اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ورد عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه قال: (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ. قالَ ابنُ أَبِي عُمَرَ: قالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي قَاطِعَ رَحِمٍ)، إشارةً إلى أنّ قاطعَ الرَّحِم إن لم يكن مُستحِلّاً لهذا القََطع، فإنّه لا يدخل الجنّة إلّا بعد تطهُّره من ذَنب قَطعه لها؛ إمّا بعَفو من الله -عزّ وجلّ-، أو بعذاب منه -تعالى- بقََدْر هذا الذَّنب، أمّا إن كان مُستحِلّاً له، فإنّه لا يدخل الجنّة؛ لأنّه حَوّل الحرام إلى حلال، وذلك باعتقاد أنّ قَطع الرَّحِم جائز، وإطلاق الرسول - صلّى الله عليه وسلّم- على مَن يقطع الرَّحِم لفظَ (قاطع) دالٌّ على أنّ هذا اللفظ ينصرف إلى قاطع الرَّحِم؛ وذلك لعِظَم الذَّنب الذي اقترفَه، ويُشار إلى أنّ قطيعة الرَّحِم تُعَدّ من المُوبقات والكبائر؛ فقد قال الله -تعالى-: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ*أُولَـئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ).
تُعرَّف الرَّحِم في اللغة بأنّها: القرابة أو أسبابها، وجمعها أرحام، وأولو الأرحام هم: الأَقارب من غير العصَبة، ومن غير ذَوي الفُروض، كأبناء العمومة، وأبناء الإخوة والأخوات، وغيرهم، أمّا صِلة الرَّحم، فتعني: زيارة الأقارب والإحسان إليهم، وعلى النقيض منها قطيعة الرَّحِم التي تعني لغة: الهِجرانُ والصَّدُّ، أمّا اصطلاحاً، فهو: تَرك البِرّ إلى الأقارب، وتَرك الإحسان إليهم، وعدم صِلتهم،
وتجدر الإشارة إلى أنّ الله -تعالى- أمرَ رسوله محمداً -صلّى الله عليه وسلّم- بدعوة أقاربه أوّلاً إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وإنذارهم وتحذيرهم من عذاب يوم القيامة؛ قال -تعالى-: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)، وفي ذلك إشارة صريحة وواضحة له -صلّى الله عليه وسلّم-؛ كنايةً عن أنّ الأقربين أولى وأحقّ بالمعروف، ومِمّا لا شَكّ فيه أنّ قطيعة الرَّحِم أصبحت مع مرور الوقت ظاهرة واضحة في المجتمعات؛ إذ لم يَعُد الإنسان -في كثير من الأحيان- يَصل رَحِمه بصَدَقة، ولا مساعدة، ولا حتى مشاركتهم أفراحهم وأحزانهم، وقد يتجاوز البعض تلك القطيعة إلى الإساءة والإضرار بهم، ولا بُدّ من الإشارة إلى أنّ هناك مَن يختلط عليه التمييز بين صِلة الرَّحِم والمُكافَأة؛ ذلك أنّ صِلة الرَّحِم تكون للقريب حتى إن لم يكن هذا القريب واصلاً لها، أمّا المُكافَأة فتُمثِّل رَدَّ فِعل مُماثل للفعل الأصليّ؛ إن هو وَصَلَ رَحمَه، فإنّ رَحِمَه يصلونَه، وإن قاطعهم قاطعوه؛ قال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: "(ليسَ الواصِلُ بالمُكافِئِ، ولَكِنِ الواصِلُ الذي إذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وصَلَها)"، أمّا قاطع الرَّحِم فيُعرَّف بأنّه: مَن مَنَع عن رَحِمه المعروف والمَعونة، وعاداهُم وقَطَعهم بهجرانهم.
لا شكّ في أنّ الإسلام دين رحمة، وتواصل، وتعاضد، وعليه فقد اهتمّ كثيراً بصِلة الأرحام؛ باعتبارها اللَّبِنة الأساسية في بناء المجتمع الإسلاميّ المُتماسك، وهي نواة التوسُّع الأولى في التواصُل مع المجتمعات البشريّة الأخرى كافّة؛ إذ إنّها طريق إلى التماسك والتراحم اللذَين يؤدّيان إلى حماية الضعيف، وطمأنة العاجز، وانتشار بركة الله -تعالى-، وأمانه، بالإضافة إلى ما تحمله من الخير العظيم؛ فقد قال الله -عزّ وجلّ-: (وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)، وقد دعا كتاب الله -تعالى- أهل الفضل إلى صِلة الأرحام حتى وإن تأذَّوا بسببهم؛ فهو سبيل الفوز في الحياة الدُّنيا والآخرة ونَيل رضوان الله -تعالى- وعونه، ومن الدلائل أيضاً على اهتمام الإسلام بصِلة الرَّحم أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أوصى بذلك وهو على فراش المرض، وحَذّر من قَطعها؛ فقال: (أرحامَكم أرحامَكم). وبالإضافة إلى ذلك، تبرز أهمّية صِلة الأرحام وعدم قَطعها في الدِّين الإسلاميّ من خلال الكثير من الإشارات الواضحة والصريحة، ومنها:
لا شكّ أنّ لصِلة الرَّحِم منزلة عظيمة عند الله -عزّ وجلّ-؛ إذ جعلها الله -تعالى- مُتعلّقة بالعَرش، وقد توعّد الله -تعالى- قاطع الرَّحِم بقََطْع الرعاية والعناية عنه؛ فقال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بالعَرْشِ تَقُولُ مَن وصَلَنِي وصَلَهُ اللَّهُ، ومَن قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ)، كما حَذَّر الله -تعالى- ونبيُّه الكريم من قَطْع الأرحام الذي يُعَدّ سبباً في مَنْع رحمة الله، وبالتالي الابتعاد عن طريق الجنّة، بل يُعَدّ سبباً في فَتح سُبل الوصول إلى النار، وترتُّب العذاب والعقوبات العظيمة من الله -تعالى-، ومنها ما يأتي: