اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تُعد كلمة الشعبوية عبارة مبهمة ومتنازعٌ عليها تُستخدم في الإشارة إلى مجموعة متنوعة من الظواهر. وصفها العالم السياسي ويل بريت بـ «المثال التقليدي لمفهوم موسَّع»، والذي اجتُّث معناه بسبب فرط الاستخدام وإساءته»، بينما قال العالم السياسي بول تاغارت عن الشعبوية إنها «أحد المفاهيم السياسية الأكثر استخدامًا ولكن غير مفهومة جيدًا في عصرنا».
نشأ هذا المصطلح كأحد أشكال التسمية الذاتية، واستخدمه أعضاء حزب الشعب الذي نشطوا في الولايات المتحدة خلال أواخر القرن التاسع عشر. في الإمبراطورية الروسية خلال نفس الفترة، كانت هناك جماعة يُشار لها بالنارودنكس، والتي غالبًا ما تُرجمت إلى الإنجليزية بالشعبوية. اختلفت الحركتان الروسية والأمريكية في نواح مختلفة، وكان تشارك الاسم من قبيل الصدفة. في عشرينيات القرن العشرين، دخل المصطلح اللغة الفرنسية، واستُخدم لوصف مجموعة من الكُتاب الذين يعبرون عن تعاطفهم مع الأشخاص العاديين. في أعقاب عام 2016، وهو العام الذي شهد انتخاب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، واستفتاء بقاء المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي -كلاهما حدث مرتبط بالشعبوية- أصبحت كلمة الشعبوية أحد أكثر المصطلحات التي استخدمها المعلقون السياسيون الدوليون. في عام 2017، أعلنها قاموس كامبريدج كلمة العام.
رغم أن المصطلح بدأ كتسمية ذاتية، ينبع جزء من اللبس المحيط به من حقيقة أنه نادرًا ما استُخدِم على هذا النحو، إذ تصف قِلة من الشخصيات السياسية نفسها علنًا بأنها «شعبوية». لاحظت العالِم السياسي مارغريت كانوفان «عدم وجود حركة شعبوية دولية واعية للذات ربما حاولت السيطرة على الإشارة لهذا المصطلح أو الحد منه، ونتيجة لذلك تمكن أولئك الذين استخدموه من إرفاقه بمجموعة واسعة من المعاني». تختلف الشعبوية في هذا الأمر عن مصطلحات سياسية أخرى، كـ «الاشتراكية» أو «المحافظة»، والتي استخدمها الأفراد الذين قدموا تعريفاتهم الخاصة الداخلية للكلمة كتسميات ذاتية على نطاق واسع. بل إنها تشترك في أوجه التشابه مع مصطلحات أخرى كـ «اليسار المتطرف» أو «اليمين المتطرف» أو «التطرف»، والتي كثيرًا ما تُستخدم في الخطاب السياسي ولكنها نادرًا ما تُستخدم كتسميات ذاتية.
في الخطاب الشعبي، غالبًا ما يختلط مصطلح «الشعبوية» بمفاهيم أخرى كالغوغائية، ويُطرح عمومًا كشيء «يُخشى منه ومشكوك فيه». غالبًا ما طُبّق على الحركات التي تُعتبر خارج التيار السياسي الرئيسي أو تهديدًا للديمقراطية. لاحظ العالمان السياسيان إيف ميني وإيف سوريل أن «الشعبوية» أصبحت «شعارًا، لا سيما في وسائل الإعلام، لتسمية الحركات السياسية أو الاجتماعية حديثة العهد التي تتحدى القيم والقواعد والمؤسسات الراسخة في المعتقدات الديمقراطية». عادة ما يُستخدم هذا المصطلح ضد الآخرين، غالبًا بالمعنى الازدرائي لتشويه سمعة المعارضين. اعتنق بعض من أُشير لهم مرارًا بلقب «الشعبويين» بالمعنى الازدرائي المصطلح لاحقًا في أثناء سعيهم إلى التخلص من دلالاته سلبية. اتُّهم السياسي الفرنسي اليميني المتطرف جان ماري لوبان بالشعبوية، ورد لاحقًا أن «تأخذ الشعبوية في الاعتبار رأي الشعب على وجه التحديد. هل يحق للأشخاص اعتناق أي رأي في ظل الديمقراطية؟ إذا كان الأمر كذلك، فنعم، أنا شعبوي». بالمثل، أعلن حزب العمال الليتواني الذي ينتمي إلى وسط اليسار، بعد تأسيسه في عام 2003: «نحن شعبويون وسنُسمى بذلك».
