس بن تغلق تيمور" أمير سمرقند حتى انقلب الوزير على أميره واتخذ من سمرقند عام 771 هـ الموافق 1370م عاصمة له، واستولى على بلخ ونشر سلطانه ونفوذه في على القسم الغربي من بلاد خغتاي، وضم إلى ملكه أيضاً مغولستان وخوارزم وغيرها من البلدان، وعند وفاته اقتسم ولداه "جلال الدين شاه رخ" و"معين الدين ميرانشاه". وقتل ميرانشاه وبقي الحكم لشاه رخ الذي توفي في 850 هـ الموافق فيه 1446م وخلفه ابنه ألغ بك الذي قتله ابنه "عبد اللطيف ميرزا" بنفسه، وجاء بعده الأمير التيموري "أبو سعيد ميرزا" الذي ترك ملكه لأربعة من أولاده من أصل عشرة، فولى أحمد ميرزا إقليم سمرقند وبخارى وولى الُغ بك إقليم كابل وغزنة، وولى محمد ميرزا استراباد وهرات. ورابع هؤلاء الأربعة فهو عمر شيخ ميرزا الذي وُلي إمارة فرغانة.

بداياته

إن المصدر الرئيسي لتفاصيل حياة بابر هي "بابر نامه" أو "واقعات بابري" والتي كُتبت باللغة الجغطائية التركية على يد ظهير الدين بابر نفسه، وتمت ترجمة هذ الكتاب إلى اللغة الفارسية على يد "عبد الرحيم خان"، وكان ذلك في عهد حفيده جلال الدين أكبر.

مولده ونسبه

ولد ظهير الدين بَابَر يوم 16 محرم 888 هـ الموافق فيه 14 فبراير 1483م، في مدينة أنديجان، واسمه الكامل هو ظهير الدين محمد بن عمر شيخ بن أبي سعيد بن ميرزا محمد سلطان بن ميران شاه بن تيمورلنك، وقد أطلق عليه الولي منير مرغياني اسم «ظهير الدين محمد»، حتى صعب على عشيرته من الأتراك والمغول الجغطائيين التلفظ بهذا الاسم، فأطلقوا عليه من عندهم اسم «بابر» وهو اللقب الذي اشتهر به في التاريخ وعرفه الناس به، ويعني هذا الاسم باللغة الفارسية (النمر). أبوه هو عمر شيخ حاكم فرغانة والابن الرابع لأبي سعيد ميرزا ثامن حكام الدولة التيمورية، أمّه "شاه سلطان بيجوم". وصف بابر والده في كتابه بابر نامه فقال: «كان حنفي المذهب، صحيح العقيدة، مواظباً على الصلوات في أوقاتها. قد قضى جميع ما فاته من الصلوات، وكان يديم تلاوة القرآن، وكان من مربدي الشيخ عبد الله - وهو المعروف بخواجه أحرار - يحرص على صحبته والتبرك به، ويدعوه الشيخ ابنه... وكان يحب الأدب، قرأ منظومات: نظامي والمثنوى والشاهنامه، وكتباً في التاريخ؛ وكان قادراً على نظم الشعر، ولكنه لم يحفل به... وكان عادلاً تبين حبه للعدل من هذه الواقعة: بغتت عاصفة شديدة من الثلج قافلة آتية من بلاد الخطا على سفوح الجبال شرقي أنديجان. فلم ينج من ألف رجل إلا رجلان فلما بلغه الخبر بعث رجالاً أحرزوا أموال القافلة وأتوا بها فحفظها لأهلها مع احتياجه إلى المال. فلما عرف ورثتهم بعد سنة أو سنتين دعاهم وسلم إليهم أموالهم... وكان سخياً حسن الخلق فصيح الكلام حلوه، شجاعاً باسلاً يحسن الضرب بالسيف، وكان وسطاً في الرمي بالسهام شديد اللكم لا يثبت للكمته مصارع... إلى أن يقول: وكان يكثر من الخمر ولكنه اقتصد من بعد فكانت مجالس أنسه يوماً أو يومين في الأسبوع الخ... ويقول: كان عمر شيخ مرزا قصير القامة مستدير اللحية بدينا ممتلئ الوجه يلبس ثوباً ضيقاً جداً فإذا شد أربطته ضغط على بطنه وكثيراً ما تقطعت الأربطة بعد أن يشدها، وكان لا يتكلف في ملبسه ومأكله، يلف عمامته لفة واحدة، وكانت العمائم إذ ذاك أربع لفات وكان يلفها دون طيّ ويترك لها عذبة. ويلبس في أكثر أوقات الصيف خارج الديوان قلنسوة مغولية.» وأمّ بابر هي قتلق نگار خانُم(1) الابنة الثانية ليونس خان المغول (حكم بين 1462م – 1487م) بن أويس خان حاكم مغولستان وخليفة والده، وينتمي إلى سلالة جنكيز خان، وأمّها وجدة ظهير الدين بابر هي "ايشان دولت بيجوم". ويقول عن أمه في سيرته كذلك: «وكانت بنت يونس خان الثانية أي قتلق نگار، وقد رافقتني أكثر أيام كفاحي ومحني وتوفيت رحمها الله عام 911 هـ بعد استيلائي على كابل بخمسة أشهر أو ستة.. ويذكر أولاد أبيه فيقول: ترك ثلاثة بنين وخمس بنات، وكنت أنا ظهير الدين محمد بابر أكبر أبنائه وأمي تدعى قتلق نگار.»

