English  

كتب tabriz

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

تبريز (معلومة)


تبريز (بالفارسيَّة الفهلويَّة: تَپَریز) هي إحدى أهم وأبرز المدن الآذرية في إيران وعاصمة مُحافظة أذربيجان الشرقيَّة. تصل مساحة المدينة إلى حوالي 237,45 كيلومتر مُربَّع (91.506 أميال مُربَّعة)، وبذلك فهي ثالث أكبر مُدن إيران بعد كُلٍّ من طهران ومشهد، وأكبر مدينة في شمال غرب البلاد. تُشكِّلُ المدينة إحدى أقطاب الاقتصاد الإيراني، فهي تشتهر بأعمالها الإداريَّة والتجاريَّة والصناعيَّة، وبقطاع الاتصالات، ومن أبرز صناعاتها صناعة الإسمنت والبتروكيماويَّات وتجميع السيَّارات والآلات.

تشتهر تبريز بتاريخها العريق الإسلامي وقبل الإسلامي، بما في ذلك العهود الأشكانيَّة والساسانيَّة، ومن ثمَّ العبَّاسيَّة والخوارزميَّة والمغوليَّة والإلخانيَّة والتيموريَّة، والجلائريَّة والقره قویونليَّة والآق ‌قویونليَّة والصفويَّة والقاجاريَّة وغيرها، وقد اتُخذت عاصمةً لإيران خلال عدَّة مراحل من التاريخ الإسلامي أبرزها المرحلتين الصفويَّة والقاجاريَّة. يتراوح عدد سكَّان تبريز اليوم بين 1,494,998، و2,000,000 نسمة، يقطن حوالي 1.8 ملايين منهم المنطقة الحضريَّة للمدينة المشتملة على الضواحي والبلدات المُلحقة، ولطالما كانت ذات كثافة سكانية عالية، وهي من أكبر مدن الشرق الأوسط، فخلال العهد الصفوي في القرن السادس عشر أصبحت المدينة من أكبر المدن في العالم، وخلال العهد القاجاري أصبحت أكبر مدن إيران وأكثرها كثافةً بالسكَّان. يُشكِّلُ التُرك الآذر الأغلبيَّة الساحقة من سكَّان المدينة، وتُشير بعض الدلائل الأثريَّة، وفق ما استنتجه البعض من العلماء، أنَّ سكَّانها الأوائل كانوا من أصولٍ إيرانيَّة لاطورانيَّة. كذلك فقد استوطنتها قبائل عربيَّة أبَّان الفتح الإسلامي أبرزها الأزد.

تقع تبريز في غرب محافظة أذربيجان الشرقيَّة. يحدّها من الجنوب والجنوب الشرقي سهوبٌ شاسعة، ومن الشمال جبليّ پکچین وعون بن علي، ومن الشمال الشرقي قريتيّ باباباغي وگوزني، وعلى الطرف الشرقي من حدودها الجنوبيَّة يقع جبل سهند. يتميَّز طقس تبريز بالبرودة الشديدة شتاءً وبالحر والقيظ والجفاف صيفًا، نظرًا لكونها مدينة داخليَّة لا تعرف الرطوبة.

تعرَّضت تبريز لغزواتٍ كثيرة عبر تاريخها وأيضًا إلى عدَّة زلازل مدمِّرة، ويُعزى ذلك إلى موقعها الجغرافي المُميَّز، فهي تتمركز على الهضبة الإيرانيَّة التي تُشكّل الامتداد الطبيعي للهضبة الأناضوليَّة، وجعلها موقعها مركز استقطاب تجاري كبير بين الشرق والغرب، وما زلت المدينة تحتفظ بأهميتها التجاريَّة حتى الزمن الحالي، وقد لعبت دورًا أساسيًّا في نموّ الصناعة الإيرانيَّة وتطويرها وساهمت مُنتجاتها بشكلٍ فاعل في الاقتصاد الإيراني. من أبرز معالم المدينة مجمَّع السوق الشرقي المُغطّى (البازار) الكبير، الذي اختير ليكون موقعًا من مواقع التراث العالمي سنة 2010م، كذلك هناك موقع تنقيب أثري يرجع إلى حوالي 2500 سنة في قلب المدينة، ومتحفٌ تُعرض فيه الآثار التي كُشف النقاب عنها في تبريز، ويُعد هذا الموقع أيضًا من أبرز المواقع الأثريَّة في إيران.

تبريز هي إحدى أكثر المدن أمانًا في إيران، سواء على المستوى الأمني أم الصحي، إذ تقل فيها نسبة الجريمة والتسوّل، ويرتفع فيها مستوى الخدمات الصحيَّة، ويقصدها الناس من الأنحاء المجاورة بهدف الحصول على نوعيَّة أفضل من العلاج، كما تضم ثاني أكبر جامعة في البلاد.

التسمية

يقول ياقوت الحموي في مؤلفه الشهير حامل عنوان "مُعجم البُلدان": «تبريزُ: بكسر أوله وسكون ثانيه وكسر الراءِ وياء ساكنة وزاي»، وهذه هي الطريقة التي يُلفظ بها اسم المدينة حاليًّا باللغة الأذربيجانيَّة لأهلها وأهل كامل المُحافظة، وكذلك باللغات الإيرانيَّة جنوب القزوينيَّة، وهو على وزن "فِعلیل". ذكر المؤرخون الأرمن القدماء المدينة باسم «تَوریژ» وهو ذات اللفظ الفهلوي الشمالي لاسم المدينة، ومن هذا الاسم برز إسمان آخران للمدينة هما: «توریز» و«تُوْري»، وقد استخدم الرحَّالة والكتَّاب القدامى كلًّا منهما على حدٍ سواء.

يُشتق اسم تبريز من كلمتين: "تب" وتعني "الحرارة"، و"ريز" وتعني "الصب بعيدًا" وتُفيد معنى "يصب بعيدًا"، وبهذا فإنَّ اسمها يعني "قاهرة الحرارة"، وبتفصيلٍ أكبر "قاهرة الحمَّى" أو "طاردة الحمَّى" أو "صبَّابة الحمَّى"، ويُقال أن سبب تسميتها على هذا النحو يرجع إلى أنَّ زبيدة بنت جعفر بن المنصور زوجة الخليفة العبَّاسي الكبير هارون الرشيد قامت بإنشائها عام 791م بعد أن شُفيت من حمَّى شديدة ألمَّت بها فترة من الزمن وأقعدتها، عندما زارت الموقع لبضعة أيَّام فشفاها النسيم العليل والمناخ اللطيف. غير أنَّ الأدلَّة كلها تُشير إلى عدم صحَّة هذا، إذ لا وجود لأي وثيقة أو دليل يؤكد زيارة زُبيدة زوجة الرشيد إلى أذربيجان طيلة فترة حياتها، بل إنَّ الأدلَّة تشير إلى أنَّ الاسم كان معروفًا منذُ قرون عديدة قبل قيام الدولة العبَّاسيَّة، وأبرزها طريقة اللفظ الأرمنيَّة للاسم، إذ يقول الخبراء اللغويون والمؤرخون أنَّها قريبة جدًا للفظ الفهلوي الشمالي، ما يعني أنَّ المدينة، أو على الأقل المستوطنة البشريَّة التي كانت قائمة مكانها، تعود إلى عصرٍ قبساساني، بل ربمًّا قبأشكاني (سابقٌ على العصرين الساساني والأشكاني)، ومن أبرز الذين أنكروا صحَّة رواية زوجة هارون الرشيد الأستاذ أحمد الكسروي التبريزي.

عام 1842م توصَّل خبراء لغويون إلى تفسير آخر أكثر احتمالًا لمعنى اسم تبريز، فقالوا أنَّه يُفيد معنى "حار-مُتدفق" (تب = دافئ، ويُحتمل اشتقاقها من كلمة تپ من "تپيد")، وهو يُشير إلى الينابيع الحارَّة المتفجِّرة في المناطق المُحيطة بالمدينة. وقد استنتج هؤلاء الكلمة الأصل من كلمةٍ أخرى ألمانيَّة شائعة في بوهيميا، وهي Teplitz تُفيد نفس المعنى تقريبًا، نظرًا لأنَّ كلَّا من الألمانيَّة والفارسيَّة (بكافَّة أطوارها التاريخيَّة) لغة آريَّة هندوأوروبيَّة.

التاريخ

عصور ما قبل التاريخ

ما زال الغموض يكتنف المراحل القبتاريخيَّة لتبريز، حيثُ لم تظهر أيَّة آثار تُشير إلى بداية الاستيطان البشري للمنطقة والتاريخ التقريبي لإنشاء أوَّل مستوطنة فيها. يفترض بعض علماء الآثار أنَّ جنَّة عدن المذكورة في التوراة والقرآن إنَّما هو اسمٌ للموقع الذي يشمل المدينة حاليًّا، وبهذا فإنَّها قد تكون مهداً من مهود البشر. كشفت إحدى الحفريَّات في موقع متحف العصر الحديدي في الجهة الشماليَّة الشرقيَّة من المسجد الأزرق الشهير بعض البقايا البشريَّة والحِرَفيَّة، ويُعتقد أنها ترجع للألفيَّة الأولى ق.م، فإن صحَّ هذا تكون المدينة من أقدم المواقع المأهولة في العالم. يُرجَّح أنَّ غموض المراحل الأقدم من تاريخ تبريز يرجع إلى تدميرها مرارًا وتكرارًا بفعل الكوارث الطبيعيَّة والغُزاة المُتلاحقين.

العصور القديمة

يعتقد الباحثون أنَّ أوَّل ذِكر لتبريز ورد في نقوش سرجون الثاني ملك آشور في سنة 714 ق.م، حيث أشار إلى حصن «تارویي–تارمکیس» الميديّ وقال أنَّه حصنٌ عظيم البُنيان ذو أراضٍ خصبة وحضارة مزدهرة. تُشيرُ النقوش أيضًا إلى أنَّ الآشوريّين دكّوا هذا الحصن دكًّا، وتمكنوا من فتحه في نهاية المطاف. أمَّا علاقة تبريز خلال الفترة الميديَّة-الآشوريَّة بغيرها من الحصون والمدن في الإمبراطوريَّتين الميديَّة والآشوريَّة فما زالت محل جدال بين العلماء والباحثين. أختيرت تبريز لتكون عاصمةً لعدد من الممالك التي قامت في البلاد الإيرانيَّة مُنذ عصر القائد الفارسي آتورپات،(1) الذي خدم في جيش الإسكندر الأكبر، واستمرَّت كذلك طيلة قرون طويلة بعد انقضاء العصور القديمة.

العصور الوسطى

يُشير مُجلَّد "تاريخ إيران" المنشور من قِبل جامعة كامبريدج إلى أنَّ تبريز المُعاصرة أنشأها الفُرس الساسانيّون في بداية عهدهم، خلال القرن الثالث أو الرابع الميلادي، أو ربَّما في وقتٍ لاحق، كالقرن السابع على الأرجح. أُعيد إنشاء المدينة على أنقاض تبريز الأولى مرارًا وتكرارًا خلال العصور اللاحقة للعصر الساساني، وعُرفت لفترةٍ طويلة قبل الفتح الإسلامي باسم "تورژ"، وكانت إحدى صلات الوصل البارزة بين العالمين الشرقي الآسيوي والغربي الأوروبي والرومي، وجسرًا من جسور التواصل بين ملوك فارس وملوك أرمينية. وفقًا لرواية البروفيسور ڤلادیمیر مینورسكي في موسوعة الإسلام، فإنَّ الساسانيّين توجهوا لفتح المدينة بغرض الثأر من الأرمن الذين قتلوا أردوان الخامس آخر ملوك فرثيا، غير أنَّ المؤرخين الأرمن القدماء لم يذكروا هذه القصَّة، والظاهر أنَّها مبنيَّة على رواية محليَّة. وفي الواقع فإنَّ الساسانيّين سيطروا على كامل أذربيجان بعد أن توجهوا للثأر من هزيمتهم على يد الشاه أردوان وتمكنوا من هزيمة جيشه هزيمة مُنكرة بقيادة أردشير الأوَّل، وقتلوه في المعركة.

الفتح الإسلامي

  • طالع أيضًا: الفتح الإسلامي لبلاد فارس

عام 22هـ، المُوافق لسنة 643م، تمكن المسلمون بقيادة الصحابي نعيم بن مُقَرِّن المزني من فتح تبريز وضّمِّها إلى حظيرة الدولة الإسلاميَّة الراشدة، بعد أن هزموا الفُرس الساسانيَّين في عدَّة وقعات. ولم يأتِ البلاذري في كتابه حامل عنوان "فُتوح البلدان" على أي ذِكرٍ لتبريز سواء باسمها الحالي أو الفارسي القديم؛ وقد رجَّح المؤرخون أنَّ سبب ذلك هو أنَّ تبريز لم تتعد كونها قرية صغيرة في ذلك الزمن. ويقول البعض أنَّ الحروب المستمرَّة في أواخر العهد الساساني وضعف الإمبراطوريَّة ذاتها، ربَّما ساهما في اندثار المدينة شيئًا فشيئًا حتى إذا حلَّ الفتح الإسلامي كانت قد استحالت قرية عاديَّة لا شأن لها، بعد أن هجرها أغلب أهلها.

العهدان الأموي والعبَّاسي

استمرَّت تبريز قرية عاديَّة طيلة العهد الأموي، حتى جاء العهد العبَّاسي وزمن الخليفة أبو الفضل جعفر المتوكل على الله، عندما قدمت المدينة مجموعة من قبيلة الأزد اليمنيَّة العربيَّة بقيادة زعيمهم الروَّاد، واستقرَّت بالمدينة، فعلا شأنها وأخذت بالازدهار من حينها، وشُيِّدت فيها القصور والأبنية الجديدة، وشُيِّدَ حولها سورٌ لحمايتها من الغزوات. يقول ياقوت الحموي في معجم البلدان: «وكانت تبريز قرية حتى نزلها الروَّاد الأزدي المتغلب على أذربيجان في أيام المتوكل، ثم إن الوجناء بن الرواد بَنَى بها هو وإخوته قصورأ وحصنها بسور فنزلها الناس معه». ذَكَر بعض الجغرافيّون والمؤرخون المسلمون الذين عاشوا في العصر العبَّاسي مثل ابن خرداذبة، والطبري، والبلاذري، المدينة باسمها الحالي في مؤلَّفاتهم، مثل كتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة وتاريخ الطبري، وأشار إليها كلٌ من مطهر بن طاهر المقدسي وابن حوقل على أنها من أجمل مدن أذربيجان. لبست تبريز أحلى حللها خلال القرن الثالث الهجري، فعمرت وارتفع عدد سكَّانها وعادت تمرّ عبرها طرق التجارة مع الشرق الأقصى، وشيدت فيها المرافق البارزة، ومنها البيمارستان الشهير، غير أنَّ الحال لم يستمر طويلًا، إذ شهدت المدينة زلزالًا شديدًا سنة 434هـ تركها متضررة بشكلٍ كبير، وفي عام 438هـ زار الرحَّالة ناصر بن خسرو المدينة وكتب مُشيرًا إلى هذه الحادثة، فقال: «وصلتُ تبريز في العشرين من صفر سنة ثمان وثلاثين وأربعمائة، وهي قصبة من قصبات أذربيجان، وهي مدينةٌ عامرةٌ جُلْتُها طولًا وعرضًا... وقد قيل لي ان زلزالًا حدث في هذه المدينة سنة أربع وثلاثين وأربعمائة في الايام المسترقة بعد صلاة العشاء فتهدم على أثر ذلك قسمٌ من المدينة، وهلك من أهلها أربعون ألفًا»، وذَكَر أنَّه قسَّم طول المدينة وعرضها فكان كلٌّ منهما ألفًا وأربعمائة (1,400) قدم.

