اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
حظيت مواضيع أصول المسيحية وصعودها السريع، وكذلك يسوع التاريخي والوثوقية التاريخية ليسوع، بنقاشات طويلة الأمد منذ القدم في الأبحاث اللاهوتية والتاريخية. رغم أن المسيحية ربما بدأت بنواة أولية من أتباع يسوع، يبدو أنه في غضون سنوات قليلة بعد موته المزعوم في عام 33 ميلادي، وحينما ابتدأ بولس بالتبشير، ظهر عدد من الحركات اليسوعية، ما أوجد عدة تفسيرات متباينة لتعاليم يسوع. إن السؤال المحوري هنا هو كيف تطورت هذه المجتمعات، وماذا كانت خلفياتهم العقيدية قبلها، إذ كانت هناك مجموعة كبيرة من المعتقدات والأفكار في المسيحية الأولى، من ضمنها التبني، والدوسيتية، وأيضًا التقاليد الغنوصية التي استخدمت مجازاتٍ مسيحيةً اعتبرتها الكنيسة المسيحية الأرثوذكسية الأولى كلها هرطقات.
جرى أول مسعى للبحث عن يسوع التاريخي في القرن التاسع عشر، حين كُتبت المئات من حيوات يسوع. يُعد دافيد فريدريك شتراوس (1808-1874) رائد البحث عن «يسوع التاريخي» لكونه أول من رفض الأحداث فوق الطبيعية كلها باعتبارها تفاصيل أسطورية. كان عمله حياة يسوع المنشور في عام 1835 واحدًا من أوائل التحليلات المنهجية المؤثرة عن قصة حياة يسوع، الذي هدف إلى بنائها على أبحاث تاريخية غير متحيزة. استخدمت مدرسة تاريخ الأديان، منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، منهجيات النقد الأعلى، وهو أحد فروع النقد يحقق في أصول النصوص القديمة من أجل فهم «الظروف التي كُتب فيها النص». قارنت المسيحيةَ بديانات أخرى، معتبرةً إياها ديانة واحدة من بين ديانات أخرى، رافضةً ادعاءاتها حول الحقيقة المطلقة، ومبينةً اشتراكها ببعض السمات مع ديانات أخرى. جادلت بأن المسيحية لم تكن مجرد استمرار للعهد القديم، بل توفيقية بين الأديان، وكانت متجذرة في الهلنستية اليهودية (فيلو) والديانات الهلنستية مثل الديانات السرائرية والغنوصية، ومتأثرة بها. تساءل مارتن كاهلر عن جدوى البحث عن يسوع التاريخي، مميزًا بين «يسوع التاريخ» و«مسيح الإيمان»، قائلًا إن الإيمان أهم من المعرفة التاريخية الدقيقة. شدد رودولف بولتمان (1884-1976)، الذي انتمى إلى مدرسة تاريخ الأديان، على اللاهوت، وجادل في عام 1926 بأن البحث عن يسوع التاريخي عديم الجدوى وغير ضروري، رغم تعديله هذا الموقف قليلًا في كتاب لاحق.
انتهى هذا المسعى الأول بمراجعة ألبرت شفايتزر النقدية في عام 1906 لتاريخ البحث عن حياة يسوع في البحث عن يسوع التاريخي، من رايماروس إلى فريده. في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، اعترض المؤلفون الذين أنكروا تاريخية يسوع على هذا المسعى، وخصوصًا باور وآرتور دريفز.
بدأ المسعى الثاني في عام 1953، مخالفًا ما قاله بولتمان. قُدمت عدة معايير، معيار الاختلاف ومعيار الإحراج، لتحليل روايات العهد الجديد وتقييمها. تضاءل هذا المسعى في سبعينيات القرن العشرين بسبب تضاؤل تأثير بولتمان، وتزامن مع صدور منشورات ويلز الأولى التي مثلت بدء إحياء نظريات أسطورية المسيح. يقول بول زاهل إنه رغم تقديم المسعى الثاني إسهاماتٍ كبيرةً في ذلك الوقت، فقد نُسيت معظم نتائجه الآن، وإن لم يُثبَت عكسه.
بدأ المسعى الثالث في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وأدخل معايير جديدة. من بينها في المقام الأول معيار المصداقية التاريخية، ومعيار الرفض والتنفيذ، ومعيار التطابق (المسمى أيضًا الدليل الظرفي التراكمي)، وهي حالة خاصة لمعيار الترابط الأقدم. إن المسعى الثالث متعدد التخصصات وعالمي، أجراه علماء من تخصصات متعددة ودمجوا فيه نتائج الأبحاث الأثرية.
