اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لمَّا وصل خبر فتح الديبُل على يد جيش الإسلام إلى الراجا داهر، وعلم أنَّ والي المدينة فرَّ إلى جيسيه في النيرون، وأنَّ أهالي الديبُل خضعوا لِلمُسلمين الذين عاملوهم بِالحُسنى، كتب إلى ولده جيسيه يقول له أن يتوجَّه إلى مدينة بُرهمناباد ويترك أمر النيرون إلى راهبٍ بوذيٍّ يُعيِّنهُ واليًا عليها، ويُوصيه بِالحفاظ على المدينة بِكُلِّ قُوَّة. وفي الوقت نفسه، كتب داهر إلى مُحمَّد بن القاسم يُهدده ويتوعَّده وجيشه بِالفناء فيما لو واصل التقدُّم، لأنَّ الديبُل لم تكن سوى مدينة يعمل أهلها بِالصناعة والتجارة، وما يليها أشدُّ بأسًا وقُوَّة. ولمَّا وصل القائد المُسلم إلى تُخُوم النيرون وصلته رسالة داهر، ونصُّها:
بسم الله العظيم ذي الوحدانيَّة وربِّ سيلائج:
من داهر بن چچ ملك السند وراي الهند وقائد البر والبحر إلى المغرور والمفتون بِنفسه مُحمَّد بن القاسم الذي يهوى القتل والحرب بدون رحمة، حتَّى أنَّهُ لا يغفرُ لِجيشه وجعل الجميع في محرقة الموت.
وكان قبل ذلك من رأى في منامه الغرور، وتوجَّه إلى منطقتنا، وقد بايعه أبو العاص بن الحكم على ذلك، لِأنَّهُ تصوَّر في ذهنه المريض أنَّهُ سيفتح ولاية الهند والسند ويستقر فيها. فذهب إلى نفرٍ قليلٍ من أتباعنا فقتلوه في سواد الديبُل وهُزم تمامًا جيشه الضعيف، والآن جاءنا مُحمَّد بن القاسم بِذهنه المريض أيضًا لِيلقى هو وجيشه المصير نفسه، وهو عندما فتح الديبُل، وهي مدينة التجارة والصناعة، عليه أن يعلم أنَّها ليست قلعة حربيَّة، وليس فيها المُقاتلون الأشدَّاء الذين سيُلاقيهم وسيكون فناؤه على أيديهم، وأنا لو أشرت بِإصبعي إلى جيسيه بن راي داهر لَمحا جيشك من الوُجُود وجاء بك أسيرًا إليَّ، جيسيه الذي قهر المُلُوك، وقاتل جبابرة الزمان، ذو الحسب والنسب من الرُهبان الأكابر، والذي حنا لهُ مُلُوك الهند رؤوسهم، وأصبحت الهند والسند تُدينان لهُ بِالولاء والطاعة، كما أعلن مُلُوكُ مكران وطوران التبعيَّة له، وهو صاحبُ مائة حلقةٍ من الأفيال، إنَّهُ سيركب الفيل الأبيض الذي لم ولن يُقابلهُ لا فرس ولا فارس.
وإنِّي أُحذرك بِأنَّهُ لن يتمكَّن أيُّ مليكٍ أو جيشٍ - حتَّى انصرام العالم - من مُجابهته حتَّى في المنام. وإنَّ مصيرك هو مصير بُديل نفسه، وإنَّك لن تسطيع مُواجهتنا في القتال، فاسلم بِجلدك وجيشك.(2)
يُلاحظ أنَّ في هذه الرسالة إشارة إلى الحملة الإسلاميَّة الأولى ضدَّ الديبُل التي أرسلها سنة 15هـ المُوافقة لِسنة 636م عُثمان بن أبي العاص والي البحرين وعُمان، لكنَّ المعلومات عن مصير الحملة كما ذكرها داهر في رسالته غير صحيحة كما أُسلف. كما احتوت على إشارةٍ إلى بُديل بن طهفة البجليّ الذي أرسلهُ الحجَّاج ضدَّ الديبُل قبل نحو ست سنوات من إرسال مُحمَّد بن القاسم، فقُتل خِلال الحملة، كما أُسلف أيضًا. ولمَّا وقع كتاب داهر بِيد مُحمَّد بن القاسم، استدعى مُترجمه وأملى عليه الرسالة التالية:
من مُحمَّد بن القاسم الثقفي قاتل الكُفَّار والآخذ بِثأر المُسلمين من المُتمردين والمُعاندين، إلى الكافر الجاهل المُنكر المُتكبِّر المغرور بِسُلطان أيَّامه والزمان، الذي لا يعرف الوفاء ومُرور الأيَّام التي يتخلَّلها الجفاء، المغرور داهر بن چچ البرهمي الغدَّار
أمَّا بعد: فلا بُدَّ لك من العِلم بِأنَّ ما سطَّرته من الجهالة وغاية الحماقة وافتتانك بِرأيك الركيك قد وصلنا. وعلمنا مضمون أحوالك ومقالك، وفهمنا كُل ما سطَّرته من الحديث عن القُوَّة والشوكة والعدَّة والآلة والأهبة بِالأفيال والحشم والجيش. ونحنُ بِقُوَّة الله وحوله قد وُهبنا القُوَّة والعدَّة والأهبة، ولا حول ولا قُوَّة إلَّا بِالله العليّ العظيم. ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ ثُمَّ لا ينظرون، ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾، ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ ۚ﴾، ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
أيُّها العاجز، ماذا ينفعك رُكُوبُ الفيل وكثرة العدد والعدَّة؟ ولعلمك أنَّ الفيل ذليل وعاجزٌ أيضًا وهو أضعفُ العُدد ولا يستطيع أن يُبعد الذُبابة عنه التي هي أضعف المخلوقات. ونحنُ نفتخرُ بِفُرساننا وهُم من حزبُ الله ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ وخيلُ الله وفُرسانها هُم المنصورون. ولتعلم بِأننا جئنا لِقتالك بِسبب أفعالك السيِّئة وخصالك غير المُرضية، وبِسبب استكبارك حيثُ أوقفت سُفن سرنديب وأسرت المُسلمين.
