English  

كتب the first basic principle

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

المبدأ الأساسي الأول (معلومة)


المبدأ الأساسي الأول، كما ينص عليه كتاب العقيدة السرية:(3)

مبدأ كلِّي الحضور، أزلي، غير محدود، سرمدي، يستحيل تذهُّنه لأنه يتعالى عن ملكة التصوُّر البشري وليس من شأن أيِّ تعبير أو تشبيه بشريين إلا أن يقلِّصه. فهو يتخطى مجال الفكر ومداه.

هناك، إذن، حقٌّ واحد مطلق، سابق على كلِّ موجود متجلٍّ ومحدود؛ وهذه العلَّة اللانهائية والأزلية هي الأصل الذي لا أصل له "لكلِّ ما كان، وما هو كائن، وما سيكون أبدًا". لذا تفضل السيدة بلافاتسكي أن تطلق عليه اسم الكينونة Be-ness (بالسنسكريتية سَتْ Sat) على "الكائن" being.

يُرمَز إلى هذه الكينونة في العقيدة السرية بطريقتين: هنالك، من جهة، الفراغ المجرد المطلق الذي يعجز أيُّ فكر بشري عن سبره أو تكوين أيِّ تصور عنه أو تذهُّنه مجرَّدًا؛ وهنالك، من جهة أخرى، الحركة المجرَّدة المطلقة ("المحرِّك الساكن" بحسب تعبير أرسطو) التي تمثل الوعي الطليق غير المحدود.

عن هذه الأحدية أو الكينونة المطلقة يحدث أول تمايز (يدعى بـالواحدية في العرفان الإسلامي) ينطوي على أول ثنائية، هي ثنائية الروح والمادة (بوروشا purusha وبركريتي prakriti في المنقول الهندوسي) التي لا يعتبر علم الباطن حدَّيها حقيقتين مستقلَّتين إحداهما عن الأخرى، بل وجها المطلق Parabrahman، أو مظهراه اللذان يشكِّلان معًا كلَّ كيان مقيَّد، ذاتيًّا كان أم موضوعيًّا.(4)

فكما أن الفكرة ما قبل الكونية Pre-cosmic Ideation هي أصل كلِّ وعي فردي، كذلك فإن الجوهر ما قبل الكوني Pre-cosmic Substance هو أصل المادة بكلِّ درجات تمايزها. يتضح مما تقدم أن التضاد الظاهري بين مظهريْ المطلق هو العلة الأولى للكون المتجلِّي: فلولا الجوهر الكوني Cosmic Substance لما كان بمقدور الفكرة الكونية Cosmic Ideation أن تتجلَّى كوعي فردي؛ إذ ليس للوعي أن ينبجس لينغلق على نفسه، كما سنرى، إلا من خلال وعاء أو قاعدة مادية ضرورية كبؤرة يتركز فيها شعاعٌ من العقل الكلِّي على مستوى معيَّن من التعقيد. ولولا الفكرة الكونية لظل الجوهر الكوني تجريدًا خاويًا لا يهيِّئ لانبثاق أيِّ وعي، كقشرة بيضة خالية من المحِّ والآح.

من الفكرة الكونية، أو الروح، وعيُنا؛ ومن الجوهر الكوني، أو المادة، الأوعيةُ التي ينثني فيها الوعي على ذاته، مباشِرًا رحلة تفتحه عبر ممالك الكون طرَّا، وصولاً إلى مرحلة الذات أو الوعي المنعكِس المدرِك لذاته؛ بينما يعبِّر مبدأ فوهة Fohat، في تجلِّياته العديدة، عن الصلة السرية بين العقل والمادة، أو المبدأ الفاعل الذي يُكَهْرِب كلَّ ذرة في الكون، باعثًا فيها الحياة.

تأسيسًا على ما تقدَّم، يمكننا إيجاز تراتبية فعل التجلِّي في أربع مراتب وجودية هي الآتية:

  1. الأحدية المطلقة (بربرهمن الـفيدنتا Vedanta) أو الحق الأحد (سَتْ Sat
  2. الواحدية، أول تعيُّن للمطلق، أو الكلمة Logos اللاشخصي، أو "العلة الأولى"؛
  3. الروح–المادة، الحياة؛ "روح الكون"، ثنائية بوروشا–بركريتي، الكلمة الثاني؛
  4. مَهَة Mahat، أو النفس الكلِّية؛ الجوهر الهيولاني (كأصل للمادة وأساس لكلِّ العمليات والسيرورات الذكية في الطبيعة) الذي يدعى أحيانًا بـمَهابودِّهي Maha-Buddhi.

الإنسان، في قصوره عن تكوين أيِّ مفهوم بغير لغة الظواهر المحسوسة، عاجز عن رفع النقاب الذي يحجب عنه سرَّ الألوهة في سذاجته المطلقة: وحدها الروح المنعتقة تستطيع أن تدرِك "طبيعة" المصدر الذي عنه انبثقت وإليه ستُرجَع. أما العقل (نوس Nous عند أفلاطون) – سيد مملكة المادة ومحرِّكها والنَّفَس المحايث immanent لكلِّ ذرة والباعث فيها الحياة، متجلِّيًا في الإنسان وكامنًا في الحجر – فله مراتب مختلفة من الحَوْل والقدرة.(5)

العلة الأولى

ما من أمة أو شعب أو قبيلة بدائية، منذ فجر البشرية حتى يومنا هذا، إلا وينطوي حتى الجانب الظاهر من معتقداته على وجود "علَّة أولى" من وراء نواميس الطبيعة وخلود النفس (العليا). ولم يستطع أيُّ معتقد بالٍ أو أية فلسفة زائفة أو سلطة قاهرة، دينية أو زمنية، القضاء على هذا الشعور الأصيل في الإنسان، الأمر الذي يجعلنا نقطع بأنه إرث مشترك للإنسانية قاطبة.

يعلِّمنا المنقول الباطني بأن العلَّة الحقيقية للوجود ككل تبقى مستترة أبدًا وعصيَّة على العاقلة البشرية، وبأن أول تجلِّياتها هو أكمل تجريد يستطيع الإنسان أن يتذهَّنه. لذا نفترض أن هذه التجلِّيات هي علَّة الكون المادي؛ منها تتفرع القدرات الثانوية التي تعبَّد الإنسانُ لها وأسْلَسَ قياده بوصفها "الإله" أو "الآلهة"، بما يتوافق مع روح كلِّ عصر، بعد أن خلع عليها صورة شخصية هي خلاصة مكثفة لاختباره لها(6)؛ إذ يتعذر تذهُّن شيء لا علَّة له؛ ومحاولة القيام بذلك تبلغ بالفكر أقصى تخومه الممكنة حتى فراغه التام من كلِّ الموضوعات: تلكم هي الحال التي يبلغها الذهن أخيرًا عندما يحاول أن يقتفي إلى الوراء سلسلة العلل والمعلولات.(7)

"اللاهوت سعة غير محدودة ولانهائية"، كما تقول حكمة باطنية كثيرًا ما تورِدها السيدة بلافاتسكي في كتاباتها؛ والوحدة القصوى المبطِّنة لكلِّ جزء من أجزاء الطبيعة – من النجم إلى ذرة المادة، ومن أعلى دْهِـيَـن تشوهَن Dhyan Chohan (كائن ملائكي من مرتبة رفيعة) إلى أصغر جرثومة – إنما هي الناموس الأساسي الأوحد في علم الباطن، سواء طُبِّق على العالم الروحاني، أو العالم الذهني، أو العالم الجسماني.

إن تصورات الإنسان عن الألوهة تتطور بتطور فكره وتفتُّحه. في ضوء هذا، يصح أن أنبل المُثُل التي تلامسها الروح الدينية في تحليقها في عصر ما قد تبدو باهتة أمام العقل الفلسفي لعصر يليه؛ وقِسْ على ذلك نضج المُثُل التي يتخذها الإنسان هاديةً له في حياته في مختلف مراحل هذه الحياة. من هنا ضرورة المسارَرة Initiation في مجال الخبرة الروحية. فتلك (إن توفَّر للمسارَر الاستعداد والأهلية) هي العصمة للمرء كيلا يسقط في شباك الوهم والتجريدات الذهنية البحتة؛ وبدونها لا بدَّ أن يبقى جناحا الفكر مهيضين للحؤول دون تحليق أعلى قد يكون وبالاً على صاحبه.

عندما يصرِّح الثيوصوفيون بأن الله ليس موجودًا لأنه عدم محض، لاشيء – أي لا-شيء No-thing – فإنهم يكنُّون للاهوت إجلالاً وخشوعًا أعظم بكثير ممَّن يشخِّصون الله، جاعلين إياه ذَكَرًا ضخمًا، يغضب ويندم، يعاقب ويثيب. من هنا، يتطلَّب تخطِّي التصورات التشخيصية عن الألوهة اقتفاء أثر الكلمة (أو العقل الأول) في كلِّ دين حتى أصله النهائي وماهيَّته القصوى. والألوهة المثلَّثة العماء-الإله-الكون Chaos-Theos-Kosmos إنما هي الكل في الكل، وهي سلسلة أشفاع الصفات كلِّها(8)؛ لذا يقال إنها ذكر وأنثى في آنٍ معًا، إيجاب وسلب، نشر وطَيْ، نور وظلمة، إلخ. أما علَّة العلل التي لا علَّة لها، "المجهول الأسمى" (التعبير لطاغور)، فيجب على الإنسان أن يُعِدَّ لها مقامًا ومذبحًا في قدس أقداس نفسه، في القلب منه والسرِّ، وأن تكون روحه هي الوسيط الأوحد بينه وبين الروح الكلِّية، جاعلاً من أعماله الصالحة كهنة ومن نواياه السيئة قرابين!

المصدر: wikipedia.org