استمرَّ المُتحدرون من نسل الروَّاد الأزدي سادة تبريز طيلة العهد العبَّاسي، وقد تكرَّدوا (أي أصبحوا أكرادًا) مع مرور الزمن واقتبسوا الهويَّة والقوميَّة الكرديَّة، وبحلول سنة 422هـ المُوافقة لسنة 1031م، بدأت طلائع القبائل التركيَّة الغزيَّة تنزح إلى المنطقة، ووافق ذلك عهد الحاكمين أبو منصور وَهْسوذان ابن مملان. وقد أحسن أبو منصور استقبال التُرك الغزّ عندما وصلوا إليه في عاصمته تبريز، وصاهرهم بهدف أن يستعين بهم لدرء خطر شعوب الأبخاز والكرج والأرمن التي كانت تغزو بلاده من ناحيتها الشمالية، على أنَّه وقعت بينه وبين الغزّ عدَّة إشكالات في وقتٍ لاحق بسبب ممارسات بعض القبائل غير المحمودة. ثبَّت التُرك سيطرتهم على المدينة سنة 446هـ المُوافقة لسنة 1054م، وبالتحديد عندما بلغ الزعيم السلجوقي طُغْرل بك أذربيجان أثناء توجهه نحو العراق للقضاء على البويهيين وغزو الروم، فعرَّج على تبريز، حيث أحسن وهسوذان استقباله ودخل في طاعته، وخطب له وحمل إليه من الأموال ما أرضاه. وأعطاه ولده رهينة على إخلاصه. وفي سنة 525هـ المُوافقة لسنة 1030م توفي السلطان محمود الغزنوي وتولّى ابنه داود إمارة المدينة، لكن حكمه لم يدم طويلًا، فبعد وفاة طغرل بك السلجوقي تولّى زعامة السلاجقة ألب أرسلان، وبعد أن قضى على بضعة فتن داخليَّة في الدولة العبَّاسيَّة تحرّك في عام 456هـ متجهًا إلى أرمينيا لمحاربة الروم، وعندما وَصل إلى أذربيجان دخل تبريز وأنهى حكم الروَّاديين والغزنويين فيها. تذخر المؤلَّفات السلجوقيَّة بالحديث عن تبريز، فقد ذُكِر على سبيل المثال أنَّ طغرل بك أقام حفل زفاف ابنة أخيه جاغري بك، خديجة أرسلان خاتون على الخليفة العبَّاسي القائم بأمر الله في المدينة، بعد أن عزم على مصاهرة العبَّاسيين.

العهد المغولي

  • طالع أيضًا: إلخانات

خلال السنوات الأوائل من القرن السابع الهجري، وصلت طلائع الجيش المغولي العرمرمي إلى أسوار تبريز، وقد ضرب المغول الحصار على المدينة مرَّتين وفشلوا في اقتحامها حتى كانت سنة 627هـ عندما تمكنوا من إخضاع كافَّة أذربيجان بما فيها المدينة، التي ارتكبوا فيها مجزرة فظيعة حيث قتلوا عدد هائل من السكَّان. بعد استتباب الأمر للمغول في إيران والقسم الأعظم من المشرق الإسلامي، عادت تبريز للازدهار مرَّة أخرى، وحلَّت مكان مراغة كعاصمة للإلخانات من عام 1265م حتى عام 1306م، بعد أن اختارها الألخان الرابع أباقا خان، لتكون عاصمة ممالكه بسبب موقعها المُميَّز في الأراضي العشبيَّة الشماليَّة الغربيَّة. وفي سنة 1295م جعلها الألخان محمود غازان المركز الإداري الرئيسي لامبراطوريَّته المُمتدَّة من الأناضول غربًا إلى نهر جيحون شرقًا، ومن القوقاز شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا. تحت رعاية وإدارة الألخان سالف الذِكر، شُيِّدت أسوار جديدة حول المدينة، وبُنيت الكثير من الدوائر والمباني الحكوميَّة والمرافق العموميَّة، بما فيها المدارس والمساجد والحمَّامات والخانات والفنادق المُخصصة لنزول التجَّار المتجهين شرقًا على طول طريق الحرير. وقد قصد بعض الأجانب من غير المسلمين المدينة خلال العهد المغولي طالبين العلم، ومن أشهر هؤلاء الأسقف جرجس خونيادس الرومي، الذي قصد بلاد فارس لدراسة الرياضيَّات والعلوم الفلكيَّة، وشغل منصب أسقف تبريز الأرثوذكسي خلال فترة إقامته فيها. وصف الرحَّالة البندقي ماركو پولو تبريز عندما مرَّ بها سنة 1275م متجهًا إلى الشرق الأقصى، فقال:

"...مدينةٌ عظيمة تُحيط بها حدائق غنَّاء. موقعها الممتاز يجعل التجَّار يمرون بها مع بضائعهم من كلِّ حدبٍ وصوب، وبالأخص البنادقة منهم الذين يأتون لشراء البضائع الغريبة القادمة من البلاد الأجنبيَّة..."

سنة 1392م حلَّ بتبريز الدمار والخراب مُجددًا بعد أن انقضَّت عليها الجيوش التيموريَّة بزعامة القائد الكبير تيمورلنك ونهبتها وأحرقت معالمها وقتلت الآلاف من أهلها.

العصور الحديثة

تنقَّلت تبريز خلال المرحلة الحديثة من التاريخ العالمي بين سيطرة عدَّة دول وإمارات إسلاميَّة تركيَّة، لعلَّ أبرزها وأكثرها تأثيرًا وبعدًا كان الدولة الصفويَّة التي شكَّلت هيمنتها على المدينة مرحلةً فاصلة في تاريخها وثقافتها. وكانت في بداية هذه الفترة قد خضعت لإمارة الخرفان البيض (الآق قویونلو) التركمانيَّة، ومن ثمَّ إمارة الخرفان السود (القره قویونلو)، المُنشقَّة عن الدولة التيموريَّة،(2) وشيدت فيها بعض معالمها البارزة مثل المسجد الأزرق.

