اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ابتدأت السورة بهجوم غير معتاد في بقية السور الأخرى، وبمفاجأة تثير الانتباه، حيث ذكرت أسباب الخذلان، والذل، وبطلان الأعمال، وذهاب بركتها، وضياعها، وهي الكفر بالله، ثمّ الصد عن سبيله، ويقابلها الإيمان بالله، وبنبيه، والقيام بالأعمال الصالحة، إذ إنّ ذلك يعتبر أعظم سبب لتكفير السيئات، وإصلاح الشؤون في كلا الدارين، ولا بد من الإشارة إلى أن أصل القاعدة في قبول الأعمال أو الخذلان هو الإيمان بالله أو الكفر والشرك به، حيث إن كل ما هو مبني على الإخلاص والتوحيد يبارك الله فيه، بينما المبني على الشرك والكفر فهو ممحوق ولا بركة فيه.
شرع الله للمؤمنين خذلان الكفار وإذلالهم وقتالهم، ثم شرع التفضل والمن عليهم بإطلاق سراحهم، أو بفدائهم، أو باسترقاقهم حتى تضع الحرب أوزارها، أي إلى أن ينتهي الكفر، كما أورد أنه من قتل في سبيل الله فإنه سيحظى بالحفاوة الإلهية في الآخرة والدنيا، أما من بقي من المجاهدين حياً فإن النصر سيظل حليفه، وسيكتب له التمكين في الأرض ولو بعد حين.
تتدخل اليد الإلهية في إذلال الكفار إن عجز المؤمنين عن ذلك، وفي حال تدخلت فإنها ستهلكهم إهلاكاً معنوياً وحسياً، كما وستدمر كل شيء عليهم، حيث سيلاقون الهلاك في كل مكان، ولن يجدوا لهم نصيراً، في حين سيكون الله مولاً للمؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والنصير لهم.
تكون العقوبة الأشد والخذلان الأكبر في الآخرة، وذلك حين يحرم الكافر مما يكرم به المؤمنون، فيرى المؤمنين في أكمل أحوالهم وأعزها، حيث نعيم الله وجزاؤه، وهو في أضعف حالته وأكثرها ذلاً وخذلاناً، الأمر الذي يؤكد له أن نعيم الدنيا ما هو إلا نعيم زائل لا خير فيه.
يبدو ظاهر الكفار الفرح والسعادة، في حين أن قلوبهم بليدة ومعذبة، ومطبوع عليها، ولا تحب الذكر وتبتعد عنه، ولا تدرك مقاصده، وتظل غارقة في بحر الشهوات، ولاهثة وراء الملذات، إذ لا ينفع معها التذكير، ولا تعتبر من المصائب، ولا تتعظ من عظائم الأمور، ولا تتصف بالفطنة.
ترد صورة أخرى من صور خذلان الكفار، وهي أنهم لا يوفقون إلى الأفاضل من الأصحاب، وإنما لا يقيض لهم إلا رفقاء السوء، وتكون الشياطين إخواناً لهم، ويطيعونهم في كل الأمور.
تبسط الملائكة أيديها عليهم عند انتزاع أرواحهم، وتضربهم، ولا تشفع لهم، إضافةً إلى تخلّيها عنهم في الدنيا، وذلك بسبب عدم طاعتهم لله ولرسوله، ولإعراضهم عن القرآن الكريم، فهم لا يتدبرونه، ولا يقرأونه، ويعرضون عنه.
يعتبر كشف أمر الكافر وإظهاره للناس جميعاً من أشد الأمور التي تؤثر عليه، وتضعف قلبه، كونها تكشف ما فيه، في حين أن أهل الإيمان يظهر الله صفاء قلوبهم، ويعكس ذلك على جوارحهم، وعلى وجوههم، وعلى ألسنتهم.