أسفر المسعى الثالث عن رؤى جديدة في السياق الفلسطيني واليهودي ليسوع، لا في شخص يسوع نفسه. وأوضح أن كل المواد المتعلقة بيسوع آتية من الكنيسة المنبثقة، ما يثير تساؤلات حول معيار الاختلاف، وإمكانية إسناد تلك المواد إلى يسوع وحده، لا إلى الكنيسة المنبثقة.
أدت هذه الأساليب الحرجة إلى إعادة النظر إلى يسوع بصفته شخصية لاأسطورية. إن وجهة النظر العلمية السائدة هي أن رسائل بولس والأناجيل تصف مسيح الإيمان، مقدمةً رواية دينية حلت محل أخرى تاريخية عن يسوع الذي عاش في فلسطين الرومانية في القرن الأول. مع ذلك، لا يشك أحد في وجود يسوع التاريخي. يقول عالم العهد الجديد بارت إيرمان إن يسوع «كان موجودًا بالتأكيد، ويوافق على ذلك كل عالم مختص في العصور القديمة، مسيحيًا كان أم غير مسيحي».
وفقًا لمعايير نهج الموثوقية، يختلف العلماء حول تاريخية أحداث محددة مُدونة في روايات الإنجيل عن يسوع، لكن يلقى حدثا المعمودية والصلب «إجماعًا عالميًا تقريبًا». تقول المؤرخة ألانا نوبس:
رغم استمرار النقاشات التاريخية واللاهوتية حول أفعال هذا الشخص وأهميته، فإن شهرته كمعلم وصلبه على يد الحاكم الروماني بيلاطس البنطي يمكن أن يوصفا بأنهما أمران مؤكدان تاريخيًا.
غالبًا ما اختلفت صور يسوع عن بعضها وعن الصورة الموصوفة في روايات الأناجيل. تتمثل الصور الرئيسية ليسوع الناتجة عن المسعى الثالث في ما يلي: نبي رؤيوي، وشافٍ كاريزماتي، وفيلسوف تشاؤمي، ومشيح يهودي، ونبي التغيير الاجتماعي. يقول إيرمان إن الرأي الأكثر شيوعًا هو أن يسوع كان نبيًا رؤيويًا أُلِّه لاحقًا.
وفقًا لجيمس دان، ليس من الممكن «بناء تصور حقيقي (من البيانات المتاحة) عن يسوع». حسب فيليب ر. ديفيز، المنتمي إلى مدرسة الكتاب المقدس المعتدلة، «إن ما يجري تأكيده على أنه يسوع في التاريخ هو شفرة لا شخصية كاملة». حسب إيرمان، فإن «المشكلة الحقيقية مع يسوع» ليست الموقف الأسطوري بصفته «أسطورة اخترعها المسيحيون»، بل كونه «تاريخيًا جدًا»، أي أنه كان يهوديًا فلسطينيًا منذ القرن الأول، ولم يكن مثل يسوع الذي يُبشَّر به ويُعلن عن اليوم. يقول إيرمان: «كان يسوع يهوديًا في القرن الأول، وحين نحاول أن نجعله أميركيًا في القرن الحادي والعشرين، فإننا نشوّه كل ما كان عليه وكل ما دافع عنه».
منذ أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تزايدت بواعث القلق بشأن جدوى معايير الأصالة. يرى كريس كيث أن المعايير ما هي إلا أدوات أدبية تدين بالفضل إلى النقد التشكيلي، ولكنها ليست أدواتًا تأريخيةً. كان الغرض من الأدوات المدينة تلك تمييز تقاليد ما قبل الإنجيل، لا تحديد الحقائق التاريخية، ولكنها «استبدلت التقليد ما قبل الأدبي بتقليد يسوع التاريخي». يرى أنتوني لودون أن استخدام هذه المعايير هو شكل من أشكال «التأريخ الوضعي».
يجادل كريس كيث وأنتوني لودون وآخرون من أجل نهج «ذاكرة اجتماعية» الذي ينص بأن احتياجات الحاضر تشكل الذكريات وبدلًا من البحث عن يسوع التاريخي، ينبغي للعلم دراسة كيفية تشكل ذكريات يسوع وكيف أُعيد تشكيلها «بهدف التماسك والفهم الذاتي (فهم هوية) للمجموعات».
