اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد انتصار الثورة المصرية في 23 تموز 1952 سعى الإمام أحمد بن يحيى إلى إيجاد علاقات قوية مع رجال الثورة المصرية، هدف من ورائها الظهور بمظهر الراغب في الإصلاح والمتطلع إليه امام الشعب اليمني من جهة، والحصول على تأييد مصر لابنه البدر في قضية ولاية العهد من جهة أخرى. ولما كان الحسن معروفاً بتزمته وتشبثه بالماضي وتقاليده، مقابل ميل البدر العلني نحو الإصلاح، فقد وجدت مساعي الامام اذاناً صاغية لدى الحكومة المصرية التي ابدت استعدادها لتدريب الجيش اليمني إذا ما طلب منها الامام ذلك.
ويبدو ان أهداف الامام الرامية إلى الحصول على دعم عربي ذو تاثير لابنه البدر، ومن ثم تقوية الجيش اليمني بمساعدة مصرية إلى الحد الذي يجعله قادراً على مواجهة أي تحرك محتمل قد تقوم به القبائل الموالية للحسن، قد جاء متناغماً مع النهج القومي للنظام الجمهوري في مصر الذي هدف إلى تعزيز علاقته قدر الممكن مع الأقطار العربية الأخرى، حتى لو كانت تحكمها أنظمة رجعية في نظره، على أساس ان تلك السياسة ستفضي إلى إيجاد نفوذ مصري في تلك الأقطار يمكن أن يستقطب انظمتها الملكية المحافظة – ومنها النظام الامامي في اليمن – نحو اجراء اصلاحات فعلية في انظمتها السياسية والاقتصادية يجعلها أكثر تجاوباً مع النهج القومي للنظام المصري، أو على الأقل تساعد في ايقاظ الوعي الوطني والقومي لدى شعوب تلك الأنظمة – في حالة عدم تجاوب الأنظمة نفسها – يقود إلى ثورة تغير النظام الملكي بنظام جمهوري يتخذ من النظام الجمهوري في مصر مثالاً يحتذى به، وهو ما حصل فيما بعد عندما وقعت ثورة 26 سبتمبر 1962 في اليمن.
وتنفيذاً للوعود المصرية، وصل وفد عسكري مصري في مطلع 1953 إلى اليمن برئاسة المقدم كمال عبد الحميد الذي اجتمع بالامام احمد واقنعه بان دعم التوجهات الاصلاحية لابنه البدر من شأنه ان يزيد شعبية البدر امام خصمه في قضية ولاية العهد، ويعطي رصيداً شخصياً وتاريخياً للامام. ولما كانت قضية تحسين قدرة الجيش اليمني من أولويات البدر الاصلاحية التي عمل الامام والبدر على تحقيقها منذ عام 1952 ، لغرض استخدامه في مواجهة القبائل الموالية للحسن كما مر ذكره، فقد وافق الإمام احمد على اقتراح بعض مستشاريه بطلب بعثة عسكرية من مصر لتدريب الجيش اليمني في تعز ، لا سيما وان هؤلاء المستشارين من ذوي التوجهات الاصلاحية عرفوا كيف يضربون على وتر الخلاف بين البدر والحسن حول ولاية العهد لغرض اقناع الامام باستقدام بعثة عسكرية مصرية لتدريب الجيش اليمني على الرغم من ان الأهداف الحقيقية لهؤلاء كانت تتحدد في إيجاد نظام عسكري عصري يكون المنطلق الأول لنهضة اليمن وليس اداة لدعم البدر.
وهكذا نلاحظ ان التنافس على ولاية العهد في اليمن كان له التأثير البالغ في توجه الامام نحو إقامة علاقات ودية مع مصر بعد ثورة 23 تموز 1952 ، وفي موافقته على الاستعانة ببعثة عسكرية مصرية لتدريب الجيش اليمني، وهي التوجهات التي جاءت متطابقة مع آمال الاحرار اليمنيين على الرغم من تناقض الأهداف المرجوة لكل منها.
وبغض النظر عن تناقض أهداف الطرفين، فقد وفر هذا التطابق فرصة جيدة لدعم الاحرار والمصلحين للبدر الذي لم يترك مناسبة دون أن يستغلها في التاكيد على أنه يتمنى ان يكون رائد الإصلاح في اليمن، وانه لا يتاخر عن اقناع والده بالإصلاح كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وكان من بين أهم هؤلاء المقدم أحمد يحيى الثلايا و محمد قائد سيف اللذان بدأ يؤمنان بجدية توجه البدر نحو الإصلاح ويعتقدان انه أفضل المرشحين للإمامة مقارنة بعمه الحسن الذي كان مرفوضاً بكل المقاييس لدى جميع الاحرار والمصلحين، وعمه الأمير عبد الله الذي حاول ان يدخل كطرف ثالث في معترك الخلاف حول ولاية العهد.
ولم يقتصر دعم التوجهات الاصلاحية للبدر على العناصر الاصلاحية العسكرية بل تعداه إلى الاحرار الذين لا زالوا في سجن حجة منذ اشتراكهم بحركة 1948 الفاشلة، ففي بداية عام 1954 خرجت الدعوة لولاية العهد من سجن حجة عندما حمل القاضي عبد الرحمن الارياني من معه في السجن على مبايعة البدر كولي للعهد، غير ان المبايعة على ما يبدوا لم تكن صادقة في حقيقتها، فقد هدف منها الاحرار تحقيق مأربين أولهما توسيع شقة الخلاف بين أفراد الأسرة الحاكمة، وثانيهما كسب عطف الامام والبدر بشكل خاص لغرض إطلاق سراحهم، وهو ما حصل بالفعل عندما تمكن البدر من اقناع والده على إطلاق سراح بعض المعتقلين وتخفيف القيود عن البعض الآخر، وقد اخذ البدر بعد ذلك يتقرب من المثقفين والقبائل ويدعوا لاصلاح وتطوير اليمن.