في آسيا الوسطى

حكم فرغانة

    انتهز الأمراء الراچبوتيون فرصة الضعف التي أصابت لدولة أيام السُلطان إبراهيم اللودهي فعقدوا بينهم حلفاً لمُناهضة الحكم الإسلامي في الهند تزعمه "رانا سنگا" صاحب مِوار وراجا أدايپور، وانتهز رانا سنگا فرصة اشتغال بابر بالقضاء على القلاقل في المناطق الشرقية وفيما حول عاصمته، فاستولى على حصن گهندار وهاجم بيانه ودملپور وكالبي من جديد، ثم بدأ يؤلب الأمراء الأفغان ضد بابر ويدعوهم للانضمام إليهم حتى استجاب له فريق منهم. فأخذوا جميعاً يعدون العدة للزحف إلى أغرة، فبرز بابر من عاصمته في جمادى الأولى من عام 933 هـ حتى بلغ سكسرى فأقام بها معسكره، وأخذ يُحصن مواقعه وهيئت عربات الحرب والمدفعية وحُفرت الخنادق وأقيمت المتاريس، وفي هذا المكان أعلن عن عزمه على الجهاد بمحاربة الهنادكة ورفعه ضريبة عن رعاياه، وإقلاعه عن شرب الخمر توبة إلى الله (حيث أن الخمر من المُحرمات في الدين الإسلامي)، وأمر بأهراق الخمر على الأرض وبتحطيم أدوات الشرب من الذهب والفضة إلى قطع صغيرة وتوزيعها على الفقراء، وقد أذيع هذا المنشور في سيرة بابر الجغطائية باللغة الفارسية لأنها كانت اللغة الغالبة في البلاد: «نحمد توابّا يحب التوابين والمتطهرين ونشكر ديانا يهدي المذنبين والمستغفرين... وبعد فإن طبيعةالإنسان على مقتضى الفطرة تميل إلى لذاا النفس البشرية، فهي ليست بمنحاة عن ارتكاب الآثام،  وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ    (4)... وها هي التوبة عن الشرب قد آن أوانها في هذه الأوقات المباركة التي نعد العدة فيها للجهاد في سبيل الله، وقد اجتمع عساكر الإسلام لحرب الكفار...  أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ    (5) فاقتلعنا أسباب المعصية بقرع أبواب الإنابة -ومن قرع باباً ولجَّ ولجَ- وافتتحنا هذا بالجهاد بالجهاد الأكبر هو مجاهدة النفس ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾(6) ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(7)، فأعلنا جميعاً توبتنا عن الشراب وأمرنا بأدواته من كؤوس الفضة والذهب فألقيت إلى الفقراء والمساكين والمعوزين صدقة.... هذا ولما كان الناس على دين