وإنَّك تعلم بِأنَّ أوامر دار الخلافة خلافة النُبُوَّة مُطلقة ونافذة في جميع أنحاء الدُنيا، وأنت تُعلن التمرُّد والعصيان، وتأخذ أموال بيت مال المُسلمين التي كان الوُلاة والمُلُوك السابقون يُعطونها ويعتبرونها حقًا بِذمَّتهم فيُرسلونها إلى دار الخِلافة، ولِأنَّك لوَّثت نفسك بِهذه الخِصال الدنيئة، وتمرَّدت على الطاعة والقيام بِالواجب، فقد جاءنا الأمر الإلٰهي من دار الخِلافة كي أنتقم من تلك الأفعال، وأتوجَّه لِقتالك، ولسوف أقهرك وأهزمك أينما واجهتك بِعون الله تعالى، وسأبعثُ بِرأسك بِمشيئة الله إلى العراق، أو أُضحِّي بِروحي في سبيل الله، وأعتبر هذا الجهاد واجبًا عليّ لِقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ وقبلتُ الجهاد في سبيل مرضاة الله تعالى، وإني آمل الكثير من كرم الله ونصرته لِجُنُوده إن شاء الله تعالى.
كُتب في سنة ثلاث وتسعين من الهجرة(2)
يُروى عن أبي الليث التميمي عن جُعُونة بن عقبة السُّلمي أنَّ مُحمَّد بن القاسم وصل إلى سواد النيرون في اليوم السابع لِمُغادرته الديبُل، بعد أن قطع بِالجيش مسافة خمسةٍ وعشرين فرسخًا. ولمَّا وصل المُسلمون إلى منطقة ولهار العُشبيَّة الخضراء حيثُ يُوجد نهر السند وجدوه جافًا خاليًا تمامًا من الماء، وكان الجيش قد أنهكه التعب وأخذ منه العطش مأخذًا كبيرًا، فوقف مُحمَّد بن القاسم وصلَّى ركعتين قائلًا: «يَا دَلِيلَ المُتَحَيِّرِين وَيَا غَيَّاثَ المُستَغِيثِن، أَغِثنِي بِحَقِّ بِسمِ الله الرَّحمٰنِ الرَّحِيمِ». انهمرت الأمطار بعد ذلك حتَّى امتلأت الوديان بِالمياه الوفيرة، كما امتلأ حوض نهر السند بِالماء، أمَّا أهل النيرون فقد أغلقوا الحصن على أنفُسهم، فحاصرهم مُحمَّد بن القاسم طيلة ستَّة أيَّام، نقُصت خلالها المُؤن الغذائيَّة لِلمُسلمين وأعلاف حيواناتهم من الخيل والجِمال، فبعث الراهب البوذيّ، الذي عُيِّن واليًا على المدينة، بِرسولين مُحمَّلين بِالغذاء والأعلاف إلى مُحمَّد بن القاسم ومعهُما رسالةً يقول فيها أنَّهُ ومن معهُ من الخدم والحشم والرعيَّة في خدمة دار الخِلافة، ثُمَّ فتح باب المدينة وسمح لِلمُسلمين بِدُخُولها، وأخذ يبيع ويشتري البضائع معهم. وأرسل أعيان المدينة كتاب صُلحٍ إلى الحجَّاج بن يُوسُف يُعلنون فيه دُخُولهم تحت جناح دولة الإسلام، فكتب الحجَّاج إلى مُحمَّد بن القاسم يُعلمه بِضرورة مُعاملة الأهالي بِالحُسنى وإكرامهم وتأمينهم واحترام علية القوم منهم، فأجابهُ إلى ذلك وأقرَّ الصُلح، ووزَّع العُلُوفة على الجيش، ثُمَّ أمر ببناء مسجدٍ في المدينة، وعيَّن لها حاكمًا وإمامًا، ثُمَّ غادرها بعد عدَّة أيَّامٍ إلى حصن سيوستان الواقع على قمَّة جبلٍ إلى الغرب من نهر السند.