العهدان الصفوي والعثماني

  • طالع أيضًا: معركة چالديران
  • تحويل الصفويين لإيران من المذهب السني إلى الشيعي

دبَّت النزاعات الأسريَّة الحادَّة داخل إمارة الخرفان البيض في أواخر عهدها، الأمر الذي ساعد القائد الشاب إسماعيل بن حيدر الصفوي، صاحب الحركة الثوريَّة الشيعيَّة، على هزيمة هذه الإمارة والقضاء عليها، فتقابل مع الميرزا ألوند علي قائد الخرفان البيض عند شرور في وادي أراكس يوم 1 محرَّم 907هـ الموافق ليوم 17 يوليو 1501م، وجرى بينهما قتالٌ ضارٍ انتهى بهزيمة ألوند وهربه إلى أرزنجان. وزحف إسماعيل بعد انتصاره إلى تبريز عاصمة الخرفان البيض، فدخلها واستولى عليها واتخذها عاصمةً له، واستقبله أهلها استقبال الفاتحين، ولعلَّهم أرادوا التخلّص من الفوضى التي سببَّها حكم الخرفان البيض. فرض إسماعيل، بعد أن استولى على تبريز، المذهب الشيعي الاثنا عشري على شعبه، وأعلنه مذهبًا رسميًا للدولة في إيران، وكانت ردود الفعل عنيفة خاصة وأن كثيرًا من سكان المدن الرئيسية في إيران مثل تبريز كانوا سنّة، ولا يدرون شيئًا من تعاليم المذهب الشيعي. لكن الشاه كان صارمًا وحازمًا في هذا الموضوع، فأجبر سكَّان تبريز على التشيّع وعلى وضع علامة القزلباش،(3) واضطهد مخالفيه من أهل السنَّة وقتل منهم نحو عشرين ألفًا وكان يمتحنهم بطرق شتّى، وأمر بإخراج جثث رؤساء الخرفان البيض من القبور وإحراقها. وأمر بإضافة الشهادة الثالثة (أشهدُ أنَّ عليًّا وليُّ الله) عند الأذان في مساجد المدينة ولعن الخلفاء الراشدين الثلاثة: أبو بكر وعمر وعثمان. وقد فرَّ عدد كبير من أهل السنَّة بما فيهم العلماء الربَّانيّون إلى الأراضي العثمانيَّة طلبًا للأمان.

كانت المُمارسات الصفويَّة قد أثارت غضب السُلطان العثماني سليم الأوَّل، وبعد وصوله إلى سدة الحكم احتدم الصراع السياسي والمذهبي بين الدولتين الصفويَّة والعثمانيَّة، فأعلن سليم الحرب وسار إلى إيران على رأس جيش كبير حيث التقى بالشاه في صحراء چالديران في أذربيجان قرب ماكو شرقيّ تبريز، ودارت بينهما رحى معركة عنيفة أسفرت عن انتصار العثمانيين وانسحاب الشاه إلى داخل إيران بعد أن تبيَّن له استحالة الدفاع عن عاصمته. فتحت تبريز أبوابها أمام الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم أحمد دوقاقين باشا الذي استهلَّ الدخول إليها وطرد ما بقي من الصفويين منها، ثمَّ دخلها السلطان سليم في 15 رجب 920هـ الموافق 4 سبتمبر 1514م، فأعطى الأمان لسكَّانها، واستولى على خزائن الشاه وأرسلها إلى الآستانة، ثمَّ عزم على الإقامة في المدينة لتدبير شؤون الأقليم المفتوحة وإعادة تنظيم الجيش تمهيدًا للتوسّع في الأراضي الإيرانيَّة. غير أنَّ خطَّة السلطان لم يُكتب لها النجاح، بفعل عدَّة عوامل منها تمرّد جنود الانكشارية وامتناعهم عن التقدم وبسبب قلة المؤن، وخلّو تبريز من الأطعمة الكافية للجيش العثماني الضخم إذ كان جنود القزلباش المنسحبين من المعركة قد أحرقوا بأمرٍ من الشاه إسماعيل جميع المؤن والأرزاق والمحصولات الزراعية في تبريز وضواحيها، ثم حلَّ فصل الشتاء ولم تتوافر الألبسة الملائمة للجنود، وكذلك أثرت الغارات الليلية الي كان يشنها جنود القزلباش على القوات العثمانية، ودخولهم تبريز لخطف وقتل الجنود العثمانيين. لذلك قرر السلطان إخلاء المدينة بعد أسبوع فقط من احتلالها ناقلًا معه آلافًا من أبرز تجَّارها وحرفييها وعلمائها إلى الآستانة، كما كانت عادة السُلالات التركيَّة والمغوليَّة من قبلهم في كل بلدة يفتحونها. عادت تبريز إلى حظيرة الدولة الصفويَّة مرَّة أخرى بعد خروج العثمانيين منها، وفي هذه المرحلة كان السُنَّة قد اقتُلعوا منها تمامًا. استمرَّت تبريز عاصمة الدولة الصفويَّة حتى سنة 1548م عندما نقل الشاه طهماسب بن إسماعيل الصفوي مركزه إلى مدينة قزوين، بعد أن قهره الجيش العثماني بقيادة الصدر الأعظم إبراهيم باشا الفرنجي بأمر من السلطان سليمان القانوني. وكان الصدر الأعظم قد دخل تبريز بلا مُقاومة في 1 محرَّم سنة 941هـ الموافق فيه 13 يوليو سنة 1534م، ولحق به السلطان بعد ذلك حيث نظَّم شؤون المدينة وعيَّن ابن أمير شَروان قائدًا لحاميتها. وفي يوم 8 رجب سنة 962هـ الموافق ليوم 29 مايو سنة 1555م عقد الصفويّون والعثمانيّون صلحًا عُرف باسم "صُلح أماسيا" نصَّ على احتفاظ الدولة العثمانيَّة بتبريز، فكان لهذا أثرٌ في انتعاش التجارة العثمانيَّة البريَّة نظرًا لأنَّ تبريز كانت مركز تجمّع الحرير، وبقيت المدينة خاضعة للعثمانيين بموجب هذه المُعاهدة زهاء عشرين سنة، حتى استعادها الشاه عبَّاس الأوَّل الصفوي في 18 جمادى الأولى سنة 1012هـ الموافق فيه 24 أكتوبر سنة 1603م. وقد اعتنى الشاه سالف الذِكر بالمدينة عناية كبيرة، فازدهرت مُجددًا وعادت لتكون من أهم مراكز التجارة العالميَّة وصلة وصل بين الدولة العثمانيَّة وروسيا وآسيا الوسطى والهند.

عاد العثمانيَّون لضم تبريز إلى دولتهم خلال الفترة الممتدة بين عاميّ 1724 و1725م، وذلك بموجب اتفاقيَّة أبرمها السلطان أحمد الثالث مع القيصر الروسي بطرس الأكبر لاقتسام الأراضي الإيرانيَّة المُتاخمة لحُدود بلاد كلٍّ منهما بعد أن ضعفت الدولة الصفويَّة. وفي سنة 1144هـ المُوافقة لسنة 1731م أبرم الصفويّون معاهدة مع العثمانيَّون تنازلوا فيها عن تبريز، لكنهم عادوا واستعادوا المدينة في عهد نادر خان الأفشاري، فانقض الجيش العثماني على المدينة وطرد الحامية الصفويَّة منها، وفي سنة 1145هـ المُوافقة لسنة 1732م أُبرمت مُعاهدة أخرى بين العثمانيين والصفويين أُعيدت بموجبها تبريز إلى الدولة الأخيرة.

