اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لأي شكل مسرحي ملامحه و تقنياته التي يعتمد عليها للتواصل مع الجمهور و هو الهدف الأهم، لهذا سنجد مثل هذه التقنيات في المسرح الطقسي و لكنها محققة بشكل مختلف عن المسرح التقليدي.
لا تستخدم اللغة في أطارها الطبيعي بهذا المسرح بل هي مقننة نظرا لافساح المجال لعناصر أخرى، و لكن هذا لا ينفي أهميتها البالغة، و في أغلب الأحيان هي كلمة لا تخضع للتحليل المنطقي، أكثر ما تخضع لمدي التأثير علي المسمتع لها و المشاهد للعرض، فهي كلمة مقدسة. إلي جانب أنها ليست حكرا علي الممثليين فقط و إنما يمكن للجمهور المشاركة، فهناك هدف مشترك و هو البحث عن الحقيقة من خلال الكلمة و الإيقاع و الصورة و اللون و كافة التقنيات القادرة علي تحويل القول إلي فعل و لإيقاظ وعي المتلقي من خلال هذه المهارة الفائقة -من الناحية الفنية- التي تحعل الفنان الطقسي معبرا بايم الجماعة عن كل ما يجيش في الصدور.
يعد الرمز أحد أهم المكونات للعمل المسرحي يجعلنا نبلغ أكثر أشكال الخيال ثراء، و بصفته وسيلة معرفة و إتصال فهو عامل أساسي في العلاقة القائمة بين العمل المسرحي و المتلقي و تعدد أشكاله يعمق و يثري و يوجه أو يوضح التفسير. و يلجأ المسرح الطقسي لاستخدام الرمز ليعطي قوة دافعة للفكر تحثه علي الابتكار و الابداع بلا قيود. تكمن قوة الرمز في أنه ينطلق من فكرة عامة يأتي كل فرد بتفسير مغاير، وفقا لمفهومه الخاص و قد يصل بتفسيره إلي أبعد مدي ممكن، و هكذا تصبح لغة الركو لغة شاملة و عالمية تتخطي حدود المحلية و هي أحدي السمات الرئيسية لكل ما هو ذو طابع تقليديمما يجعلها تسمو علي كل ما هو إنساني أو دنيوي و الرمزية يبدو كأحد أشكال الفكر المبتدعة و غن كان حدسيا مما يكسبه القدرة علي أن تكون نقطة لانطلاق و ارتكاز ما هو مدرك بالحدس و البديهة. و فيالرمز سالذي يمارسه المسرح الطقسي هو أولا الشكل المحسوس لتعاليمه ذات الأصل التلقيني و هي لغة تفوق في عالميتها كافة اللغات العادية التي تتوقف عند حد ما هو مرئي و مألوف. فالرمز هنا يشير إلي وجود حقائق جوهرية تختفي وراء تلك المظاهر التي يتعين علي المتلقي التعرف عليها طوال فترة العرض فكافة عناصر الطقس ما هي إلا مادة تدعو للتأمل و تثير النساؤل، و هي الغذاء الفكري من خلاله يصل المتفرج إلي قمة الوعي و الإدراك.
كان الفراغ المسرحي في الطقس التقليدي ينقسم إلي مستويين الإلهي السماوي و الإنساني و الأرضي و من هذا التوافق و التناغم الذي يضم القوي العليا و الجموع و منظم الطقس كان ينبع الطقس الوؤثر وال فعال القادر علي تغيير و تبديل الحال أما المسرح الطقسي الذي أخلي الأرض و السماء ممن يقطنها فإنه يضع المجتمع في قلب الفراغ المنوط إليه التعبير عن مشاكله و محاولة إيجاد الحلول لها.
و لقد و لقد احتفظ في بعض العروض بالدائرة الطقوسية التقليدية المشكلة نصفها من الممثلين و النصف الآخر من المتفرجين و هنال دائما في أول العرض ممثل مسئول عن رسم تلك الدائرة ببودرة الخزق و يدور داخلها و هو ينشد الأغاني و هذا الفراغ أيضا منظم بحيث يتسع بالذات للأدوات و الكسسوارات الطقسية و للشخصيات التي لا يتاح لها التعبير ببلاغة إلا في الأماكن المحددة ذات الدلالة أيضا و الدائرة بشكلها المستدير تشعر كل فرد أنها صنعت خصيصا ليجد ذاته و يستجمع نفسه وسط مجموعة تعمل في آن واحد علي البناء و الهدم و إعادة البناء الجماعي، و ينقسم الفراغ إلي عدة أماكن مسرحية مستقلة و ليس من بينها أي فراغ خيالي تتصارع داخله قوي غامضة و إنما هي أماكن يتاح مشاهدة كل شئ فيها حيث تظهر التقنيات و يتم تتبع نمو الشر و سقوط الاقنعة و كافة هذه الأماكن معاشه يتحرك داخلها الممثلون للتشبع بالاهتزازات فيموتون و يبعثون.
يعتمد الديكور علي عناصر تميل إلي البساطة مما يتيح للمتفرج فرصة التأمل و الخيال و يجعل الممثلين أكثر قدرة علي الاندماج و معايشة المواقف المختلفة دون أن تسبب كثرة الديكورات و تعقيدها في تشتيت تفكير كل منهما و تنتهي كافة العروض الطقسية وسط الجمهور حيث ينتظر الإجابة المرتقبة و حيث يجد كل فرد نفسه في قلب الواقع المراد تغييره. أما عن العناصر المستخدمة في الديكور فهي كثيرا ما يعود استخدامها إلي طقوس الأسلاف المتوارثة جيلا بعد جيل و إن كانت دلالاتها قد اكتسبت معاني جديدة مع احتفاظها بمكانتها في قلوب من توارثها و ما تفرضه من احترام و خشوع علي من يعيدون استخدامها.
إن ملابس منظمي الطقوس كانت في حد ذاتها تمثل في الطقوس التقليدية عالما دينيا مصغرا و نظما رمزيا متكاملا، و كأنها معابد متنقلة تحتمي بقوة أرواح الأسلاف و بمجرد أن يرتديها منظم الطقس نراه و قد تخطي حدود عالمنا الأرضي لينتمي مباشرة إلي عالم الأرواح و الأسلاف.
كذلك تتحكم الألوان في الدلالات التي تصل للمشاهد أو بمعني أخر المشارك في الفعل، فلكل لون دلالته و معناه التي يفك شفرتها المشاهد طوال العرض الطقسي، و هكذا تصبح الملابس بألوانها لغة و وسيلة شفاء فهي رمز الأعماق و كل خبايا النفس و لكي تتسني إقامة علاقة معها ينبغي أولا و قبل كل شئ تحرير النفس من كافة الأغلال حتي تستجيب لتلك النداءات الكونية.
تكتسب الآلات الموسيقيةالآلات الموسيقية المتخدمة في العروض الطقسية دلالة رمزية قوية، فدورها لا يقتصر علي خلق ديكور موسيقي و إنما الأسمي من ذلك و الأهم هو المعاونة علي إيقاظ الوعي تدريجيا و إقامة الحوار بين كافة عناصر الديكور الأخرى .