ملوكهم فقد أقبل كثير من المقربين لدينا فنالوا في المجلس شرف الإنابة والتوبة عن تعاطي الشراب مطيعين للأوامر معرضين عن النواهي، ولما كان الدال على الخير كفاعله، فنرجو الله أن يكون لنا من ثواب هذه الأعمال نصيب، وأن تكون لنا فالاً طيباً يتزايد بسعادة الفتح والنصر يوماً فيوماً. وغايتنا من هذا المرسوم أن يقابل بالطاعة والخضوع، فينفذ ما ينص عليه من تحريم تعاطي الشراب وصناعته في كافة انحاء بلادنا المحروسة حرسها الله من الآفاف والمخوفات ﴿فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.(8) وشكراً لله على هذه الفتوح وتصدقاً القبول، قد جاد الپادشاه من فيض كرمه برفع التمغة (المكوس) عن كاهل المسلمين جرياً على ضوابط شريعة سيد المرسلين، وصدرت الأوامر بمنع جمعها أو تحصيلها في أي بلد أو ثغر أو طريق أو درب.  فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ    ،(9) وعلى الجند الذين يعيشون في ظل العطف الشاهاني من ترك وتاجيك (وهم الأعاجم من أصول عربية) وعرب وعجم وهنود، وعلى المدنيين والعسكريين وأبناء كل ملة ودين، أن يقوموا جنداً لله الحي القيوم على تنفيذ ما جاء بهذا المرسوم دون انحراف عن مقاصدة، مبادرين إلى ذلك حال وصوله إليهم ممهوراً بالخاتم الأشرف الأعلى. —كتبت بالأمر العالي... في 24 جمادى الأولى من عام 933 هـ.» وكان الخوف يشيع في رجال بابر من قتال الهنادكة ومن معهم من الأفغان، وأخذ الپادشاه بتقوية همم رجاله بخطبة فقال: «إن المرء مهما طال به الأجل فمصير إلى الفناء، فما أشرف له أن يستشهد في ميدان الجهاد فيخلد ذكره عن أن يموت خاملاً حتف أنفه... ولقد أراد الله القدير أن يمتحننا بهذه المحنة، فإن نسقط في ميدان الجهاد فقد كُتبت لنا الشهادة وإن ننتصر فقد أعْلينا كلمته تعالى.» وبالرغم من انسحاب كثير من أمراء البلاد من صفوفهم وما بلغهم من مهاجمة الهنادكة لگواليار ونشوب القلاقل في الدوآب فإن جيش بابر زحف إلى أرض خانوه عند مشارف الراجپوتانا يتقدمهم أصحاب الآلات الحربية من رجال المدفعية وحملة البنادق. والتقى الجمعان قبيل ضحى يوم السبت 13 جمادى الآخرة 933 هـ الموافق فيه 16 مارس 1527م، وتحوي سيرة بابر وصفاً دقيقاً لهذه الواقعة:

    الحمدلله الذي صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده... وصلى الله على خير خلقه محمد سيد الغزاة والمجاهدين.. وبعد؛ فما من نعمة تستوجب الشكر أعظم من النصر على الكفار، فهي في نظر أهل البصيرة أعلى درجات السعادة. والمنة لله وحده الذي حقق لنا من منونات نعمه، النصر والغلبة فكتبنا عنده في سجل المجاهدين لإعلاء كلمته... وتفصيل الأمر في مصدر هذه السعادة وظهور هذه الدولة، أنه لما أضاءت ومضات سيوف فرسان الإسلام من جنودنا بلمعات أنوار الفتح والظفر، وأعانت أيادي التوفيق الرباني على رفع رايات النصر في ممالك دلهي وأغرة، وجونفور وخربد وبهار وغيرها من البلدان بما سبق تفصيله، سارع بالانضواء تحت لوائنا والخضوع لسلطاننا كثير من طوائف القوم من أصحاب الكفر وأرباب الإسلام على السواء. أما رانا سنگا فقد تظاهر بطاعتنا بادئ الأمر ثم ما لبث أن أظهر من بطن: فأبى واستكبر ورفع رأس الفتنة وقاد جيوشها، واجتمع حوله طوائف فيها من تمنطق بالزنار وفيها من ارتدى ثياب الكفر والارتداد (أصحاب الزنار هم الهنادكة، والمرتدون هم الأمراء المسلمون الذين انضموا للهنادكة). هذا وكان سلطان ذلك الكافر اللعين قد اتسع بالهند قبل أن تبزغ شمس دولة الپادشاه بها، ولكن لم يحدث قبل هذه الحرب أن شاركه أحد من الراجاوات والحكام حروبه أو خرج معه فيها. أما السلاطين الأقروياء من أمثال أصحاب دلهي والگجرات ومالوه ومن إليهم، ممن كانوا في حالة تسمح لهم بمعارضته والوقوف في وجهه، فقد عجزوا أن يتكتلوا ضده دون اتفاق الكفار وإياهم، فغدوا لذلك يداهنونه بدورهم ويدارونه اتقاء لخطره ودفعاً لشره. وهكذا باتت بنود الكفر ترفرف على قرابة مائتي مدينة من مدن الإسلام التي خرب مابها من مساجد وسبي ما بها من نساء المسلمين وقتل أطفالهم فيها. أما مدى قوته ومبلغ عدّته، فإن كل إقليم خراجه لكا (أي مائة ألف) يستطيع أن يقدم مائة فارس، وما يكون خراجه كروراً (عشرة ملايين) يقدم عشرة آلاف فارس، ولما كان خراج ولاياته جميعاً يصل إلى عشر كرور فقد كان في وسعه أن يجتمع له مائة ألف من الفرسان. هذا وقد أقبل عدد من أمراء الكفار يقدمون العون له لأول مرة، بدافع عدائهم للمسلمين، وكان لهؤلاء إقطاعات واسعة؛ فهذا صلاح الدين أمير بهليسه ورابزن وسارتگبور، كان له ثلاثون ألفاً من الفرسان، وهذا راول أودَي سنگك صاحب دُنگر پور كان له اثنا عشر ألفاً، ثم حسن خان ميواتي وكان له اثنا عشر ألفاً، وبارمل عدوي وكان له أربعة آلاف، وتربت هاره وكان له سبعة آلاف ومندني راي وكان له اثنا عشر ألفا، وستروي كچي وله ستة آلاف، وخرم دوي وله أربعة آلاف وبرسنگك دوي وله مثلهم وأخيراً محمود خان بن السلطان سكندر خان فبرغم أنه لم يكن له من الملك نصيب فقد تم له جمع عشرة آلاف فارس أمل أن يصل بهم إلى العرش (لم تزد قوات هؤلاء الحلفاء في هذه الواقعة عن مائة وعشرين ألف فارس في حين لم تكن قوات بابر تزيد على ما اشترك به في واقعة پاني پت). هكذا ائتلفت جموع أولئك الكفار معاً، كظلمات بعضها فوق بعض، في حرب أهل الإسلام والعمل على هدم شريعة سيد الأنام، لكن المجاهدين انقضوا عليهم طلباً للشهادة في جهاد الكفار والمنافقين.