العهد القاجاري

خلال أوائل العهد القاجاري، نقل الآغا محمد خان قاجار مركز العاصمة من تبريز إلى طهران. لعبت تبريز دورًا بارزًا في الحركة الثوريَّة التي قامت في إيران خلال هذا العهد، وكانت مقرّ وليّ العهد الإيراني الذي كان غالبًا ما يجمع بين ولاية العهد وحكم أذربيجان. وعندما قُتل محمد خان عام 1211هـ المُوافق لعام 1796م سلك كل قائد من قادته العسكريين طريقًا، فارتحل حجّي إبراهيم خان إلى طهران على عجل، بينما اتجه صادق خان الشقاقي إلى أذربيجان وأعلن بها سلطنته من تبريز، لكن عهده لم يدوم طويلًا، إذ سرعان ما استرجعها منه بابا خان بن حسين قلي خان جهانسوز، الشهير بالشاه فتح علي خان. وفي عهده اشتدَّ الخطر الروسي على إيران وعلى تبريز بالذَّات، إذ كان الروس قد سيطروا على القوقاز وجاوروا أذربيجان، وفي سنة 1826م تمكنوا من احتلالها، فجنح فتح علي شاه إلى السلام فعقد صلح مع روسيا يوم الخميس في 5 شعبان 1243هـ المُوافق فيه 21 فبراير 1828م، وكان من جملة الشروط تخلي إيران عن خانيَّتيّ إيروان ونقجوان، ودفع ثمانية ملايين روبل غرامة لروسيا، وتخويلها إدخال سفنها الحربية في بحر قزوين، وبناءً على هذا انسحب الروس من المدينة. على الرغم من ذلك، بقي التأثير الروسي قويًّا، وحمل لوائه الأرمن والكرجيين المُقيمين بالمدينة، وأخذت الأفكار الإصلاحيَّة الغربيَّة تنتشر في الوسط الشعبي ببطء. بعد انسحاب الجيش الروسي أطلق وليّ العهد وحاكم أذربيجان الشاهزاده عبَّاس ميرزا حملة إصلاحاتٍ إداريَّة وثقافيَّة من المدينة بهدف نشرها في كامل إيران، فأدخل المؤسسات ذات الطابع الغربي لأوَّل مرَّة إلى المدينة، واستورد الآلات والماكينات الصناعيَّة، وافتُتحت أوَّل صالة مسرح عمومي، واستقدم النظام البريدي الحديث، وأجرى عدَّة إصلاحات في نظام الشرطة التبريزيَّة والجيش المُرابط عند حدودها، كما أعاد بناء الكثير من نواحيها وأنشأ نظامًا حديثًا لجباية الضرائب، فظهرت في عهده أوَّل المطابع في إيران، وأوَّل المسارح الترفيهيَّة، وأوَّل مدرسة للصم والبُكم، وأوَّل روضة أطفال، وظهر عدد من الكتَّاب والروائيين الذين صاغوا مؤلفاتهم باللغتين الأذريَّة والفارسيَّة، كما أنارت الكهرباء الشوارع لأوَّل مرَّة.

المرحلة المُعاصرة

أصبحت تبريز مركز ومعقل الحركة الثوريَّة الدستوريَّة في إيران خلال الفترة المُمتدة بين عاميّ 1905 و1911م، بعد أن قام الشاه محمد علي قاجار بإغلاق مجلس الشورى وإلغاء الدستور نظرًا لأنَّه يتعارض مع الشريعة الإسلاميَّة، فقصف المجلس بالمدفعيَّة بمُباركة وموافقة كلٌّ من روسيا وبريطانيا. فاستاء الإصلاحيَّون من ذلك، وثاروا في تبريز وعدَّة مدن إيرانيَّة مُطالبين بعودة الحياة الدستوريَّة، وفي شهر يوليو سنة 1909م انطلقت قوَّة من الثوَّار المؤيدين للدستور من تبريز بقيادة ستَّار خان وباقر خان الأذريين، ویپرم‌ خان داویدیان الأرمني، وشيخ الإسلام أبو الحسن علي بن هلال الجزائري، وبلغوا طهران حيث خلعوا الشاه وأعادوا العمل بالدستور. أعلنت إيران حيادها خلال الحرب العالميَّة الأولى، لكن على الرغم من ذلك فقد احتلت تبريز الجيوش الروسيَّة التابعة لمُعسكر الحلفاء، ومن ثمَّ الجيوش العثمانيَّة التابعة لمُعسكر المحور، لكن كِلا الجيشين انسحب منها بُعيد انسحاب دولته من الحرب. عام 1921م قاد وزير الحرب الإيراني رضا البهلوي انقلابًا أطاح بالأسرة القاجاريَّة، وفي يوم 12 ديسمبر 1925م انتخبه مجلس الشورى ملكًا على إيران، فأطلق عدَّة إصلاحات إداريَّة وثقافيَّة طالت تبريز كان من ضمنها الحفاظ على هويَّة المدينة التركيَّة ولغة أهلها الأذريَّة.

بعد نهاية الحرب العالميَّة الثانية، قام الحزب الديمقراطي الأذربيجاني، مدعومًا من الاتحاد السوڤيتي، بإقامة دولة مستقلَّة في شمال غرب إيران عاصمتها تبريز، تحمل اسم "حكومة أذربيجان الشعبيَّة" (بالأذريَّة الجنوبيَّة: آذربایجان میللی حکومتی؛ وبالأذريَّة: Azərbaycan Demokratik Hökuməti؛ وبالروسيَّة: Азербайджанское народное правительство). دامت تبريز عاصمة هذه الدولة الشيوعيَّة الصغيرة عامًا واحدًا فقط: من سنة 1945 إلى سنة 1946م، وترأَّسها السيِّد جعفر البيشاوري، وعرفت المدينة خلالها إطلاقًا أكبر لحريَّة التعبير عن الرأي، واستُخدمت فيها اللغة الأذريَّة كلغةٍ رسميَّة. بعد انسحاب القوَّات السوڤيتيَّة دخلت القوَّات الملكيَّة الإيرانيَّة إلى المدينة لتُعيدها إلى حظيرة الدولة الأم، وخلال هذه الفترة كانت الهويَّة القوميَّة التركيَّة الأذربيجانيَّة قد نمت بين صفوف المواطنين التبريزيين وتعاظمت، كما شهدت الفترة افتتاح جامعة تبريز التي لعب أساتذتها وطلَّابها دورًا بارزًا في الحركات والأحداث اللاحقة التي قامت في أذربيجان. أدَّت سياسة الزعيم السوڤيتي جوزيف ستالين خلال الخمسينيَّات من القرن العشرين، الشهيرة باسم "الستار الحديدي"، أدَّت إلى إغلاق الحدود الشماليَّة لإيران، فكانت تلك ضربةٌ موجعةٌ للمدينة القائمة على التجارة مع جيران إيران. على الرغم من ذلك، استمرَّت تبريز تعيش مرحلةً خالية من الضطرابات والقلاقل حتى قيام الثورة الإسلاميَّة سنة 1979م، فشهدت عدَّة استثمارات حكوميَّة وخاصَّة، مما جعلها أهم المراكز الصناعيَّة في البلاد، لكنها بالمُقابل فقدت أهميَّتها كمعبر للبضائع التجاريَّة القادمة من الغرب بفعل تطوّر وسائل المواصلات والاتصالات.

