English  

كتب the great siege

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

الحصار الكبير (معلومة)


بعد موت فيليب خلفه ابنه الإسكندر عام 336 ق م، ملكا ً على مقدونيا، وعمره عشرون عاما ً. ويحتاج الإسكندر إلى سنتين ليوحد البلاد اليونانية كلها تحت قيادته، ويبدأ بالاستعداد لغزو آسيا، ويلتقي بجيوش داريوس الثالث في ايسوس (قرب الإسكندرون) حيث يحرز نصرا ً ساحقا ً عل جيوش فارس ويفر داريوس الثالث هاربا ً إلى ما وراء الفرات تاركا ً زوجته وأمه اسيرتين في يد الإسكندر.

وعندما بدأ الملك المقدوني مسيرته على محاذاة الشاطئ الفينيقي كانت "صور" لا تزال تعتبر نفسها لا تقهر، ويلتقي بطريقه بستراتون ابن ملك أرواد الذي ليقدم له مع تاج من الذهب الخالص المدينة وكل ما يخضع لسيطرة ملكها جرعشترت الذي كان في البحر الايجي يقود اسطوله في خدمة ملك الفرس.

وبعد أن يستريح المقدونيين في ماراتوس (مدينة فينيقية قرب ارواد) يتابعون سيرهم إلى جبيل التي تستسلم في الحال، وكذلك تفعل صيدون التي تستقبله بحفاوة بالغة، فيعزل ملكها ستراتو ويعهد بالملك إلى عبدلونيم، من اعضاء الاسرة المالكة القديمة، الذي كان يعيش يومها في فقر مدقع.

" أما "صور" التي اشتهرت منذ القدم بين كل مدن الشام بعظمتها وقوتها، فكانت تميل إلى عقد معاهدة مع الإسكندر لا إلى الخضوع له، ولذا ارسلت مع وفدها تاجا ً من الذهب وكثيرا من المؤن الغذائية لجنده، فيأمر بقبول الهدايا باعتبارها من اصدقاء ويظهر حفاوة بالرسل ويبلغهم رغبته في تقديم القرابين لهرقل، في هيكله الذي يحمي جزيرة الصوريين بوجوده عليها "

ولكن الصوريين الذين لا يريدون أن يسمحوا لمقدوني أو فارسي بدخول مدينتهم، مفضلين عليها حيادا ً تاما ً بين العدوين المتطاحنين، ينصحون سليل هرقل – كما كان الإسكندر يعتبر نفسه – بأن يضحي في هيكل "صور" البرية زاعمين بأنه أقدم بكثير من هيكل الجزيرة وأن تقديم القرابين في هيكل الجزيرة هو من حقوق ملوك الصوريين فقط.

كل هذا من جانب الصوريين للمحافظة على حريتهم وصيانتها، وقد شجعهم على هذا الموقف والمضي فيه وصول وفد قرطاجي حضر للمشاركة بالاحتفال بعيد ملقرت السنوي، دعاهم إلى الثبات في وجه الإسكندر المقدوني، واعدا بالمساعدات التي ستأتي عن قريب من قرطاجة.

ولكن الإسكندر المقدوني كان يعتبر السيطرة المطلقة على الجزيرة كقاعدة بحرية، ضرورة حربية ذات اهمية بالغة، ولذا يصمم على فتحها مهما يكلفه ذلك.

وصور المبنية على صخرة في وسط البحر، مع منازلها ذات الطبقات الكثيرة، كانت محاطة بجدران من الحجارة الضخمة، يبلغ ارتفاعها مئة وخمسين قدما ً وترتفع فوقها ابراج تسهل على حماتها مهمة الدفاع عنها، بينما كانت صفوف السفن متأهبة لسد الطريق بوجه من لا ترضى عنه " وكانت المدينة لا تؤخذ من البر إذ كان يفصلها عنه قناة يتراوح عرضها بين ثلاثة واربعة ملاعب، والبحر الذي يحيط بالجزيرة كان على جانب كبير من العمق، ولم يكن عنده مكان لنصب السلالم وتسلق الاسوار، إذ كانت هذه تنزلق حتى البحر ولا تترك مكانا ً لقدم. إلى جانب هذه الصعوبة لم يكن للملك سفن يستطيع بواسطتها قذف ابراج المدينة، ولو حصل على بعضها، فعدم ثباتها وتلاعب الامواج بها يجعلان قذائفها اقل فعالية، عدا عن إمكان اصابتها ورد ضرباتها"

"ولم يبقَ امام الإسكندر سوى ردم القناة البحرية التي تفصل بين الجزيرة والبر، ويستولي اليأس على جنوده عندما يتحققون من عمق البحر الذي يصعب حتى على الالهة ردمه، ولكن الإسكندر الخبير بمعاملة جنده، يعرف كيف يستثير حميتهم".