    وفي يوم السبت المبارك الثالث عشر من جمادى الثاني من عام 933 هـ أقام جيش الإسلام المظفر مضارب خيامه على تل بجوار خانوه إحدى مناطق بيانه. حتى إذا ما قدم الكفار بأفيالهم -كأصحاب الفيل- برز لهم عساكر المسلمين رياحين الجنة يقاتلون في سبيله صفاً صفاً كالبنيان المرصوص.  أُوْلَـئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ    (10) هنالك أجمع أهل الخبرة على تغطية موضع حملة البنادق وستر مكانهم، وكانوا في الجبهة، فنهجوا نهج مجاهدي الروم (أي العثمانيين)، فصفت العربات أمامهم وقد شُدّ بعضها إلى البعض الآخر بالسلاسل. وكانت جيوش الإسلام تنتظم في إحكام تام، والحرس الشاهاني قد توسط الجناحين منها، وقامت فرق المناوشة بأقصى الجناحين. وحين تقابل الجيشان، وكأنهما الليل والنهار، بدأ الاشتباك عند الجناحين، واشتد أوار الحرب حتى كأنما الأرض قد زلزل زلزالها، وبلغ ضجيج قعقعة السلاح عنان السماء. حتى إذا ما اقتحم جناح الأشقياء الأيسر ميمنة المسلمين، سارعت نجداتنا إليهم، فلم تكتفِ بردهم حتى ظلت تطاردهم إلى قلب جيشهم. وألهم التوفيق نادرة عصره «مصطفى الرومي» وكان في القلب في إمرة ابننا محمد همايون، فتقدم بمدفعه وبنادقه وقذائفه، فحطم صفوف الكفار. حتى إذا ما زحفت أفواجهم من جديد تترى لنجدة رجالهم فكرّوا على جناح المسلمين الأيسر في عنف وشدة، طفق الغزاة يستقبلونهم في كل مرة بالسهام فيبعثون بهم إلى دار البوار، أو يرغمونهم على الفرار، وهم يرددون قوله تعالى:  قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ    .(11) وحين حمى وطيس الحرب صدرت الأوامر إلى رجال الحرس الشاهاني بالبروز للقتال، وكانوا في مواقعهم من وراء المدفعية كالأسود في أقفاصها، فاندفعوا من يمين القلب ويساره كطلعة صبح صادق أطلّ من وراء الأفق، فضرجوا الكفار في ماء بلون الشفق وأطاحوا برؤوس الكثيرين منهم. هذا كما طفق نادرة العصر الأستاذ عليقلي (كان لبابر إلى جانب مدفعه فطع صغيرة أخرى يسميها فرنكية عدا بنادق التي تعرق باسمه التركي "تفك"، وكانت العربات الحربية تصل إلى ثمانمائة) يقذفهم وأتباعه من وسط الجبهة، بقذائف تحيل الجبال الراسيات كالعهن المنفوش، ولو كوفئ الوحد منا بثقلها أعمالاً طيبة لثقلت موازينه، فهو في عيشة راضية، فحصد بها الكثير من الكفار حصداً. كذلك سقى حملة البنادق على هذا المنوال، صدرت الأوامر بتقدم المدفعية من مواقعها إلى الأمام، وبدأت الحضرة الخاقانية بدورها في تقدمها، والفتح في ركاها والظفر واليُمن، فزحفت على فرق الكفار. واختلط الضارب بالمضروب، والغالب بالمغلوب، وانعقدت سحب الغبار فوق الرؤوس وقد حُجبت الشمس وومضاتها، وما ينبعث من الشرر حين تضرب الخيل الأرض بحوافرها في الكر والفر. وهتف الهاتف بالغزاة المجاهدين  وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ    .(12) وأنه ﴿نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾(13) فاقبلوا فرحين مستبشرين يقاتلون في طلب الشهادة، وبلغت المعركة أوجها بين الصلاة الأولى والثانية، ليفلح المسلمون من بعد ذلك في تطويق جيوش الكفار وحصرهم بمكان واحد. حتى إذا ما رأى هؤلاء الأشرار الملحدون أنه قد أحيط بهم، انطلقوا مستيئسين يهاجمون من جديد على طول الجبهة حتى كاد النصر يواتيهم عند الجناح الأيسر، لولا أن أطبق المجاهدون عليهم فاقتلعوهم من أماكنهم وألزموهم طريق الفرار قسراً. هنالك أقبلت نسايم النصر على بستان حظنا ومعها مددٌ من قوله تعالى:  إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا    (14) وتجلى لأعيننا الإقبال والسعادة في كلامه عز وجل:  وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا    .(15) وهكذا انفرط عقد الهنادكة فتناثروا كالعهن المنفوش، فمنهم من سقط في حومة الوغى، ومنهم من هلك في تيه الخراب فصار طعاماً لجوارح الطير، حتى تكدست أجسادهم بعضها فوق بعض كالهضبة الرابية وتكومن رؤوسهم كالمنائر العالية (من تقاليد التيموريين أنهم كانوا على أثر كل انتصار يقيمون من رؤوس القتلى من أعدائهم على هيئة أهرامات ومنائر). وكان من بين القتلى حسن خان ميواتي وكثيرون من أمراء الكفار وأصحاب الشوكة والأعيان الذين بعثت بهم السهام ونيرات البنادق إلى سقر. أما دار الحرب فقد غصت بالجرحى منهم، فكانت كجهنم حين يلتقي خزنتها لمنافقين فتمتلئ بهم، كما لم يكن هناك موطئ لقدم إلا وفيه صرعى من عليائهم. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾(16)....

