اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تشدد العقيدة السرية على أزلية الكون ككل، باعتباره، كما أسلفنا، مجالاً شاسعًا لعوالم لا عدَّ لها، تتجلَّى وتحتجب بغير انقطاع. فالفرضية الثانية للعقيدة السرية إذن هي الشمولية المطلقة لقانون الدورية، قانون المدِّ والجزر أو الدفق والانحسار، الذي نشهده في الطبيعة قاطبة؛ وإن تناوبًا، كتناوب النهار والليل، أو تناوب الحياة والموت، أو تناوب الصحو والنوم، لهو واقع مألوف وشامل، لا يُستثنى منه شيءٌ على الإطلاق، الأمر الذي يجعلنا نبصر فيه ناموسًا أساسيًّا من نواميس الكون.
بذا ينجلي لبصيرتنا كمالُ المقايسة بين سيرورة الطبيعة في الكون، من جهة، وفي الإنسان الفرد، من جهة أخرى. فالإنسان، شأنه شأن الكون، يحيا دورة من دورات حياته ثم يموت بانتهاء أجَلِه. وتتحلَّل "مركبات" الإنسان أو "المبادئ" المؤلِّفة لبنيانه الباطن مع الوقت، فتستعمل الطبيعة "المواد" التي كانت تشكِّلها لتشكيل مبادئ جديدة؛ وهذه السيرورة عينها تتم في تحلُّل العوالم وإعادة تشكيلها. القياس analogy، إذن، هو أضمن هادٍ للباحث في مسعاه لفهم التعاليم الباطنية، من حيث إن قانون ولادة كلِّ ما في الكون ونموِّه وموته، من الشموس حتى ديدان الأرض، قانون واحد؛ وهو لا يني يسير بالكون إلى المزيد من الاكتمال، مع كلِّ ظهور أو تجلٍّ جديد، ساريًا على كلِّ جرم من أجرام الكون، صَغُر أم كَبُر.
وحده الحكيم المسارَر Initiate يستطيع أن يكتنه الكمال المطلق الذي تبلغه الموجودات لدى اختتام فترة عظمى من التجلِّي الكوني، أو مَـهامَـنْـفَـنْـتَـرا Mahamanvantara، مستريحة إبان الفترة التالية من الاحتجاب (بْـرَلَـيَـا Pralaya). بيد أن هذا الكمال، وإن يكن مطلقًا، فهو "مطلق نسبيًّا" لأنه ينبغي، بدوره، أن يفسح المجال للمزيد من الكمال المطلق، وفقًا لمعيار أرقى من التَجَوْهُر، إبان الفترة التالية من النشاط أو التجلِّي – مثلما أن على الزهرة الكاملة أن تذوي مفسحة المجال للثمرة الكاملة.(9)
تعلِّم الحكمة قانونًا سرمديًّا دوريًّا في الطبيعة والكون، لا يُستثنى من سلطانه أيُّ موجود، على مراتب وجوده كافة. يدعى هذا القانون بقانون كرما karma أو قانون السببية الكونية.(10) ولما كان التطور الروحي للإنسان الباطن يشكِّل من علوم الغيب محورَها فإن السعي إلى فهم سيرورة هذا التطور يتطلب من التوَّاق أن يضع بعين اعتباره أمرين:
ذلك أن الحياة وثيقة الصلة بالناموس الواحد – ناموس كرما – الذي يحكم مراتب الوجود حتى عالم الروح. ويشير هذا الناموس، من الوجهة الظاهرية، إلى "الفعل"، أو بالأحرى إلى العلة المنطوية على معلولها.
إن هذا الناموس لا يقدِّر شيئًا على أحد أو على أيِّ شيء؛ فهو قائم منذ الأزل وفيه، ويُعتبَر خير تصور عن الأزل. وبما أنه ليس ثَمَّ "فعل" يكافئ الأزلية فأصح من قولنا إنه "يفعل" قولُنا إنه "الفعل" بامتياز.(11) الإنسان لا يعاقَب على خطاياه بل يعاقَب "بها"، على حد قول كرِسْتمس هَمْفرِز، فرديًّا وجماعيًّا (كما في حالة أمم بأسرها أحيانًا). فالبشر هم الذين يولِّدون الأسباب التي تحرِّض، بدورها، القوى الموافقة التي تنشدُّ تلقائيًّا إلى مولِّديها وترتدُّ عليهم فكرًا وعملاً.
وفي محاولة لتقريب عمل ناموس كرما في التجدُّدات الدورية للكون إلى فكر المتأمِّل في أصل الإنسان والمغزى من وجوده، يجدر بنا أن نلفت انتباهه إلى التطبيقات الباطنية للدورات الكَرْمية (نسبة إلى كرما) على الأخلاق بالمعنى الكوني. لقد عرَّف الفيلسوف الهندي س. رادهاكرشنان بناموس كرما بوصفه "قانون مصونية الطاقة الأخلاقية". وإننا لنتساءل إن كانت للتقسيمات الغامضة التي أسماها الإغريق "حلقات" و"دوائر"(12) تطبيقات مباشرة على الحياة البشرية أو صلات بها. إن العلم الظاهر يقرُّ بوجود أدوار خاصة تنتظم السيرورات المادية؛ لكن ثمة أيضًا أدوارًا خاصة بالتطور الروحي تنتظم حياة الأعراق والأمم والأفراد. فهل للفلسفة الباطنية أن تتيح لنا المزيد من فهم عمل هذه الأدوار؟
إن الأنية العليا Higher Ego، أو المبدأ المتجسِّد، هي التي تسود على الأنية الدنيا Lower ego وتحكمها عندما لا تحيِّد الثانيةُ المؤثراتِ القادمةَ من الأولى بتأثير جمحاتها. وباختصار، فإن الرباعي الأدنى المكوَّن من "المركبات"(13) المؤلِّفة لـلشخصية Personality لا يعرقل الفردية Individuality في سيرها الحثيث على درب تطورها الصاعد إلا حينما تلدغ أنانيةُ الشخصية وأثرتُها الإنسانَ الباطنَ بنابها المسموم لدغة تشلُّ قواه، وبذلك تفقد قوةُ الجذب إلى أعلى كلَّ سلطانها على الإنسان العاقل.