ويجمع الإسكندر المقدوني قواده ويروي لهم أن جده هرقل ظهر له في الحلم واقفا ً على اسوار المدينة مادا ً يمناه ليقوده بها إلى الداخل، ثم يلقي بهم كلمة بليغة يثير فيها حماستهم ويذكرهم بأن هذه المدينة هي الوحيدة التي تجاسرت على مجابهتهم وإيقاف موجة انتصاراتهم، ثم دعاهم إلى حث الرجال على العمل وإلى عدم التهاون معهم. وفي كانون الثاني سنة 332 ق م، وبهذه الروح، تبدأ اعمال الحصار.

ويراقب الإسكندر المقدوني من خيمته المنصوبة على البر الصوري سير الاعمال، فمشروعه يتطلب مساهمة عشرات الالوف من الايدي العاملة، ويبدأ جنوده بنقل انقاض صور البرية، ثم يحولون أنظارهم إلى غابات لبنان القريبة ليقطعوا منها الصخور والاشجار اللازمة، ويضحك الصوريون من جهود محاصريهم وتحديهم لإله اليم ولحامي مدينتهم.

"ويظهر بعد مدة قسم صغير من السد فوق سطح الماء، ويدرك عندها الصوريون أي خطر يتهددهم إذا استطاع العدو انجاز البناء، فيبدأون بارسال قوارب قتال خفيفة إلى جانبي السد، ويرمون العمال بالسهام، فيقتلوا ويجرحوا كثيرين منهم، فيتولى قسم منهم مهمة الدفاع عن العمال ضد هجمات الصوريين، بينما اخذ السد كلما ازداد بعدا ً عن الشاطئ يلتهم كميات أكثر من الانقاض والاخشاب. "

ويهيئ الصوريون سفينة كبيرة يملؤنها بالزفت والكبريت ويجذفون بها لى السد ثم يشعلون النار فيها ويقفزون إلى الزوارق التي سحبوها معهم، وتساعد رياح تهب في هذه الأثناء على نشر اللهب ومد النيران بسرعة. وقبل أن يتمكن أحد من العمال من عمل شيء لحصرها تمتد إلى جميع المنشآت على السد ملتهمة كل ما تجده امامها.

ويعيد الإسكندر الثقة إلى نفوس رجاله التي دب فيها اليأس، ويضع الخطط لبناء سد اعرض من السابق ولابراج وآلات حصار بعجلات يمكن دفعها كلما تقدم البناء.

أما الصوريون فلا يتركون وسيلة لعرقلة الاعمال، فكان الغطاسون يسبحون تحت السد مثبتين خطافاتهم بغصون الاشجار وفروعها تحت المياه، ثم يرجعون إلى قواعدهم ويسحبون ما علق في الخطافات، جارفة كل ما عليها وما حولها إلى الاعماق.

ويذهب الإسكندر إلى صيدون لجمع الاساطيل الفينيقية التي تركت الاميرال الفارسي بعد موقعة ايسوس، وتضم ارواد وجبيل وصيدون ورودس اساطيلها إلى اسطول برونياس الذي كان يقود اساطيل كيليكيا ومقدونيا، وكانت مهمته محاصرة صور من البحر بسفنه المئتين وخمسين، والتصدي عند اللزوم للسفن الصورية التي نشكل سدا ً منيعا ً عند مدخل المينائين.

"وبينما كان الإسكندر يسلح قطعه البحرية ويهيئ آلات القذف والهجوم، يصل إلى مسامعه ان عربا ً من لبنان فاجأوا ثلاثين من رجاله المكلفين بقطع الاشجار من الغابات المجاورة فقتلوهم وأسروا غيرهم".