    – من كتاب تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية وحضارتهم، الجزء الثاني لأحمد محمود الساداتي الذي قام بترجمة هذا النص من بابر نامه ويقول بخصوص ذلك: حافظنا في نقل هذا الوصف إلى العربية على أسلوب الأصل وصورته الأدبية ما وسعنا ذلك، ولم نرفع منه إلا أسماء القواد الكثيرة.

    القلاقل الشرقية

    لكي يغدو بابر سيداً للهندستان كلها كان عليه بعد أن تم له القضاء على الراجپوتيين وتأمين أراضيه، أن يستولي على بعض الحصون الكبرى التي لا يزال يعتصم بها بعض أمراء الهنادكة، وأن يقضي على نفوذ الأمراء الأفغانيين في المناطق الشرقية، وأن يخمد ما يثيرونه من قلاقل هناك. وسار جنود بار صوب الشرق بطريق قنوج، في حين قام بابر وهو على رأس فريق آخر من قواته بفتح حصن چندري الذي يقع أقصى جنوب گواليار وكان على هذا الحصن أمير هندوكي قوي وهو ميدني راو، وتم فتح هذه القلعة بالرغم من امتناع أسوارها على مدفعيته، ومن موقعها الذي كان بأعلى أحد التلال. وكان مخطط بابر بعد فتح هذه القلعة أن يُخضع بعض الحصون الأخرى بمالوه ثم يسير إلى الراجپوتانا من جديد ليقتحم چتور عاصمة موار ومقر خصمه المهزوم رانا سنگا، إلا أنه لم يكتمل لما بلغه من ارتداد قواته في الشرق إلى قنوج بعد أن أُرغمت على إخلاء لكهنؤ، فسارع إليها بنفسه.

    وبلغ بابر قنوج، والتحم هناك مع رجاله في قتال عنيف مع ثوار بهار الذين عادوا بعد أن تزعمهم السُلطان محمود بن سكندر اللودهي بعد هزيمته في خانوه، وبسبب تريث الپادشاه بابر في مطاردتهم لأمكن له القضاء عليهم تماماً. وعوّق حلول فصل الأمطار الغزاة من الاستيلاء على إقليم بهار كله بعد ما بلغت أوده، وأتاح هذا الفرصة للثوار ليعودوا من جديد في العام التالي، واستنفد القضاء عليها جهوداً كبيرة من بابر، وكادت تقضي إلى اشتباكه في الحرب مع البنغال. وذلك أن محمود اللوده كان قد اجتمع له مائة ألف جندي استخلص بهم إقليم بهار كله وبعض الأراضي المحيطة به؛ حتى أرسل بابر إليه ابنه "عسكري" في بداية الأمر ثم لحق به بعد ذلك بنفسه فدخل "الله آباد" و"چنار" "وبنارس" فأقبل عليه الأمراء الأفغان مستسلمين بعد تركهم للثائر اللودهي، ورابه التجاء بقية الثوار إلى إقليم خريد برغم تأكيد "نصرت خان" صاحب البنغال له بنزوعه إلى المسالمة وحرصه على الولاء. وهناك رأى بابر أن يحزم أمره مع القوات البنغالية التي من أزر الثوار إذ كانت في مواقعها عند التقاء الگنج برافد گُگر تعوق من تحركان جند أغرة في مطاردتها للثوار. وتيسر لعسكري ابن بابر أن يعبر ببعض قواته الملتفى الأعلى لگگر والگنج، فشرع بمناوشة البنغاليين وإشغالهم، حتى عبر رجال المدفعية والبنادق مع بقية الجيش عند الملتقى الأدنى للنهرين فوقع أعداء بابر هؤلاء بين النهرين ولم تغنهم مهاراتهم العسكرية وأسلحتهم الجيدة، وبعد وقوع الدائرة عليهم شرعوا في الفرار، وانتهت:معركة گگرا" إلى القضاء التام على الثوار الأفغان وإعلان صاحب البنغال ولائه للپادشاه. وبهذه الوقعة التي تعد ثالث معركة حاسمة خاضها بابر في الهند بعد معركتي: پاني پت وخانوه، غدا بابر ذلك الأمير التيموري صاحب السلطان المُطلق في الهندستان، وأصبحت دولته تمتد في رقعتها المترامية الأطراف من جيجون إلى البنغال ومن الهملايا إلى چندري وگواليار.

    وفاته

    رجع بابر إلى عاصمته في شوال من عام 935 هـ الموافق فيه 1528م فلبث بها مدة، وخرج منها من بعد ذلك إلى الپنجاب وفي نيته أن يواصل سيره نحو بدخشان، ليدفع عنها الأوزبك الذي استفحل خطرهم من جديد برغم ما انزله بهم طهماسب شاه

    المصدر: wikipedia.org