اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كانت التدخلات الرومانية الواسعة في شأن العالم اليوناني محتوماً نظراً للنهضة التي شهدتها الجمهورية الرومانية. وقد كان هذا التفاعل بين الرومان واليونان نتيجة موقعية الدول المدن اليونانية التي تقع على السواحل الجنوبية لإيطاليا. وكان على روما أن تسيطر على شبه الجزيرة الإيطالية بالكامل، وأرادت أن تخضع المدن اليونانية لحكمها. ورغم أنهم قاوموها في بادئ الأمر، وتحالفوا مع بيروس الإبيري، وإلحاقهم الهزيمة بالرومان في العديد من المعارك، فإن الدول اليونانية لم تتمكن من المحافظة على موقعها المتفوق فتمكنت روما من احتوائها. بعد ذلك بفترة وجيزة دخلت روما صقلية، لقتال القرطاجيين في الحرب البونية الأولى. وكانت النتيجة هي استيلاء الرومان الكامل لصقلية بما فيها من المدن اليونانية التي تمتعت بالقوة في ما مضى.
لم تكن المدن المستقلة في ماغنا غراسيا تشكل أقاليم هلنستية وقد فاقتها في ذلك الزمن شهرة الممالك الهلنستية في الشرق. كما أنهم حافظوا على استقلاليتهم عندما سيطر على المتوسط "القوى العظمى". وكان في ذلك وفي قربهم من روما، جعل منهم أهدافاً سهلة وواضحة. وهي على عكس الممالك الهلنستية الأخرى التي لم تكن في دائرة النفوذ الروماني، وكانت تتمتع بالقوة الكافية لرد أي اعتداء روماني. ويزعم أن الأحداث التي علّمت بداية نهاية الممالك الهلنستية، كانت بالإمكان تجنبها، رغم أن الأوضح أن صداماً ما بينها وبين روما كان لابد وأن يقع في نهاية المطاف.
وغالباً ما زاد التورط الروماني في البلقان عبر التجارة. فقد أدت غارات القراصنة من الإليريين على التجار الرومانيين إلى استحداث قوة تدخل رومانية لاحتلال إيليريا مرتين (الحرب الإيليرية الأولى والثانية en). وهكذا تعاظمت التوترات بين مقدونيا وروما عندما قام الملك المقدوني الشاب فيليب الخامس بإيواء أمير القراصنة ديميتريوس من فاروس en (بعد أن كان عميلاً لدى روما). وكانت النتيجة أن، أن حاول فيليب أن يخفف من نفوذ روما على البلقان بأن يتحالف مع قرطاج، بعد أن قام حنبعل بإلحاق الهزيمة الكبرى في معركة كاناي (216 ق م) في غضون الحرب البونية الثانية. بعد أن أجبر فيليب الرومان الصراع على جبهة قتال نظيرة بنفس عدد المقاتلين، أوقع فيليب نفسه في عداء مزمن مع الرومان، وهي النتيجة العملية الوحيدة التي تمخضت عنها الحرب المقدونية الأولى (215-202 ق م).
وبعد انقضاء الحرب البونية الثانية، وبدء الرومان لاعادة استجماع قوتهم من جديد، سعوا لأن يؤكدوا على قوتهم في البلقان، وأن يحدوا من توسع فيليب. فحصلوا على ذريعة لشن حرب أخرى عندما رفض فيليب من إنهاء حربه مع الأطليين في بيرغامون ومع جزيرة رودوس، وقد كان كلاهما حلفاء للرومان. كما اصطف الرومان إلى جانب الرابطة الأيتولية en، وهي رابطة من المدن الدول اليونانية التي ناهضت قوة فيليب، وهكذا أعلنت الحرب على مقدونيا في عام 200 ق م، لتبدأ الحرب المقدونية الثانية. وانتهت هذه الحرب بانتصار روماني حاسم في معركة كينوسكيفالاي (197 ب م). وعلى غرار أغلب معاهدات السلام الرومانية من الحقبة تلك، فقد تم تصميم معاهدة "سلام فلامينيوس" لسحق الطرف المهزوم تماماً، بفرض ضمانات باهضة، وتسليم أساطيل فيليب لروما، وتم إرجاع حدود مقدونيا إلى حدودها القديمة، لتخسر نفوذها على الدول المدن الإغريقية، وأراضيها في ثراقيا وآسيا الصغرى. وكانت هذه النتيجة هي نهاية مقدونيا كقوة عظمى في حوض البحر المتوسط.