ويصل إلى "صور" في هذه الأثناء ثلاثون مبعوثا ً قرطاجيا ً معلنين ان مدينتهم لن تتمكن من ايفاد النجدات لانشغالها هي الأخرى بالحرب.

ويروي أحد الصوريين حلمه الذي رأى فيه أبولو – وكانوا يجلونه كثيرا ً – يغادر صور، فيعمدون إلى ربط تمثاله بسلاسل ذهبية إلى مذبح هرقل، الذي كانت صور مدينته، كما لو أن هذا الاله سيمسك بأبولو ويمنعه من الذهاب.

"وهدتهم الحاجة إلى استنباط وسائل جديدة للدفاع، إذ كانوا يربطون الخطافات ومراسي السفن إلى عواميد وصواري ويرمونها فجأة على السفن المقتربة، كما أن الرماح والفؤوس والمناجل المربوطة إلى الاخشاب كانت تلحق اضرارا ً كثيرة بالمحاربين والسفن. وكانت لديهم قدور كبيرة من الحديد تملأ بالرمل المتوهج والكبريت المغلي وتصب فجأة من أعلى الاسوار، وما من شر كان يخشى أكثر من هذا الرمل الذي كان يحرق كل ما في طريقه وحباته تغرز في الدروع والاجساد. أما الخطافات والمراسي، فكانت تسحب بعد رميها جارفة معها المقاتلين واجزاء من السفن، وأحيانًا سفنًا بكاملها".

وهكذا بدأ الملك يفكر بفك الحصار ومتابعة الزحف على مصر، إذ بعد أن اخضع آسيا كلها بسرعة لا مثيل لها اضطر للوقوف امام اسوار هذه المدينة مضيعا ً احسن الفرص لاتمام كثير من مشاريعه الهامة، ولكن خجله من الذهاب دون التغلب على عناد صور كان يعادل الصعوبات التي يلقاها امام اسوارها، وكان يخشى على اسمه وشهرته الحربية التي كانت افعل من السلاح فيما لو ترك صور وتابع الزحف، ولكان هذا برهاناً بإمكان التغلب عليه.

ويظهر خلال هذه المدة إلى جانب السد وحش بحري غريب فتتفاءل به الجهتان، إذ يفسره المقدونيون بأنه يبين لهم الاتجاه لمتابعة بناء السد، بينما يعتبره الصوريون تهديداً من نبتون الذي يريد أن ينتقم من الغزاة لعبثهم بالبحر، وأنه سوف يدمر لهم السد عن قريب.

ويقوم الصوريون في الصيف بعملية مفاجئة لفك الحصار، فيفرقوا شمل السفن القبرصية ويغرقوا بعضها، ولكن الإسكندر بمقدرته الحربية، يطيح بهذا النصر الضئيل الذي يحرزه الصوريون على سفن العدو.

وعلى السفن والزوارق وعلى السد الذي انتهى بناؤه نصبت آلات الهجوم، وبينها ابراج ديادس وكارياس ذات العشرين طابقا ً والتي يبلغ ارتفاع كل منها ثلاثة وخمسين مترا ً وتـُجر على ثماني عجلات، لتشرف على اسوار المدينة التي ترتفع أربعة وأربعين متراً والتي فاقت كل ما بني من آلات الحصار حتى ذلك العهد.

ويظهر مخططو الإسكندر العسكريون ذكاء ً وبراعة ً لا يقلان عن براعة وفطنة المحاصرين المدافعين بصلابة وعناد عن مدينتهم، إذ يفتح المهاجمون ثغرة في أحد الجدران سرعان ما يسدها أبناء الجزيرة بإقامة جدار كامل وراءها.

ومع شهر آب يبدأ الهجوم العام فتزعزع آلات الحصار الجدار الجنوبي، ومن السفن حاملة الجنود ترمى السلالم المتسلقة على الابراج، ويستولي أدميتوس قائد الإسكندر على أحدها ولكنه يسقط تحت ضربات المدافعين، فيحل ملكه محله، ويحتل برجين من ابراج الجزيرة ثم يتقدم على رأس جنوده إلى القصر الملكي.

وتتمكن سفن الصيدونيين والجبيليين والارواديين من فتح المرفأ الجنوبي بينما تهاجم سفن القبارصة المرفأ الشمالي وتملأ دفقات المهاجمين الجزيرة.

"أما الصوريون الذين احدقت بهم الاخطار من جميع الجهات، فقد انسحبوا اما إلى الهياكل أو إلى بيوتهم لمتابعة القتال، كما أن بعضهم رمى نفسه بين المهاجمين كي لا يقضي دون أن ينتقم من الغزاة، وكثيرون منهم صعدوا إلى سطوح بيوتهم وأخذوا يقذفون منها بالحجارة والصخور وبكل ما تقع عليه ايديهم".

"ويأمر الإكسندر بإضرام النار في البيوت وبقتل الجميع، باستثناء من يحتمي في أحد منشآت صور المقدسة. وبالرغم من أن المنادين أعلنوا ذلك مرارا ً، فلم يلجأ أحد من المدافعين ليحتمي بالآلهة، بل وقف كل واحد أمام بيته، متأهبا ً لصد المهاجمين حتى النفس الأخير".

"أما الدماء التي سالت ذلك اليوم فيمكن تقديرها من عدد المحاربين الذين سقطوا امام الاجنوريوم (بيت آجنور) وكانوا ثمانية آلاف، ومن الالفين الذين ابقى عليهم تعب المقدونيين من سفك الدماء، فأمر الإسكندر بصلبهم على محاذاة الشاطئ " ويباع ثلاثون الفا ً من الناجين، بينما يهرب آخرون على سفن صيدونية تحركت ضمائر ربابنتها فجأة ذاكرين صلات القربى التي تربطهم بأبناء صور. وينجو آخرون، بينهم الملك والهيئة الإدارية والوفد القرطاجي للجوئهم إلى هيكل ملقرت.

ويختتم المؤرخ الروماني وصفه للحصار بقوله : " وتسقط صور في الشهر السابع من بدء الحصار (آب 332 ق م)، هذه المدينة التي اسسها آجنور والتي سيطرت ازمانا ً طويلة على البحار التي وصلت إليها سفنها. وإذا كان للمرء أن يصدق الأساطير، فإن الصوريين كانوا أول من علـّم أو تعلـّم الألفباء. ومن الثابت أن مدنهم كانت منتشرة في جميع أنحاء العالم : قرطاجة في أفريقيا، وثيبا التي اسسها قدموس بن آجنور في البيوسي (بويوتيا) وقادش على الاوقيانيوس".

وفي اقدس وأشهر وأكبر معابد الجزيرة، هيكل ملقرت المشهور بعموديه الذين يرمزان إلى اعمدة ملقرت على أبواب المحيط، قدم الإسكندر الضحايا والقرابين أمام جنده المدجج بالسلاح، بينما كانت السفن مزينة بالاعلام والانوار تتهادى اما الجزيرة، تكريما ً لإله صور وشكرا ً له، كما أن مباريات رياضية وسباقات بالمشاعل اقيمت أمام هيكله.

أما برج الحصار الذي احدث الفجوة الأولى في الاسوار، وأعلام الفرق، وسفينة هرقل المقدسة التي غنمها الإكسندر عند هجومه على المدينة، فيقدمها لهيكل الاله بخشوع كبير.

ويأمر بإعادة بناء المدينة التي احترق قسم كبير منها، لتصبح قاعدة ومركزاً للقوى المقدونية على الشاطئ الفينيقي، ويعيد إسكانها بأبناء البلاد وبجماعات من الاغريق، ثم يعزل ملكها عزيملكوس، لميله للفرس، ويعين عبدلونيم، أحد أعضاء الاسرة المالكة، محله. وبخلع عزيملكوس عن عرش صور، نصل إلى نهاية قائمة ملوك "صور" الابطال الذين بقيادتهم وحكمتهم توصلت صور إلى ان تبقى قرونًا طويلة ملكة البحار.

وعند رجوع الإسكندر من مصر في خريف 331 ق م مرَّ على صور وقدم القرابين ثانية لهرقل، ونظم احتفالات موسيقية ومسابقات رياضية، اكراما ً لإله صور.

المصدر: wikipedia.org