بدايةً من عام 1978م أخذ وطيس الثورة يحمى في إيران، واشتعلت المدن الكبرى مُطالبةً برحيل الشاه محمد رضا البهلوي وإقامة الدولة الإسلاميَّة. وكانت تبريز من أبرز المُدن الثائرة على الحكم الملكي في البلاد، وسقط عدد من أبنائها قتيلًا خلال المواجهات المُستمرَّة بينهم وبين الشرطة والقوَّات الحكوميَّة الأخرى، ففي اليوم الرابع عشر من الاحتجاجات سقط 19 شخصًا من المُتظاهرين، ولوحق الكثير منهم في مُختلف أنحاء المدينة وقُبض عليهم وتمَّ سوقهم إلى السجن. بعد نجاح الثورة الإسلاميَّة وإطلاق سراح المُعتقلين، استمرَّ أبناء المدينة يُطالبون بالمزيد من الإصلاحات وفي مُقدمتها الاعتراف بحقوق التُرك الآذر في إيران، كما شهدت المدينة بعض الاضطرابات بسبب دعم أبنائها آية الله العظمى السيِّد محمد كاظم الشريعتمداري، وهو عالمٌ ليبرالي كان يُعارض هدف الحكومة الجديدة الهادف إلى مزج الدين بالدولة، وقد انتهت حركته وقمعتها الحكومة بحلول سنة 1980م.

بعد نشوب حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، نهجت المدينة نهج باقي المدن الإيرانيَّة، فتوقفت فيها حركة الإعمار والصناعة لتمويل الجيش. كانت المراكز الصناعيَّة بتبريز وبالأخص مصفاة النفط عرضة الغارات الجويَّة العراقيَّة نتيجةً لقُربها من الحدود، ولكونها ركيزةً من ركائز الاقتصاد القومي الإيراني. بعد فترةً تحوَّل القصف العراقي إلى المناطق السكنيَّة في المدينة، فدُمِّرت مئات المنازل ونزح الكثير من السكَّان للنجاة بحياتهم، وقدَّر بعض الخبراء الإيرانيّون عدد الضحايا التبريزيّين في الحرب بحوالي 4,200 ضحيَّة. بعد أن وضعت الحرب أوزارها سنة 1988م شرعت المدينة بإعادة بناء المناطق السكنيَّة والصناعيَّة المُدمَّرة مُستفيدةً من الاستثمارات الحكوميَّة والخاصَّة. ومنذ نهاية الحرب سالِفة الذِكر عرفت تبريز فترة استقرار وظهرت فيها عدَّة معالم ومبانٍ جديدة مما جعلها ترتدي حلَّةً مُعاصرة، ولم يُعكّر صفاء هذه المرحلة سوى بعض الكوراث الطبيعيَّة بين الحين والآخر، مثل الزلزال الذي ضرب المدينة وأريافها يوم 23 رمضان سنة 1433هـ الموافق فيه 11 أغسطس سنة 2012م، بقوَّة بلغت 6.2 درجة على مقياس ريختر، وخلَّف حوالي 250 قتيلًا وما يزيد عن 1500 جريح.

الجغرافيا

السمات الطوبوغرافيَّة

تقع تبريز في غرب محافظة أذربيجان الشرقيَّة. يحدّها من الجنوب والجنوب الشرقي سهوبٌ شاسعة، ومن الشمال جبليّ پکچین وعون بن علي، ومن الشمال الشرقي قريتيّ باباباغي وگوزني، وعلى الطرف الشرقي من حدودها الجنوبيَّة يقع جبل سهند. وهذه المنطقة من أخصب مناطق أذربيجان، إذ يمر عبرها نهريّ تلخه (بالفارسيَّة: تلخه رود؛ وبالأذريَّة الجنوبيَّة: آجی چای) ومهران أو قوري (بالفارسيَّة والأذريَّة الجنوبيَّة: قوری‌چای). يتراوح ارتفاع المدينة بين 1348 إلى 1561 متر عن سطح البحر، وهي تبعد عن أردبيل مسافة 219 كيلومتر، وعن زنجان 280 كيلومتر، وعن أرومية 308 كيلومترات، وعن طهران 599 كيلومتر.

تضاعفت مساحة تبريز بحوالي 20 مرَّة خلال الفترة المُمتدَّة بين عاميّ 1280 و1365هـ.ش. تُشير الإحصائيَّات الرسميَّة الإيرانيَّة أنَّ مساحة المدينة بلغت 7 كيلومترات مُربَّعة سنة 1280هـ.ش، ثمَّ بلغت 17.7 كيلومترات مُربَّعة سنة 1335هـ.ش، ثمَّ 45.8 كيلومترات مُربَّعة سنة 1355هـ.ش، فحوالي 140 كيلومترًا مُربَّعًا سنة 1365هـ.ش، وأخيرًا 237.45 كيلومترًا مُربَّعًا سنة 1385هـ.ش. كما اتسعت الضواحي المُحيطة بالمدينة حتى أصبحت مساحتها تُشكّل حوالي 11% من مساحة تبريز، أي قُرابة 25.22 كيلومتر مُربَّع.

الأنهر

يعبر تبريز نهران: الأوَّل هو نهر تلخه، وهو دائم الجريان، يعبر تبريز من الجهة الشماليَّة الغربيَّة، أمَّا الثاني فهو نهر مهران، وهو فصليّ يعبر المدينة بعد أن يفيض بمياه الأمطار والثلوج الذائبة.

نهر تلخة (تلخه‌رود / آجی‌چای)

يعني اسمه: "النهر الكريه"، إذ أنَّ مياهه قلويَّة غير صالحة للريّ أو الشرب وغير مُفيدة في أي شكل من أشكال الاستهلاك البشري. ويعود سبب ملوحة مياهه ومرارتها إلى جريانه عبر أراضٍ مُنهكة شديدة التعدين، مما يُشبّع مياهه بمزيجٍ من تلك المعادن. تتراوح نسبة تدفّق المياه في هذا النهر وفقًا لمحطَّة ونیار المائيَّة بين 12.5 و15 متر مُكعَّب في الثانية. ينبع نهر تلخة من السفوح الجنوبيَّة لجبل سبلان، ويعبر السهول المجاورة لسفح جبل قوشة، ويعبر تبريز من الشمال الشرقي قبل أن يتصل بنهر مهران في شمال شرق وسطها ويجري حتى يصب في بحيرة أرومية.

نهر مهران (مهران‌رود / قوری‌چای)

يعني اسمه: "النهر الجاف"، وذلك بسبب قلَّة نسبة تدفق المياه فيه عن سابقه، ويرجع ذلك إلى كونه نهرًا موسميًّا يجف خلال فصول الصيف شديدة القيظ، ويتدفّق خلال مواسم الشتاء كثيفة الأمطار والثلوج. ينبع النهر من جبل سنهد وهو يعبر تبريز قاسمًا إيَّاها إلى قسمين شمالي وجنوبي، ولهذا السبب شُيِّدت عليه عدَّة جسور عبر القرون لوصل قسميّ المدينة. يمتد على طوله طريقٌ سريع يعبر مركز المدينة ويؤمّن للناس وسيلةً ضروريَّة لتفادي زحمة السير. مياه هذا النهر عذبة صالحة للاستخدام والاستهلاك، علمًا أنَّه في آخر مرَّة فاض خلالها النهر أواخر القرن العشرين، كانت مياهه ملوَّثة وغير صالحة للشرب.

المُناخ

يسودُ تبريز مُناخٌ قاريّ شبه قاحل وتتمتع بأربعة فصول (تصنيف كوپن للمُناخ: BSk). يصل مُعدَّل المُتساقطات السنوي من أمطار وثلوج إلى 380 مليمترًا (15 إنشًا)، ومُعظم المُتساقطات الشتويَّة تهطل على شكل ثلوج، والربيعيَّة والخريفيَّة على شكل أمطار. تتمتَّع تبريز بطقسٍ مُعتدل لطيف النسيم خلال فصل الربيع، يتحوَّل ليُصبح جافًّا شبه حار خلال الصيف، فرطبٌ مُمطرٌ خلال الخريف، وأخيرًا مُثلجٌ بارد خلال الشتاء. يبلغ مُعدَّل درجة الحرارة السنويَّة 12 °مئويَّة. تشتهر المدينة بهبوب الرياح الشرقيَّة الباردة خلال الصيف، مما يُنعش الآهلين ويُضيف شيئًا من الراحة خلال هذا الفصل.

