اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
يكن كينز الاقتصادي الأول الذي شكك في قانون ساي. فقد وقف توماس مالتوس وجان دي سيسموندي مسبقًا ضد ذلك القانون. ولكن كان تميز كينز عن سابقين في تقديم نظرية بديلة. فعلى المستوى التنظيري، قام كينز، مثل ريكاردو، بتعيين عدد من المتغيرات الرئيسية (حددها في الاستهلاك، الاستثمار، سعر الفائدة، عرض وطلب المال بشكل رئيسي) من أجل إعطاء معنى لمشكلة معقدة. رغم أن كينز يحب المنظرين الحدسيين، كتوماس مالتوس أو ستانلي جيفونز، نظرًا لأنهما أكثر إبداعية، إلا أنه استلهم طرق تصميم النظرية من أدوات لاكتشاف الحقائق المتماسكة وغيرها من ألفرد مارشال، مازج ومُجمع للأفكار والآراء. ونتج عن توفير النظرية لأدوات متاحة للتبني من قِبَل طيف واسع من الاقتصاديات، فقد تُبنيت النظرية الكينزية بسرعة «عبر الليبراليين والأنجلوساكسونيين المتطرفين بشكل أكبر من حزب العمال، الديمقراطيين الاشتراكيين، والاشتراكيين الإصلاحيين بأوروبا، وأيضًا عبر الديمقراطيين المسيحيين، المصلحين الاجتماعيين، أنصار التنمية الاجتماعية الوطنيين، ورثة كولبير، ولست، و[هنري شارل] كاري». كان كينز واعيًا بذلك، كما تبين في رسالة بعثها لغاردينر مينز في 10 أغسطس 1939:
«أريد أن أؤكد على التفرقة ما بين نظريتي العام، والتي يُنظر إليها كنظرية أكثر أو أقل عمومًا، وتطبيقاتها والتي من الممكن أن تُنفذ في ظروف مختلفة وفقًا لعدة افتراضات واقعية... أرى النظرية قابلة للتطبيق أيضًا بشكل جيد في الاقتصاد المرن عن الجامد أو في موقف وسط»
ستساهم تلك الأدوات التنظيرية، والتي سيصل بها الكينزيون الجدد لمرحلة الكمال، في بناء أساس لمجال سياسة الاستقرار.
لم يقترح كينز استبدال السوق ونظام الأسعار عبر التخطيط المركزي، وإنما ضبط السوق أثناء ترك الأفراد أحرارًا في إنفاق ما يكسبون، وذلك عبر سياسات اقتصادية بهدف تحقيق الانتعاش والاستقرار الاقتصادي.
ولأجل فهم مقصد السياسات الاقتصاد الكينزية، فلابد من الرجوع لوالتر ليبمان، والذي رأى أنه «لأجل تحقيق التوازن في القطاع الخاص فلابد من تدخلات تعويضية من القطاع العام».
كينز مرتين لمفهوم اليد الخفية، ففي مقالاته في جريدة The Times منذ 12 حتى 14 يناير 1937، أكد على «أنه ما من سبب لادعاء وجود يد خفية، تحكم آلي للنظام الاقتصادي، والذي يضمن من تلقاء نفسه أن كمية الاستثمار النشط تكون دومًا على المستوى المطلوب». ولكن، رغم أن اليد الخفية لا تؤدي بشكل تلقائي للوضع الاقتصادي الأمثل، كما تبين معارضته لقانون ساي، إلا أنه تتواجد قوى في السوق (اليد الخفية) التي تسعى، تحت عدة شروط مؤسسية، لأن تدفع نحو الاستقرار: «هناك تيارات قوية سرية في النظام السائد كامنة بتلك الأمور، قوى طبيعية كما يقول البعض، أو حتى اليد الخفية، والتي تدفع نحو التوازن».
يلزم التنويه بأن كينز ومن بعده الكينزيين الجدد حين ذكروا أنهم يرغبون بمنح الدولة الأدوات اللازمة لقيادة سياسات اقتصادية، فلم يريدوا الدولة بمعناها القانوني، وإنما بمعناها الواسع، أي المؤسسات العامة أو الخاصة التي تعمل على المصلحة العامة، لا مصلحة خاصة قصيرة المدى. ولكن بسبب ميول كينز النخبوية والتكنوقراطية، فقد توجه نحو موظفي الدولة الكبار الذي طبقوا الاقتصاد الكينزي في فرنسا أثناء الثلاثين المجيدة، ما أبعده عن الكينزيين الجدد الأمريكيين والأكثر ديمقراطية، الذين كانوا مفضلين لمفهوم القوى المضادة على المستوى السياسي عن الاقتصادي.
وعند تفحص محتوى السياسات الاقتصادية، يتبين أن كينز يفضل سياسة نقدية مسيرة، ويوكل للسياسة المالية مهمة القضاء على الكساد والتضخم.
وفيما يخص السياسات المختصة بالإنعاش الاقتصادي المبنية على الطلب، فقد عارض فكرة الضبط الدقيق للاستهلاك لجيمس ميد أثناء الحرب، ولذلك التحفظ سببان: فهو يرى أن المهم ليس الاستهلاك، بل الاستثمار، ومن جهة أخرى، رأى كينز أن القطاع الاقتصادي المُدار من قبل ليونِل روبنز وجيمس ميد يهمل بشكل كبير المشاكل المؤسسية الخاصة بالصناعة في الاقتصاد الإنجليزي، وبالتالي الاستثمارات المطلوبة لتجاوزها. وفي المقالات الثلاث المنشورة بـ The Times الذين ذُكروا مسبقًا، يقترح كينز أن تكون الميزانيات متوازنة في دورة، بمعنى أنه من الممكن أن يكون هناك عجز بالفترات المنخفضة اقتصاديًا، ولكن لابد أن يكون هناك فائض أثناء الفترات المرتفعة. حين تفكر كينز في الوصول لهدف العمالة الكاملة غير التضخمية، حدده اللورد بيفيردج بنسبة 3%، أما كينز فبنسبة 4.5%.
بالإضافة إلى قيم الثورة الكينزية، فهناك سبب أخر ساعدها في الانتشار السريع، وهو اقترانها بثورة أخرى أقل ظهورًا، ولكنها أثرت بشدة في التيار الكلاسيكي الجديد: تحويل علم الاقتصاد لعلم قائم بشكل رئيسي على الرياضيات.
إذا كان كينز يدعو لتطوير الحسابات القومية الضرورية لتوفير معلومات مفيدة لهؤلاء الذين يرسمون السياسات الاقتصادية، فقد خشي من تحويل الاقتصاد لعلم رياضي لمخافته من إيهام الناس بأن الاقتصاد علم طبيعي، فقد رأى كينز أن على الاقتصاد أن يأخذ في حسابه الطبيعة البشرية، على عكس ليون والراس وجيرمي بنثام في مذهبه النفعي. فقد كان دورها قاصرًا على تقديم الأدوات المطلوبة بهدف تحسين الحاضر. ومنذ نشر White Paper on Employment Policy (الورقة البيضاء في سياسة التوظيف)، في 1944، حين أحس كينز بتوجه عدة اقتصاديين لمسلك والراس وبنثام، سخر منهم عبر ما سماه «Joy through Statistics» (اللهو بالإحصائيات).