كانت دراسة جيمس دان في عام 2003، تُذُكِّر يسوع، بداية هذا «الاهتمام المتزايد … بنظرية الذاكرة وشهادة الشهود العيان. يقول دان: «إن الهدف الوحيد الواقعي لأي «بحث عن يسوع التاريخي» هو تذكُّره». يزعم دان أن المسيحية بدأت بالتأثير الذي تركه يسوع على أتباعه، الذين نقلوا ذكرياتهم عنه ودوَّنوها في التقليد الإنجيلي الشفاهي. وفقًا لما ذكره دان، أنه لكي يفهم العلماء من هو يسوع وما هو تأثيره، يتعين عليهم أن ينظروا إلى «الصورة الواسعة النطاق، مركزين على السمات المميزة والمؤكدة لتقليد يسوع، بدلًا من جعل الاكتشافات تعتمد اعتمادًا زائدًا على عناصر منفردة من التقليد».
شرح أنتوني لودون أطروحة دان بالتفصيل مستندًا إلى «تأريخه بالكامل لأطروحة دان القائلة إن يسوع التاريخي هو ذكرى المسيح التي ذكرها التلاميذ الأوائل». طبقًا لما قاله لودون، يُعاد تشكيل الذكريات، ولا يُستذكَر الماضي بدقة. يقول لودون إن تذكر الأحداث يُتيسَّير بربطها بقصة أو «نوع» مشترك. يُشكل هذا النوع طريقة الاحتفاظ بالذكريات وإعادة سردها. يعني هذا أن تقليد يسوع ليس اختراعًا لاهوتيًا للكنيسة الأولى، بل يتشكل ويتهدم بفعل القيود التي يضعها هذا النوع على الذكريات المتناقلة، بسبب قالب هذا النوع.
يذكر كريس كيث إن هناك بديلًا للبحث عن يسوع التاريخي «يفترض وجود يسوع تاريخي لا يمكن تحققه إطلاقًا في نهاية المطاف، ولكن يمكن فرضه على أساس تفسيرات المسيحيين الأوائل، وكجزء من عملية أكبر لمعرفة كيف ولماذا نظر المسيحيون الأوائل إلى يسوع بالطرق التي رأوها». يرى كيث أن «هذين النموذجين غير متناسبين من الناحيتين المنهجية والمعرفية»، ما يثير الشك في أساليب وهدف النموذج الأول.
يزعم واضعو نظريات أسطورة المسيح أن روايات يسوع هي في معظمها، أو بأكملها، ذات طبيعة أسطورية، مشككين في النموذج السائد ليسوع التاريخي الذي أُلِّه في بداية القرن الأول. يشير معظمهم، مع معظم الدراسات السائدة، إلى أن المسيحية تطورت في حضن الديانة الهلنستية اليهودية المتأثرة بالهلينة. يجب أن تُفهم المسيحية المبكرة وروايات يسوع ضمن هذا السياق. بعد أن استحدثت دراسة العهد الجديد المعاصرة عدة معايير لتقييم تاريخية فقرات العهد الجديد وأقواله، اعتمد معظم منظري أسطورة يسوع على مقارنة الأساطير المسيحية بالتقاليد الدينية المعاصرة، مع التركيز على الطبيعة الأسطورية لروايات الكتاب المقدس.
يزعم بعض الكتاب المعتدلين، وأبرزهم ولْز، أنه ربما وُجد يسوع التاريخي، لكنَّ يسوع التاريخي هذا أُدمجِت شخصيته مع تقليد آخر، وهو شخصية المسيح الأسطورية التي قدمها بولس. جادل آخرون، وخصوصًا ويلز وألفار إليغارد في وقت مبكر، بأن يسوع الذي تحدث عنه بولس عاش قبل ذلك بكثير، في ماضٍ بعيد لا يُتذكر عنه إلا القليل.
يتبنى منظرون أسطوريون أكثر راديكاليةً، على حد تعبير روبرت برايس، موقف «إنكار يسوع»، أي أنه لم يكن هناك يسوع تاريخي قط، وكل ما يُروى هو عن شخصية أسطورية، وقصة التجسد، والموت، والصعود هي أساطير أيضًا. نشأت تلك الشخصية عبر إدماج توفيقي للفكر الديني اليهودي والهلنستي والشرقي أوسطي، قدمه بولس ثم أرخته الأناجيل، والتي تُوُفِقت هي الأخرى. من هؤلاء «المنكرين» البارزين بول لويس كوشود، إيرل دوهرتي، وتوماس برودي، وريتشارد كاريير.
يتبنى بعض الكتاب الآخرين موقف لاأدري يسوعي. أي أنه لا يمكن التأكد من وجود يسوع تاريخي، وإذا وُجِد بالفعل، فلا يمكن معرفة أي شيء عنه تقريبًا. من أبرز «اللاأدريين» روبرت برايس، وتوماس طومسون. يقول طومسون إنه لا علاقة لمسألة تاريخية يسوع بفهم معنى نصوص الكتاب المقدس وأهميتها في زمنها.