اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
اعتمدت العقيدة العسكرية الألمانية على الفرق القتالية متعددة الأسلحة، والتعاون الوثيق بين جميع الوحدات المختلفة: دبابات، مشاة، هندسة، مدفعية، طيران. لمواجهة هذا قام القادة العسكريون السوفيات بالاعتماد في تكتيكهم على إبقاء خط الجبهة أقرب ما يكون من القوات الألمانية، وهو ما سماه تشويكوف "تكتيك الاحتضان"، الشيء الذي أجبر الوحدات البرية الألمانية على القتال بمفردها أو المخاطرة بتحمل وقوع ضحايا في صفوفهم إذا طلبوا مساندة المدفعية أو تدخل الطيران. وبسبب ذلك تم تحييد الدعم الجوي تماما وقلة مساهمة المدفعية.
فهم السوفيات هذا، في ستالينغراد اعتمدت أفضل الدفاعات على تنصيب خطوط دفاعية في عدد من البنايات المطلة على الطرق والمساحات الهامة والإستراتيجية للمدينة. هذه الإستراتيجية تستمر طالما استطاعت القوات السوفياتية التواجد في المدينة، وهكذا تم تحويل المجمعات السكانية متعددة الطوابق، المكاتب، المصانع، المستودعات، زوايا الشوارع إلى معاقل وتحصينات مزودة بمدافع رشاشة، مضادات الدبابات، مدافع الهاون، ألغام، أسلاك شائكة، قناصة وفرق مكونة من 5-10 رجال مزودين بمدافع رشاشة وقنابل يدوية، مستعدين للقتال من بيت لبيت.
احتدمت المعارك العنيفة وسط الركام والأطلال في كل شارع ومبنى ومصنع، في السلالم والأقبية. شكلت البالوعات والمجاري متاهات في المعارك، الجنود الألمان أطلقوا على حرب المدن هذه والتي لم يروا مثلها "Rattenkrieg" أي "حرب الفئران"، عبروا عن ذلك بسخرية "احتلينا المطبخ لكن مازال أن نقاتل من أجل الغرف". في مثل هذا الاختلاط التام، اختفت كل خطوط المواجهة. مساندة الآليات المدرعة الذي اعتاد عليها الجنود الألمان تلاشت وسط سرعة المناوشات العنيفة التي خاضوها عبر حطام المباني السكنية، المكاتب، الغرف العالية والأقبية.
بعض البنايات المرتفعة، التي تحولت إلى هياكل دون أسقف بسبب القصف الألماني السابق، شهدت قتالا متلاحما طابقا لطابق، كان خلاله الألمان والسوفيات يتناوبون على طوابق المبنى مستغلين الفجوات بين تلك الطوابق للتصويب على بعضهم.
القتال في "مامايف كورغان"، التلة العالية المطلة على المدينة، كان عنيفا ودون رحمة، السيطرة على الموقع تغيرت عدة مرات. بحلول 12 سبتمبر، تقلص الجيش السوفياتي الـ62 إلى 90 دبابة و700 هاون و20,000 رجل.
الفرقة الـ13 لحرس البنادق، عينت لاسترجاع تلة مامايف كورغان ومحطة القطارات رقم 1، لكنها عانت في 13 سبتمبر خسائر ثقيلة. أكثر من 30% من جنودها قتلوا في أول 24 ساعة و320 رجل فقط من أصل 10 آلاف نجوا المعركة بأكملها. تم استرجاع الهدفين لكن مؤقتا فقط. السيطرة على محطة القطارات تناوبت بين الألمان والسوفيات 14 مرة في 6 ساعات فقط. في المساء الموالي الفرقة الـ13 لحرس البنادق لم يعد لها وجود، لكن رجالها قتلوا من الجنود الألمان عددا يعادل ما خسروه تقريبا. احتدمت المعارك هناك حول مخزن الحبوب الكبير أيضا، وبعدما تمكن الألمان من احتلال الموقع، وجدوا فقط جثث 40 جنديا سوفياتيا، رغم أن الألمان اعتقدوا بوجود المزيد منهم نظرا للمقاومة الشرسة. السوفيات وخلال انسحابهم أحرقوا أكوام الحبوب.
في جانب آخر من المدينة، حولت فصيلة جنود سوفياتية بقيادة ياكوف بافلوف إحدى شقق مبنى يطل على أحد ساحات وسط المدينة إلى تحصين لا يمكن اختراقه، عرف فيما بعد بمنزل بافلوف، قام الجنود باحاطته بالألغام والأسلاك الشائكة، نصبوا المدافع الرشاشة في النوافذ وكانوا مزودين بالهاونات ومضادات الدبابات، حطموا الجدران في كل الطوابق ليتواصلوا بشكل أفضل وحفروا خندقا للتواصل مع الجنود السوفيات في الخارج ومن خلاله جرى تزويدهم ببعض الدعم والمؤن على قلتها. استمر وجودهم هناك شهرين كاملين وكان معهم حوالي 10 مدنيين وجدوهم مختبئين في الطابق الأرضي. تشويكوف عبر مازحا أن الألمان الذين ماتوا محاولين احتلال منزل بافلوف أكثر من الذين ماتوا لاحتلال باريس. استنادا للمؤرخ الإنجليزي انتوني بيفور، خلال الشهر الثاني وبعد كل موجة هجوم ألماني على المبنى، كان الجنود السوفياتي يخرجون ليبعدوا أكوام جثث الجنود الألمان كي يحتفظ الجنود المتواجدون في المبنى على المدافع الرشاشة ومضادات الدبابات برؤية واضحة لخط المواجهة على طول ساحة المدينة. المبنى كان يرمّز بعبارة "Festung" أي "الحصن" في الخرائط الألمانية. بافلوف تم تقليده بوسام بطل الاتحاد السوفيتي نظرا لأفعاله.
بدأ الألمان بنقل المدفعية الثقيلة إلى المدنية، وشمل ذلك المدفع الكبير ذو الـ 800 ملم "دورا" (Dora) لكنهم لم يقوموا بأي محاولة لإرسال جنودهم عبر نهر الفولغا، ما سمح للسوفيات بنصب عدد كبير من بطاريات المدفعية على الضفة الشرقية للنهر. بدأت هذه المدفعية بقصف مستمر للمواقع الألمانية. صارت في كل هذا الدبابات الألمانية غير فعالة بسبب أكوام الركام والأنقاض التي وصل علوها لـ 8 أمتار.
استغل القناصة من الجانبين الأنقاض ليوقعوا الكثير من الضحايا.كان فاسيلي زايتسيف أشهر قناص سوفياتي في معركة ستالينغراد بـ225 إصابة مؤكدة خلال المعركة. زايتسيف كان فردا من فيلق كامل من القناصة، وكان معه أكثر من 30 تلميذا كان لهم الفضل في قتل حوالي 2,000 جندي ألماني خلال الحرب.
صارت معركة ستالينغراد بالنسبة لكل من هتلر وستالين مسألة هيبة بعيدا عن أي أهمية إستراتيجية، القيادة السوفياتية حركت الاحتياطي الإستراتيجي للجيش الأحمر من منطقة موسكو إلى منطقة الفولغا وحولت جميع الطائرات من كل أنحاء البلاد إلى منطقة ستالينغراد.