اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ازدهر العصرُ العباسيُّ الأول، وقويت فيه الحركة العلميّة إلى درجةٍ كبيرةٍ، ووصلت النهضة الثقافية فيه أوجَها، وقد كان الناس في هذا العصر يتجوّلون بين القارات الثلاث سعياً وراء العلم، ولقد ميّزَ الكتّاب المسلمون بين العلوم المتصلة بالقرآن الكريم وبين العلوم المأخوذة من الأمم الأخرى؛ حيثُ أطلقوا على علوم القرآن العلوم الشرعية، واشتملت على علمِ الحديثِ، وعلمِ الكلامِ، والنحو واللغة، وعلم القراءات، وعلم التفسير، والأدب، والفقه، أمّا العلوم المنقولة عن الأمم الأخرى فأطلقوا عليها اسم العلوم العقليّة أو الحُكميّة، أو علوم العجم، واشتملت هذه العلوم على الهندسة، والموسيقى، والكيمياء، والطب، والفلسفة، وعلم النجوم.
ويعدُّ علمُ الكلامِ من العلوم التي اشتُهر بها العباسيون، وهي الأقوال التي تتمُّ صياغتها على نمطٍ منطقيّ للدفاعِ عن عقيدةِ الشخص المُتكلّم، وقد ظهرَ لفظُ المتكلمين للمرةِ الأولى على من عَمِلَ بالعقائدِ الدينيّةِ؛ إلّا أنّه أصبح يُطلق بعد ذلك على من يخالف المعتزلة، ويتّبع أهلُ السنّةِ والجماعة، أمّا ثورة الأدب والشعر؛ فقد شهدها العصر العباسيّ الأول بظهورِ العديدِ من الشعراءِ الذين ساروا على مناهج عدة في الشعرِ، كما ظهرت أغراض من الشعر لم تكن موجودة من قبل، مثل الشعرُ السياسيّ، والشعرُ الحماسيُّ، والغزل العذريّ، كما قوي الرثاء، والمدح، وظهر الشعرُ الزهدي، والفلسفي، والتعليمي، والصوفي، والقصصي، واستعملَ الشعراء ضروب الجِناس والطِباق بكثرةٍ، وكان ازدهارُ الحركة الشعريّة؛ بسبب تداخل المجتمعات والعناصر المختلفة مع بعضها البعض، بالإضافةِ إلى انتقالِ الثقافات الأجنبيّة من خلالِ الترجمة.
ومن العلومِ النقليّة التي اشتُهر بها العباسيون علمُ القراءاتِ، وهو المرحلة الأوليّة لتفسيرِ القرآنِ الكريمِ، حيث تمَّ إيجادُ سبعةِ طرق لقراءةِ القرآن الكريم، تمثّل كلُّ طريقةٍ منها مدرسةً، ترجع إلى إمامٍ ترتبط القراءة باسمه، ومن أشهر أصحاب القراءات في العصر العباسيّ الأوّل حمزة بن حبيب الزيّات، وأبو عبد الرحمن المُقرئ، ويحيى بن الحارث الذماري، وخلف بن هشام البزّار، وكانت دراسة القرآن الكريم الباعث القوي لظهور علم الحديث، والذي فصَّل ما جاء بالقرآنِ الكريمِ، وما صعُبَ فهمه على الناس، كما أنَّ الحديث لم يدوّن تدويناً شاملاً في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد بدأ تدوين الحديث في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، وفي العصر العباسيّ ظهرت جماعةً من أئمةِ الحديثِ اشتهر منهم سفيان الثوريّ (وهو أمير المؤمنين في الحديث)، والإمام مالك بن أنس (وهو أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة)، وسفيان بن عييّنة، والإمام أحمد بن حنبل صاحب كتاب المسند الذي يشتمل على أربعينَ ألف حديث، وهو من الكتب المعتمدة في الحديث.