حتى خمسينيات القرن العشرين، اقتصر استخدام مصطلح «الشعبوية» عمومًا على المؤرخين الذين يدرسون حزب الشعب، ولكن في عام 1954، نشر عالم الاجتماع الأميركي إدوارد شيلس مقالًا يقترح الشعبوية على أنها مصطلح لوصف الاتجاهات المناهضة للنخبة في المجتمع الأميركي على نطاق أوسع. انطلاقًا من مقال شيلس، خلال ستينيات القرن العشرين، أصبح مصطلح «الشعبوية» أكثر رواجًا بين علماء الاجتماع والأكاديميين الآخرين في العلوم الاجتماعية. في عام 1967، عُقد مؤتمر عن الشعبوية في كلية لندن للاقتصاد، فشل مشاركوه بالتوصل لاتفاق على تعريف واضح ومفرد. نتيجة لهذا الاهتمام العلمي، نشأ مجال أكاديمي يُعرف بـ «الدراسات الشعبوية». نما الاهتمام بالموضوع بسرعة: بين عامي 1950 و1960 ظهر نحو 160 منشورًا عن الشعبوية، بينما كان هذا العدد بين عامي 1990 و2000 يزيد على 1500. جادل تاغارت بأن هذا الاهتمام الأكاديمي لم يكن متسقًا ولكنه ظهر في «دفعات» من البحوث التي عكست الظروف السياسية في ذلك الوقت.
أشارت كانوفان إلى أنه «إذا لم تكن فكرة الشعبوية موجودة، فلن يبتكرها أي عالم اجتماعي عمدًا، وهذا المصطلح مبهم للغاية بالنسبة لذلك». من البحث في كيفية استخدام مصطلح «الشعبوية»، اقترحت أنه يمكن استشفاف سبعة أنماط مختلفة من الشعبوية. ثلاثة منها من أشكال «الشعبوية الزراعية»، وهي راديكالية المزارعين، وحركات الفلاحين، والاشتراكية الزراعية الفكرية. أما الأربعة الأخرى فهي من أشكال «الشعبوية السياسية»، والتي تمثل الدكتاتورية الشعبوية والديمقراطية الشعبوية والشعبوية الرجعية وشعبوية السياسيين. أشارت إلى أن هذه «مفاهيم تحليلية» وأن «أمثلة الحياة الحقيقية قد تتداخل مع عدة فئات»، وأضافت أنه لا توجد حركة سياسية واحدة تندرج في جميع الفئات السبع. بهذه الطريقة، تصورت كانوفان الشعبوية عائلة من المفاهيم المترابطة بدلًا من أن تكون مفهومًا واحدًا بحد ذاته.
أدى اللبس الذي يكتنف هذا المصطلح إلى أن يقترح بعض العلماء أنه ينبغي التخلي عنه بالمعرفة. على النقيض من وجهة النظر هذه، ذكر العلماء السياسيون كاس مودي وكريستوبال روفيرا كالتوسر أنه «على الرغم من أن الإحباط أمر مفهوم، يُعد مصطلح الشعبوية مصطلحًا شديد المركزية ليُستغنى عنه ببساطة في المناقشات حول السياسة من أوروبا إلى الأمريكتين». بالمثل، أشارت كانوفان إلى أن المصطلح «ذو معانٍ واضحة ومحددة نسبيًا في عدد من المجالات المتخصصة» وأنه «يوفر مؤشرًا، مهما كان متزعزعًا، لمجال مثير للاهتمام وغير مستكشف إلى حد كبير من التجربة السياسية والاجتماعية». رأى العالمان السياسيان دانييل ألبيرتازي ودنكان ماكدونيل أنه «في حال تحديد مصطلح «الشعبوية» بدقة، فإنه يمكن استخدامه بشكل مربح لمساعدتنا على فهم مجموعة واسعة من الجهات السياسية الفاعلة وتفسيرها». لاحظ العالم السياسي بن ستانلي أنه «على الرغم من إثبات جدلية معنى المصطلح في الأدب، يوحي الإصرار الذي تكرر به إلى وجود حقيقة لا يمكن استبعادها على الأقل: أي أنه يشير إلى نمط متميز من الأفكار».
على الرغم من اختلاف التعاريف الأكاديمية للشعبوية، ركز معظمها على فكرة أنه ينبغي الإشارة إلى شكل من أشكال العلاقة بين «الشعب» و«النخبة»، وأنه ينطوي على اتخاذ موقف معادٍ للمؤسسات. بعيدًا عن هذا، أكد العديد من العلماء على سمات مختلفة يرغبون باستخدامها لتعريف الشعبوية. حدثت هذه الاختلافات في ميادين علمية محددة وبين ميادين مختلفة، وتتباين، على سبيل المثال، بين الباحثين الذين يركزون على مختلف المناطق والفترات التاريخية المختلفة.