تلوّث الهواء

تُعاني تبريز من التلوّث الهوائي الحاد جرَّاء كثافة السيَّارات وما ينبعث من عوادمها من غازاتٍ سامَّة، وأيضًا بسبب دخان وأبخرة المصانع الحديثة مثل مصنع الطاقة الحراري ومجمَّع الصناعات البتروكيماويَّة ومصفاة النفط في غرب المدينة، وقد ارتفع مستوى تلوّث الهواء بالمدينة منذ منتصف القرن العشرين عندما أخذت السيَّارات تزداد وظهرت المؤسسات الصناعيَّة الكبرى. عملت الهيئات المختصَّة على مُعالجة هذه المُشكلة منذ أن بيَّنت الدراسات مدى تفاقمها، فتعاونت وزارة البيئة مع أصحاب المصانع حتى تراجعت كميَّة الملوِّثات وبلغت 558,167 طن في السنة. لكن على الرغم من ذلك لا تزال مشكلة تلوّث الهواء من أخطر مشاكل المدينة.

الزلازل

  • طالع أيضًا: زلزال تبريز (2012)

تقع تبريز في منطقة زلازل نشطة، وقد ضربتها عدَّة زلازل عنيفة عبر التاريخ، والكثير منها سوَّاها بالأرض. الهزَّات الأرضيَّة مألوفةٌ في تبريز والعديد من الهزَّات الخفيفة تقع يوميًّا وبعضها بالكاد يشعر به السكَّان. أعظم الزلازل التي ضربت المدينة حتى الزمن المُعاصر كان زلزال سنة 1158هـ.ش، المُوافقة لسنة 1780م. يقول رئيس مصلحة دراسة الزلازل في إيران أنَّ سبب وقوع زلازل مدمِّرة في تبريز والمناطق المُجاورة مثل جبال ألبروز وزاغروس هو وقوع المدينة على حزام آلپاید، وهو عِبارة عن سلسلة من الجبال تمتد على طول القسم الجنوبي من أوراسيا: من حدود المحيط الأطلسي عبر ساحل البحر المتوسط شاملةً جبال الألب والكاربات وصولًا إلى الهضبة الأناضوليَّة فالإيرانيَّة ثمَّ الهندوكوش وجبال جنوب شرق آسيا.

من أبرز الفوالق الأرضيَّة في أذربيجان الفالق المعروف باسم "فالق شمال تبريز"، وهو فالقٌ يمتد موازيًا لطريق تبریز – بستان‌ آباد، ويشتهر بتسببه بزلزال بلغت قوَّته 7.6 درجات على مقياس رختر سنة 1721م. وعلى الرغم من أنَّ هذا الفالق لم يُسجَّل له أي نشاط ملحوظ خلال المرحلة المُعاصرة، إلَّا أنَّ الدلائل تُشير إلى احتماليَّة تجدد نشاطه، كما تُظهر البيانات الإحصائيَّة أيضًا احتماليَّة تعرّض تبريز لزلزال مُدمّر جديد في غضون 260 سنة. أمَّا أهم الزلازل التي ضربت تبرز فهي:

  • زلزال سنة 244هـ: وقع في عهد الخليفة العبَّاسي أبو الفضل جعفر المتوكل على الله، وقد سوّى المدينة بالأرض، وأعاد بناءها الخليفة سالف الذِكر أواخر أيَّامه.
  • زلزال سنة 434هـ: دمَّر الكثير من أجزاء المدينة وسوّى عددٌ من مبانيها وهدّم البعض الآخر وضرره أضرارًا بليغة، وقد قيل أنَّ المُنجّم أبو طاهر الشيرازي كان قد تنبأ بحصوله. ذَكّرَ الشاعر قطران التبريزي هذا الزلزال بأبياتٍ كُتبت بالفارسيَّة، جاء تعريبها على الشكل التالي:

كما أتى الرحَّالة الشهير ناصر خسرو على ذِكره في مؤلَّفه حامل عنوان "سفرنامة"، فقال:

«...وحكوا لي أنَّه في ليلة الخميس السابع عشر من ربيع الأول 434هـ في الأيام المسترقة بعد العشاء زلزلت الأرض فخرب جزءٌ من المدينة ولم يُصب الجزء الآخر بسوء ويُقال إنه هلك فيها حينئذٍ أربعون ألف نسمة»
  • زلزال سنة 1158 هـ.ش: ألحق أضرارًا فادحة بالمدينة.

أُلحق بالمدينة مُجمَّع سكني قرويّ ضخم يمكن أن يأوي ما بين 10 إلى 20 ألف نسمة، وذلك تحسبًا لضرورة إجلاء الأهالي الناجين الذين فقدوا بيوتهم جرَّاء زلزالٍ مُدمّر. ويقع هذا المُجمَّع على مقربة من منتزه عبَّاس ميرزا الغابوي.

الحكومة المحليَّة

المُحافظ

تحوَّلت تبريز في بداية عهد الشاه ناصر الدين القاجاري إلى مركز لوليّ العهد الإيراني يحكم منها كامل أذربيجان، وذلك بموجب مرسومٍ شاهانيّ صادر عام 1285هـ.ش. بعد الثورة الدستورية عام 1909م التي أدّت إلى إعادة العمل بالدستور، أخذت الحكومة الروسيَّة تتدخَّل في تعيين حُكَّام مُحافظة أذربيجان وِفقَ ما يتناسب مع مصالحها الخاصَّة، كما شهدت هذه الفترة بداية استعانة أمراء المُحافظة بخُبراء ومُستشارين أجانب في مُقدمتهم خبراءٌ روس وبريطانيّون وأمريكيّون.

رئيس البلديَّة

تُناطُ السُلطة التنفيذيَّة في تبريز برئيس بلديَّتها، المسؤول عن أمنها ورفاهيَّة أهلها وتنظيمها، والمُنتخب من قِبل مجلسٍ بلديّ يُنتخب بدوره من قِبل أبناء المدينة. يقعُ المكتب البلديّ المركزيّ في قصر البلديَّة الشهير باسم "بُرج الساعة" أو "برج ساعات". شُيِّد هذا البُرج في سنة 1934م المُوافقة لسنة 1314هـ.ش. من قِبل رئيس البلديَّة حينها الحاج "أرفع‌ الملك جلیلي".

تأسست بلديَّة تبريز فعليًّا سنة 1908م، وعُيِّنَ السردار الهمایوني قاسم خان أمیرتومان رئيسًا لبلديَّتها، وكان هذا الرجل من خرِّيجي مدرسة القديس سير (سان سير) العسكريَّة الخاصَّة في فرنسا، وكان قد تأثَّر بالنظم الأوروبيَّة خلال فترة إقامته هُناك، فعمد إلى تطبيقها في تبريز خلال فترة ولايته عليها، فظهر المؤسسات الصحفيَّة لأوَّل مرَّة في تاريخ البلاد والمدينة على حدٍّ سواء، كما أُنيرت الشوارع بالكهرباء، وظهرت أسلاك الهاتف، والقاطرات الكهربائيَّة. وفي سنة 1389هـ.ش تولَّت أوَّل امرأة ولاية المُقاطعة السادسة من تبريز.