والنتيجة الأخرى للقلاقل في اليونان بعد نهاية الحرب المقدونية الثانية هي تورط الامبراطورية السلوقية بالرومان. وكان الملك السلوقي أنطيوخوس الثالث قد تحالف مع فيليب الخامس في عام 203 ق م، ليتفقا على أن يتعاونا على احتلال مملكة الملك الصبي بطليموس الخامس المصرية. وبعد هزيمة بطليموس الخامس في الحرب السورية الخامسة، كثف أنطيوخوس من جهوده لاحتلال الممتلكات البطلمية في آسيا الصغرى. إلا أن ذلك أفضى بأنطيوخوس في حالة صدام مع رودوس وبيرغامون، الحليفين المهمين لروما، فبدأت حربٌ باردة بين أنطيوخوس الثالث وروما (ولم ينتج إيواء حنبعل في البلاط السلوقي إلا بإذكاء هذه الحرب). وفي هذه الأثناء، في البر اليوناني الرئيس، بدأت الرابطة الأيتولية التي انحازت مع روما ضد مقدونيا بشجب الوجود والنفوذ الروماني في اليونان. فكان ذلك حجة لأنطيوخوس الثالث لاحتلال اليوناني وتحريرها من النفوذ الروماني، لتأذن ببداية الحرب الرومانية-السورية (192-188 ق م). فكان الانتصار الروماني الساحق في معركة ماغنيسيا en (190 ق م) على أنطيوخوس. وتلت المعركة معاهدة مذلة مضعفة للطرف السلوقي الذي اقتطعت من ممتلكاته أراضي آسيا الصغرى لصالح كل من رودوس وبيرغامون، وتصغير حجم الأسطول البحري السلوقي، وفرض ضمانات حربية مهولة عليهم.
وهكذا في غضون أقل من عشرين سنة، تمكنت روما من تدمير قوة مملكة من ممالك الخلفاء، وعرقلة نفوذ مملكة أخرى، ولتحكم سيطرة نفوذها على اليونان. وكان سبب كل ذلك على وجه الابتداء الطموح الزائد لملوك مقدونيا، وعبثهم غير المتعمد بالرومان، رغم أن روما كانت على أهبة الاستعداد لإستغلال أية فرصة أتيحت لها. وفي غضون عشرين سنة أخرى، أطيح بالمملكة المقدونية تماماً.وفي سعي فيليب الخامس بن برسيوس لأن يشدد على القوة المقدونية والاستقلالية اليونانية، قام بإغضاب الرومان، لينتج عن ذلك الحرب المقدونية الثالثة (170-168 ق م). وبعد انتصار الرومان، حلوا المملكة المقدونية، وأبدلوها بجمهوريات عميلة لها، بقيت عشرين سنة أخرى قبل أن تلحق مقدونيا رسميا كإقليم روماني من أقاليم الجمهورية (146 ق م).
وبقي حكم الأسرة الأطلّية أكثر من ذلك بقليل، وقد بقيت طائعة حليفة لروما حتى النهاية عندما مات الملك أطلّوس الثالث في عام 133 ق م دون وريث لعرشه، فأخذ بحلفه إلى نهايته الطبيعية، بعد أن أوصى بعرشه لصالح الجمهورية الرومانية.
وبعكس المواقف الرومانية الفاعلة في البلقان واليونان وآسيا الصغرى، فإن مواقفها في الحيازات السلوقية والبطلمية لم تكن ذات ذكر كبير، ربما لأنهما لم يشكلا ذلك الخطر الكبير عليها، فأهملت تماماً الإمبراطورية السلوقية وتركت المملكة البطلمية تسقط بهدوء بينما، واكتفت بأن تعلن عن لقب الحامي على مصر من محاولة الغزو السلوقي بقيادة أنطيوخوس الرابع الظاهر لمصر. وفي نهاية المطاف، كانت الزعزعة السياسية الأمنية التي تسبب بها فراغ القوة جرّاء سقوط الامبراطورية السلوقية سبباً للقائد الروماني بومبيوس الكبير لأن يقضي على بقايا دولة السلوقيين المتضعضعة، فاحتوى أغلب سوريا وضمها للجمهورية الرومانية. أما سقوط مصر البطلمية أمام روما، فهي أشهر من أن تذكر، إذ تم ذلك خلال أحداث الحرب الأهلية من الجمهورية الرومانية، بين الخصمين الرئيسين ماركوس أنطونيوس وعشيقته البطلمية كليوباترا السابعة من طرف، وأغسطس في الطرف الآخر. وقد احتل أغسطس مصر وأخذها كغنيمة شخصية له بعد معركة أكتيوم البحرية. وهكذا أتم تدمير كلا المملكتين الهلنستيتين والجمهورية الرومانية، وأنهى على غفلة فترة العصر الهلنستي.