ترتبط الآلة الموسيقية ارتباطا وثيقا بعازفها و بالشخصية التي تستخدمها كي تعطي المزيد من الثقل للدور الذي تقوم به و لمضاعفة التأثير علي المتلقي-المتفرج- و تسمح الآلة لحاملها بالحركة و التنقل و شغل الفراغ المسرحي كيفما شاء دون أي قيود في الحركة و هي إضا تعير صوتها لكل من لا قدرة له علي التعبير بذاته كالجمهور و الموتي و اللاوعي . و تستخدم الآلات الموسيقية لتسمح للكلمة بالتحرر بفضل جهودها المتواصلة، فالآلة تتقمص حالة الصعوبة في التعبير التي تعتري الشخصية في جمل الحوار التي تتفوه بها، لتعطيها دفعة قوية من الحيوية و تيسر عملية التخلص من الكلمة-السم-. لا يقتصر الأمر علي الآلات الموسيقية فحسب و إنما تستخدم بعض الأداوت و الأكسسوارات الصادرة للاصوات كطلقات الرصاص و السياط و الصفارات، و بهذا فتتحول هذه الأدوات من كونها أدوات في ذاتها إلي دلالة و معني و رمز، فيتم استخلاص كافة الطاقات من هذه الأدوات لتوصيل الرمز المراد فك شفرته.
كذلك هناك بعض العناصر التي تندرج في التكوين الصوتي و تعرف بالمقومات شبه اللسانية، إي التي تصدر عن أصوات بشرية لكنها لا تعد كلمات، و هي " الأصوات المحاكية، الضحك، الصرخة، الصمت "
و تعتمد علي أصوات الصياح التي يطلقها الممثلون و الجوهمر بطريقة تلقائية وسط الحوار و هي تؤكد سواء علي الموافقة أو الرفض أو الغضب أو الاشمئزاز و غيرها من ردود الأفعال، و تقوم وسائل التعبير هذه علي ثلاث مبادي: أولا تسمح للمتلقي بمتابعة الحوار و هو في يقظة تامة وادراك كل معني من وراء كلماته و هذا هو المظهر التربوي الداعي للمشاركة في التلقين في المسرح الطقسي الذي يصر علي التفهم الكامل لكافة مراحل الحوار و في نفس الوقت يمكن الممثل إلي قمة نضجه الفني في نهاية الطقس دون أن يطلق العنان لمشاعر الشخصية و يظل علي وعي و ادراك كامل يؤهله لحث المتلقي علي التفكير و التأمل و أخيرا تقوم هذه النوعية من الكلمات علي قانون من قوانين التطهير المرتبطة بالطقس يؤدي إلي تطهير نفوس و أجساد المشاركين من كافة الطاقات الآثمة و من الكلمات السامة التي تدمر الإنسان و تصيبه بالتسمم و من هنا تأتي أهمية الصخب و الضجيج في العروض الطقسية بهدف طرد القوي السالبة عن طريق الصدمات العنيفة و ليتسني بعدها مسام الجلد بالكلمة الطاهرة حتي تبلغ هدفها الأخير ألا و هو المخ لتستقر فيه كفكرة راسخة.
إحد وسائل التعبير الأخرى تكمن في الصرخة التي تعد قمة التعبير اللغوي فهي تجرد الخصم و العدو من كافة أسلحته، فهي تعد آخر الأسلحة و هي لا تدل علي الخوف و إنما هي العكس من ذلك، تولد طاقة تدعو إلي العمل و الفعل و لذلك يلجأ المسرح الطقسي إلي استخدامها لما لها من قدرة علي الخلق و الابداع، و هي تستخدم في طقوس الحداد ليس بغرض التعبير عن الحزن و إنما لكي تحرر الكلمة الشافية و قد تصبح الصرخة في بعض الطقوس الوسيلة الوحيدة للخلاص و هكذا تتخلل الصرخات عبارات الحوار لتسمح بالمزيد من الإيضاح و التحليل و من مصلحه كل المشاهدين استخدام كافة الطرق و الوسائل التي تتيح التعرف علي الحقيقة كاملة و الأسباب الأولية بغرض تحيقي الاستقرار النفسي التام.
تعد الضحكة عنصرا هاما في المسرح الطقسي، و بكن مع مرور الأيام بدأت تتقلص، و لهذا تظهر بشكل مقنن لكي لا تترك آثارا ظاهرة و إن كان يتم السيطرة عليها في حينه خشية أي تفسير خاطئ للمعني.