وحدها معرفة عقيدة التقمص reincarnation المتكرر للفردية نفسها عمرًا بعد عمر، مع الاستيقان أن على الجوهر الفرد أن يجتاز دورة الضرورة Cycle of Necessity، مُثابًا بالتقمص على الألم الذي عاناه، أو مُعاقَبًا على الألم الذي تسبَّب فيه، في أعمار سابقة – نقول: وحدها معرفة هذه العقيدة تعلِّل مسألة الخير والشر وتُصالِح الإنسان مع ظلم الحياة الرهيب في ظاهره؛ إذ لا شيء إلا اليقين الداخلي، القائم على المعرفة، بوسعه أن يهدِّئ من روع إحساسنا المتمرد بالعدالة.
إننا نقف مذهولين أمام سرِّ صنعتنا وأحاجي الحياة التي يُعجِزنا حلُّها، فنتَّهم "وحش طيبة" الرهيب بافتراسنا، كما عبَّرت أسطورة أوديب.(14) لكنْ ما من شيء حادث في حياتنا، وما من حظٍّ عاثر إلا وبالوسع اقتفاء أثره حتى أفعالنا في هذه الحياة أو في حياة سابقة. إذا خرق أحدهم نواميس التناغم الكوني ترتَّب عليه أن يستعد للوقوع أسير الفوضى التي تسبَّبَ في إحداثها.
ما الكون إلا التجلِّي الدوري للمبدأ المطلق. ههنا سرُّ القاعدة العيسوية الواردة في "الصلاة الربية": "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض." والإنسان هو الشاهد الحيُّ على هذا الناموس الشامل وعلى سيرورة فعله الكوني. فلا مراء أن كلَّ حركة، أو إيماءة، إرادية أو تلقائية، عضوية أو ذهنية، ناجمة عن إحساس أو انفعال، عن إرادة أو مشيئة، عن تفكير أو تعقُّل، أو مسبوقة بها. وكما أن كلَّ حركة أو تغيير في الإنسان الظاهر لا يتم ما لم يتحرَّض بباعث داخلي عبر واحدة من الوظائف الثلاث المذكورة، كذلك الأمر مع الكون الظاهر أو المتجلِّي. وكما أن كوكبنا يدور حول الشمس مرة كلَّ سنة، وفي الوقت نفسه يدور حول نفسه مرة كلَّ 24 ساعة، ويقطع بذلك أدوارًا صغرى ضمن أدوار أكبر، كذلك تتم الفترات الدورية الصغرى وتتعاقب.
يشرف على دوران العالم الجسماني، بحسب الحكمة القديمة، دورانٌ مقايس في عالم الفكر – هو في الواقع التطور الروحي للعالم الذي يتم، مثله في ذلك كمثل التطور الجسماني، وفقًا لأدوار. وبذلك نشهد في التاريخ تناوبًا متواصلاً بين المدِّ والجزر في التقدم البشري. فكم من ممالك وأمم، إذ بلغت أوج سؤددها، دالت دولتُها وانحدرت إلى الحضيض امتثالاً للقانون عينه الذي أوصلها إلى الذروة. والبشرية، متى بلغتْ نهايتَها الحدية الدنيا، تعود لتنهض مجددًا وترتقي، بحيث يكون العلوُّ الذي تبلغُه، وفقًا لقانون التدرُّج الصاعد عبر الأدوار، أرقى، نوعًا ما، من علوِّ النقطة التي سبق لها أن انحدرت منها.
بيد أن هذه الأدوار لا تؤثر في البشرية كلِّها في وقت واحد؛ إذ إن الدور الأول يشتمل على تدرُّج البشرية منذ ظهور الإنسان الأول في صورته الأثيرية، ويجري طوال الأدوار الصغرى لتطوره التدريجي، من الأثيري نزولاً حتى نصف الأثيري، فالجسماني الصرف، حتى الإفلات من "القميص" المادي، والعودة بعدئذٍ ومواصلة المسار نزولاً، فصعودًا من جديد حتى الملأ الأعلى plêroma.
وعلى المرتبة الإنسانية يرتبط قانون التقمص أو العَوْد للتجسُّد بقانون كرما ارتباطًا لا تنفصم عراه. وتتلخص عقيدة التقمص باكتساء الفردية الإنسانية بسلسلة طويلة تكاد لا تنتهي من الشخصيات، هي الأزياء والأدوار التي "يتقمَّصها" الممثل ويتواحد معها، مثلما يواحِده معها جمهورُ المشاهدين، مدة بضع ساعات هي مدة استمرار المسرحية؛ أما الإنسان الباطن الذي "يشخِّص" هذه الأدوار فهو على علم تام أنه ليس هملت أو ياغو أو جولييت أو الليدي مكبث إلا إبان هذه المدة وحسب، وأنه والمبدأ المطلق واحد في صميم كيانه.