المُقاطعات المُعاصرة

تُقسم تبريز حاليًّا إلى 17 مُقاطعة، هي:

الديمغرافيا

اللغة

  • طالع أيضًا: لغة أذرية

اللغة السائدة في تبريز هي اللغة الأذريَّة، المعروفة أيضًا باللغة الأذربيجانيَّة واللغة التُركيَّة الأذريَّة. أشار ياقوت الحموي إلى أنَّ أهل تبريز يتحدثون "بلهجةٍ" من لهجات اللغة الفارسيَّة، ويذكُرُ المؤرّخ زين العابدين الشيرواني (الذي عاصر عهديّ الشاه فتح علي القاجاري والشاه محمد القاجاري) في مؤلَّفه حاملل عنوان "حدائق السياحة"، أنَّ اللغة الأذريَّة هي اللغة الغالبة في تبريز، وأنَّ أغلب أهلها إن لم يكن كلهم يتحدثون بهذا اللسان. على الرغم من ذلك فإنَّ لغة العمل والتواصل المُشترك والتعليم هي اللغة الفارسيَّة، كما هو الحال في باقي أنحاء إيران سواء أكان يقطنها الفرس أم غيرهم. يُشيرُ بعض الباحثين إلى أنَّه قبل هجرة القبائل التُركيَّة إلى أذربيجان وتتريك أهلها، كانوا يتحدثون بلغة إيرانيَّة شماليَّة غربيَّة شبيهة باللغة التاتيَّة، وأنَّها تغيَّرت مع مرور الزمن واقتبست الكثير من المُصطلحات التُركيَّة. ويقول آخرون أنَّ تلك اللغة بقيت سائدة في تبريز وكامل أذربيجان حتى القرن الخامس عشر، ويستندون في ذلك إلى مخطوطة قديمة هي مخطوطة "سفينة تبريز"، العائدة للقرن الثالث عشر ووردت فيها مجموعة أبيات شعريَّة مكتوبة بلغةٍ مُختلفة عن الأذريَّة عُرفت عند المُحققين باسم "اللغة التبريزيَّة". ذكر الشاعر مسعودي المروزي لغات التبريزيين عندما زار المدينة عام 314هـ، وقال أنَّ أكثرها شيوعًا هي الأذريَّة والدريَّة، كما قال المُحقق والباحث اللغوي محمد جواد مشکور في مؤلَّفه حامل عنوان "التاريخ النظري لأذربيجان" (بالفارسيَّة: نظری به تاریخ آذربایجان) أنَّ ناصر خسرو عندما زار المدينة رأى بأنَّ أهلها لا يتحدثون سوى الأذريَّة ولا يلمّون باللغات الإيرانيَّة الأخرى سواء أكانت الفارسيَّة أم الدريَّة على أنَّ بعضهم يمكنه قراءتها. كما أشار باحثون آخرون إلى رسالةٍ أخرى تحمل عنوان «اصطلاحات وعبارات إناث وأعیان وأجلاف تبریز» من القرن الحادي عشر، بأنَّها مكتوبة بلغةٍ تختلفُ عن الأذريَّة.

التركيبة السُكَّانيَّة والعرقيَّة

ينتمي أغلب سكَّان تبريز إلى العرق التُركي الطوراني، وإلى التُرك الآذر تحديدًا، على الرغم من أنَّهم كما باقي أهل الحواضر الإسلاميَّة الكُبرى يُشكلون مزيجًا من الشعوب التي خضعت للخلافات الإسلاميَّة المُتعاقبة وكانت تتنقل بين المدن والبلاد دون رادع، غير أنَّ أهل المدينة في الزمن الحالي يعتبرون أنفسهم من أبناء الأمَّة التُركيَّة. ذَكر الرحَّالة البرتغالي آنتوریو تنریرو الذي زار المدينة في عهد الشاه طهماسب الصفوي الأوَّل أنَّ أهل المدينة: «تُركمانٌ بمُعظمهم، وهم بيضُ البشرةِ حسانُ الطلعة». كذلك ذَكر ماركو پولو تنوّع أهل المدينة بقوله: «...فأمَّا السُكَّان بها فيغلب عليهم الفقر وهم يأتلَّفون من خليطٍ من أُممٍ ونحلٍ مُختلفةٍ ما بين نساطرة وأرمنيين ويعاقبة وكرجيين ومن فُرس ومن أتباع محمد المُسلمين الذين يُشكلون الكُتله الكُبرى للسُكان وهم الذين يُسمّون بحقٍ التبريزيون ولكلِ حزبٍ من هؤلاء القوم لغته الخاصة».

أمَّا في الزمن الحالي، فقد أشارت الإحصاءات الرسميَّة من سنة 2006م أنَّ عدد سُكَّان المدينة يصل إلى 1,800,000 نسمة، يُشكّلُ الآذر أغلبهم بنسبةٍ تصل إلى 96.5%، يليهم الفُرس بنسبةٍ تصل إلى 2.9%، ثمَّ باقي القوميَّات والأعراق من أرمن وآشوريون وغيرهم، وهؤلاء كلّهم يُشكلون ما نسبته 0.6% من جمهرة المدينة. تُعد تبريز حاليًّا رابع أكبر مدن إيران من حيث الكثافة السكَّانيَّة، وقد كانت حتى سنة 1345هـ.ش ثاني أكبر مدن إيران من هذه الناحية قبل أن تخسر هذا المركز وتقبع خلف أصفهان ومشهد. بالإضافة إلى المواطنين، تستقطب تبريز أيادٍ عاملة كثيرة محليَّة من داخل البلاد وأجنبيَّة من خارجها، نظرًا لأنَّها المركز الاقتصادي لمُحافظة أذربيجان الشرقيَّة. شرعت الجهات المُختصَّة في بناء بلدة جديدة، على بعد 24 كيلومتر من تبريز لغرض استيعاب الازدياد المُتواتر في عدد السكَّان وتخفيف نسبة الاكتظاظ السُكَّاني في المدينة، ولِخلق فرص عمل جديدة للشباب.

الدين

تعتنق الغالبيَّة العُظمى من سُكَّان تبريز الإسلام دينًا، على المذهب الشيعي الإثنا عشري، وهي من أكبر المدن الشيعيَّة في العالم. وكان أغلب أهل تبريز يدينون بالإسلام على المذهب السُني الحنفي والشافعي حتى بداية العهد الصفوي، عندما فتح الشاه إسماعيل الأوَّل المدينة وفرض على أهلها التشيّع بالقوَّة تحت طائلة القتل والتهجير، فتراجعت نسبتهم بسرعة جرَّاء المذابح التي طالتهم، وبسبب هجرة الكثير منهم نحو الدولة العثمانيَّة والسلطنة المملوكيَّة، وقد رُوي أن عدد من قتلوا في مذبحة تبريز بلغ أكثر من عشرين ألف شخص. ومع مرور الزمن ثبُتَ المذهب الشيعي الاثنا عشري في المدينة حتى اختفى كلُّ أثرٍ للمذهب السُني.

يعتنق أقليَّة من أبناء تبريز أديانًا أخرى، وفي مُقدمتها المسيحيَّة، وهؤلاء من غير الآذر، وأغلبهم أرمن وآشوريين يتبعون الكنيسة الأرمنيَّة الأرثوذكسيَ

المصدر: wikipedia.org