لتبقي الأسرار مقدسة، كان الصمت في الماضي و الغموض يكتنفان الطقوس التقليدية، فالمعرفة شر كما كان يقال، لذا لزم الجميع الصمت كالكلمة يمكنها أن تعرض المجتمع للخطر. الصمت مثقلا بالمعاني و الرموز و الأسرار التي لا تقدر علي تفسيرها إلا الأقلية العالمة ببواطن الأمور أما اليوم فان المسرح الطقسي لا يفرق بين فئة خبيرة بشئون الطقس و أخرى جاهلة به بل هو يخاطب الجميع بلغة واحدة.
يتحول الصمت هنا إلي وسيلة فعالة لحسن توزيع الطاقة، و البداية تكون دائما برفض هذا الصمت الذي يطبق علي الصدور و يفوق عن الفعل المغير لواقع الحال المتردي، و هنا يصبح الصمت مرادفا للجبن و الموت، و نري في المسرح الطقسي أن الآلات الموسيقية مثلا كالناي ترافق فترات الصمت حتي يتسني لذهن المتفرج أن يصفو و يتهيأ للتأمل العيق ليلتقط ملاحظة دقيقة لها أهميتها في سياق العرض فأهم التقنيات التي يرتكز عليها المسرح الطقسي هي الإصرار علي عدم تقديم الأجابة جاهزة و حث المتفرج علي البحث عنها، و الصمت يجعله يصل لهذه المرحلة خاصة عقب مواقف هامة، ليتشبع بعدها بالمعني كامل و يصل لمغزي و جوهر الرموز. و هناك نوعيات أخرى من الصمت تتيح للمتفرج لحظات يتعرف فيها علي خبايا نفسه و مشاعره الدفينة أو تتيح له فرصة إمعان النظر في شكل الديكور و وضع الأكسسوارات. و هكذا يصبح الصمت دافعا لإيقاظ وعي المتفرج و حثه علي المضي قد ما نحو تغيير المجتمع فالأجساد تتجمد في وقفتها علي خشبة المسرح و تشع من حولها نور الوعي و تؤدي إلي تصحيح الفهم و القدرة علي الاستيعاب لدي المتلقي المترقب و هنا يرفض سلبيات الماضي و يتهيأ لبناء المستقبل أي ينفض عنه أجنحة الموت ليسري في عروقه دفء الحياة و يمر بمرحلة النضج و الوعي قبل أن ينتقل إلي العمل و الفعل القادران علي تغيير هذا المجتمع عقب فترة سبات دامت طويلا.
تمثل الأناشيد عنصرا هاما من عناصر الطقس يتيح متابعة المواقف الهامة و المعقدة في العرض و كلماتها و انفاسها مستمدة في معظم الأحيان من التراث و الطقوس التقليدية أو من الأغاني الحديثة و تتميز اناشيد المسرح الطقسي بالدور النقدي الذي تقوم به و الذي يتبع نمو الحدث خطوة بخطوة و نلاحظ بصفة عامة أنهذا المسرح لا يدع المتفرج يستمع إلي الأنشودة و يتابعها حتي نهايتها بل تتوقف ما أن تبلغ الغاية منها و يتم التيقن من تأثيرها علي نفس المتلقي و قد تصاحب تدخل أحدي الشخصيات في سياق الأحداث مستغلا ما أحدثه هذا الغناء من تأثير قبل أن يزول مفعوله .
يكتسب الجسد في المسرح الطقسي أهمية توازي تلك التي تمتاز بها الكلمة و إن كان لا يتفوق عليها، فالكلمة بدورها وسيلة تحرر و تواصل و هناك أبحاث عديدة قد عنيت بدراسة العلاقات بين وسائل العلاج الديونيسوسية ( ووسيلتها الجسد ) و الأبوللية ( ووسيلتها الكلمة ) . و لكن ذلك لا يعني أن المسرح الطقسي و ذلك علي حساب الكلمة و كأن الممثل بالمسرح الطقسي ما هو إلا جسد.