اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إنّ غاية خلق الله تعالى للإنسان وإيجاده؛ هي عبادة الله تعالى، والاستقامة على طريق مرضاته، والثبات على ذلك، قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وإذا اكتمل فهم الإنسان لدينه أدرك أنّ ثمّة ما يفوق العبادة في الأجر؛ وهي دعوة الخَلق إلى الخالق سُبحانه، وحرصه على نشر الدين وشرائعه العظيمة، وغرس الأخلاق والقيم الإسلامية في نفوس الناس، وترغيبهم في الجنة، وتحذيرهم من النار؛ ولذلك كانت الدعوة إلى الله -تعالى- من أعظم القربات التي يتقرّب بها العبد إلى ربّه، وقد وعد الله -تعالى- أهلها بالأجر العظيم والفوز بمرضاته.
إنّ ممّا يؤكّد أهمية الدعوة إلى الله -تعالى- أنّها كانت مهمّة الأنبياء والرّسل عليهم السلام، وقد أمر الله -تعالى- نبيّه محمّداً -صلّى الله عليه وسلّم- بالدّعوة إليه في قوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، وكذلك فقد حثّ الله تعالى عباده المؤمنين على الدعوة إليه بقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، ومعنى الاستفهام: أنّه ما من أحدٍ أفضل ممّن يحمل همّ الدعوة إلى الله تعالى، وينفق وقته وجهده في سبيل تلك الغاية العظمى، ولقد كان ممّا يدلّ على أهمية الدعوة إلى الله تعالى؛ أنّه جعل الخيريّة في أمّة المسلمين بسبب دعوتهم لله، وقيامهم بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، فقد قال الله عزّ وجلّ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)، فكانت الخيرية للمسلمين بسبب دعوتهم وتذكيرهم ونصحهم لغيرهم لا بشيءٍ آخر، ولقد وعد الله -تعالى- عباده الدّاعين إليه فتحاً وفضلاً وقبولاً في الدنيا والآخرة، ويكفيهم هذا الفضل والنعيم، قال الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
إذا أقبل العبد على دعوة الناس إلى الله تعالى، وأخلص النية في ذلك؛ فإنّه سيجني ثمار جهده ولا شكّ، فإذا كتب الله -تعالى- الهداية لشخصٍ على يد أخيه، فقد نال فوزاً وأجراً عظيماً، ولقد وردت أحاديث نبويّة شريفة تشير إلى شيءٍ من أجر وثواب من يدعو النّاس إلى الله تعالى، ففي يوم فتح خيبر، نادى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- مُستفتحاً حصون اليهود بقيادته، ثمّ أوصاه حين أرسله بقوله: (انْفُذْ على رِسْلِكِ حتى تنزلَ بساحتِهِم، ثمَّ ادعُهُمْ إِلى الإسلامِ، وأَخْبِرْهُمْ بما يَجِبُ عليْهِم مِنْ حقِّ اللهِ فيه، فواللهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بكَ رجلاً واحداً، خيرٌ لَكَ مِنْ أنْ يَكُونَ لَكَ حمرُ النَّعَمِ)، وحمر النّعم هي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنّه ليس هناك أعظم منه، وكأنّ النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- يريد أن يذكر للناس أنّ هداية رجلٍ واحدٍ خير للمرء من أن ينال أعظم أموال الدنيا وهباتها ومتاعها، فكان هذا تشجيعاً وترغيباً منه؛ ليقبل المسلم على دعوة غيره إلى الله تعالى، فينال بذلك الأجر العظيم.
ورد عن النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- حديث شريف آخر يرويه عنه أبو هريرة -رضي الله عنه- في الفضل الذي يناله من يهتدي على يديه أحدٌ من الناس فقال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: (من دعا إلى هدىً، كان له من الأجرِ مثلُ أجورِ من تبِعه، لا يُنقِصُ ذلك من أجورِهم شيئاً)، فإذا كان الداعي إلى الله له مثل أجور كلّ من اهتدوا على يديه، فتكون أعمالهم الحسنة في ميزان حسناته، فإنّ فرحه وأجره يوم القيامة عظيم لا يحصيه أحد إلّا الله؛ لذلك كانت تلك الدعوة والجهد إلى الله خيرٌ للمرء من أنفس الأموال والمتاع في الحياة في الدّنيا؛ لأنّ متاع الدنيا فانٍ، وأجر الله ونعيمه في الآخرة باقٍ خالد.
إنّ الثمرات التي يجنيها الداعي إلى الله عظيمة وعديدة، وكذلك فإنّ هناك نفعاً يعود على المجتمع بعمومه إذا كان أهله من الدّعاة إلى الله سبحانه، ومن بركات الدعوة المتحقّقة للفرد والمجتمع:
هناك واجبات وصفات على الداعي إلى الله أن يتحلّى بها ويتقنها؛ حتى تكون دعوته إلى الله مثمرةً مقبولةً، من هذه الأمور التي على الداعي التحلّي بها ما يأتي: