اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
غادر عز الدين القسام وصحبُه حيفا، واتجهوا نحو قضاء جنين، وكان أصحابه في انتظاره في مكان متفق عليه، وأما بقية المجاهدين المنظمين في الخلايا فقد تفرقوا في القرى ليكونوا دعاةً إلى الجهاد، وليكونوا القادة المحرّكين عندما يحين وقت الإعلان والنفير العام. ويبدو أن الموعد كان في قرية نورس حيث ينتظرهم الشيخ فرحان السعدي، وهناك أقاموا في مغارة في أحد جبال القرية، ثم اتجهوا نحو قرية كفر دان، وكانت الشرطة قد أعلنت عن حوافز مادية لتشجيع القرويين على الإدلاء بمعلومات عنهم، ونشرت الشرطة خبراً يفيد أن المجموعة المطاردة في جبال جنين هي عصابة لصوص، وذلك لتضليل الناس والحصول على معلومات عن تحرّكها. ثم انتقلت الجماعة من كفر دان إلى قرية برقين، ومنها انتقلوا إلى جبال قريتي البارد وكفر قود.
وقد وصف عربي البدوي، وهو أحد أفراد العصبة المرافقين للقسام، هذه المرحلة من حركة الجماعة فقال:
وفي الثامن عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1935م ترك القسام وصحبه جبال كفر قود واتجهوا نحو خربة الشيخ زيد قُرب قرية يعبد حيث الشيخ سعيد الحسان أحد أفراد عصبة القسام، وفي الطريق لاحظ عربي بدوي متابعة الجواسيس خطواتهم، فطلب من القسام أخذ قسط من الراحة لبحث مسألة الجواسيس، يقول عربي:
في اليوم التاسع عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) أصبحت تحركات الجماعة تلاقي صعوبة شديدة، فقد وصل إلى جنين عدد كبير من رجال المخابرات والجواسيس، وانبثوا بين الناس في قرى القضاء، وكانوا يتخفون في زي عامل أو فلاح أو زبّال. وفي اليوم نفسه وصل القسام وصحبه خربة الشيخ زيد، ونزلوا في بيت الشيخ سعيد الحسان حتى صبيحة الأربعاء 20111935م، وهو اليوم الذي قُتل فيه عز الدين القسام. ويصف عربي البدوي مَشاهد من هذا اليوم فيقول:
وحين عرف القسام أن أفراد الشرطة يقتربون، أعطى للمجاهدين أمراً بألا يُطلقوا النار على أفراد الشرطة العرب، وأن يُوجهوا رصاصهم إلى الإنجليز، وكان الضباط الإنجليز قد وضعوا الشرطة العربية في ثلاثة مواقع أمامية، وتمترس الإنجليز خلفهم، ولم تكن الشرطة العربية تعرف حقيقة الجهة التي أُحضروا إليها، وحقيقة الجماعة التي يطاردونها، فقد ادّعوا لهم بأن المطارَدين لصوصٌ يهددون أمن البلاد. واتخذت المعركة بين الطرفين شكل عراك متنقل، وساعدت كثافة الأشجار على انتقال أفراد الجماعة من موقع إلى آخر، ودامت المعركة مستمرةً من الصباح الباكر حتى وقت قُبيل العصر، وقد ثبت المجاهدون وأبوا الفرار، وكانوا يستطيعون ذلك، وبدت أمامهم فرصة للنجاة عندما ناداهم الضابط البريطاني: «استسلموا تنجوا»، فأجاب القسام: «لن نستسلم، هذا جهاد في سبيل الله»، ثم هتف بأصحابه: «موتوا شهداء»، فردد الجميع: «الله أكبر الله أكبر».
فقُتل في المعركة: القائد عز الدين القسام، وثلاثة من أصحابه: يوسف عبد الله الزيباوي من قرية الزيب في قضاء عكا، وعطية أحمد المصري وهو مصريّ جاء عاملاً إلى حيفا، وأحمد سعيد الحسان من نزلة زيد. وجُرح في المعركة: نمر السعدي من غابة شفا عمرو، وأسعد المفلح من أم الفحم. وأُسر في المعركة: حسن الباير من برقين، وحُكم عليه بالسجن 14 عاماً، وأحمد عبد الرحمن جابر من عنبتا، وحُكم عليه بالسجن 14 عاماً، وعربي البدوي من قبلان، وحُكم عليه بالسجن 14 عاماً، ومحمد يوسف من سبسطية. وأما الإنجليز فقد قُتل منهم أكثر من 15 قتيلاً في المعركة.
توفّي القسام في معركة يعبد، فوجدوا في ثيابه مصحفاً وأربعة عشر جنيهاً فقط، وقد زعم بعض المؤلفين أن القسام باع بيته في حيفا قبل خروجه، ورُوي أن القسام لم يكن يمتلك بيتاً، وإنما كان يسكن بيتاً مستأجراً، وكذلك رفيقه محمد الحنفي، مع أن القسام والحنفي قد وصلت لأيديهم آلاف الجنيهات، فكانوا ينفقونها في شراء السلاح.
نُقلت جثامين القتلى من ساحة المعركة إلى جنين، ثم أرسلت إلى حيفا لتُسلّم إلى ذويها، واشترطت السلطات البريطانية شرطين: أولاهما: أن يكون الدفن في الساعة العاشرة من صباح الغد، الخميس 21111935م، وثانيهما: أن تسير الجنازة من بيت عز الدين القسام الواقع خارج البلدة إلى المقبرة في بلد الشيخ، فلا يُستطاع السير بالجثامين داخل المدينة.
وصدرت الصحافة المحلية تحمل نبأ وفاة القسام في صفحاتها الأولى، وعندما وصل النبأ إلى الناس أقفلت حيفا محالّها، وتدفقت إلى بيت القسام، وجاءت الوفود من جميع أنحاء فلسطين لتشارك في تشييع الجنازة، وأخذت المآذن تزفّ الخبر في جميع أنحاء البلاد. وحمل الناس نعوش القتلى الثلاثة، واتجهوا إلى جامع الجرينة (النصر) في وسط حيفا، مخالفين شرط السلطات البريطانية، وبعد صلاة الجنازة أبّن الشيخ يونس الخطيب قاضي مكة الأسبق القتلى بكلمة مؤثرة، بيّن فيها «أجر الشهداء عند ربهم».
وقالت جريدة الجامعة العربية بتاريخ 311936م: «يحتفل أبناء فلسطين بإحياء ذكرى مجاهد من سورية الشمالية سقط شهيداً في سبيل استقلال سورية الجنوبية، وليس ذلك فحسب، بل قاد حملة جهاد لعلها الأولى من نوعها في تاريخ الإسلام الحديث في فلسطين وسورية والشرق العربي بأسره».
وقال عبد الوهاب الكيالي في كتابه «تاريخ فلسطين الحديث» مبيناً نتائج معركة يعبد: