اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ومن الأحاديث النبوية التي يؤمن القائلون بالإعجاز العلمي أن بها إعجازاً هو حديث "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ...".
يوضح حديث رسول الله السابق أن {خلق الإنسان يمرُّ بثلاث مراحل، وهي: النطفة، والعلقة، والمضغة، تكتمل خلال الأربعين يومًا الأولى من بدء عملية الإخصاب، والملاحظات العلمية الدقيقة التي تجمّعت لدى العاملين في حقل علم الأجنة البشرية تؤكد ذلك.
وكان بعض علماء الحديث قد فهموا تلك المدة على أنها ثلاث أضعاف ذلك -أي مائة وعشرين يومًا- لأنهم فهموا التعبير بـ "مِثْلَ ذَلِكَ" في نصِّ الحديث على أنها تُشير إلى الفترة الزمنية المحدَّدة بأربعين يومًا لكل مرحلة من المراحل الثلاث: النطفة، والعلقة، والمضغة، وينفي ذلك الفهم حديثٌ آخر لرسول الله قال فيه: "إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا مَلَكًا، فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا وَبَصَرَهَا وَجِلْدَهَا وَلَحْمَهَا وَعِظَامَهَا...".
وشكل المضغة لا صلة له بشكل الإنسان من قريب أو بعيد، ولكن تبدأ المضغة في اكتساب الشكل الإنساني بالتدريج في الأيام الخمسة التالية لتخلّق المضغة؛ أي في الفترة من اليوم الأربعين إلى الخامس والأربعين من بعد عملية الإخصاب، وفي اليوم الخامس والأربعين يتم تكوُّن الأعضاء، والهيكل العظمي بصورة ظاهرة، وتستمرُّ عملية الانقسام الخلوي والتمايز الدقيق في الخلق بعد ذلك.
يقول المؤمنون بالإعجاز كيف عرف محمد رسول الله هذه الدقائق العلمية المعقدة، والمتناهية الدقَّة في خلق الجنين، والتي تتراوح أبعادها بين الجزء من عشرة آلاف جزء من الملليمتر حتى تصل إلى حوالي عشرة ملليمترات فقط؟!.
وهذه المراحل الجنينية حتى لو نزلت مع السّقط وهي غارقة في الدماء ما كان ممكنًا للإنسان أن يُدركها فضلاً عن رؤيتها، ووصفها، وتسميتها بأسمائها الصحيحة، ومن هنا كانت تعبيرات وصف مراحل الجنين كما جاء في الحديث السابق من أوضح جوانب الإعجاز العلمي في سُنَّة رسول الله ، ودليلاً ناصعًا على صدق نبوته.
هذه بعض الإشارات العلمية في سُنَّة رسول الله ، والمجال لا يتَّسع لعرض المزيد منها، ولكنها تؤكِّد بما لا يدع مجالاً للشكِّ صدق النبي محمد فيما بَلَّغ عن ربِّ العزَّة.
وانطلاقًا من هذه الحقائق العلمية الناصعة في كل من كتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله ـ ـ فإن علماء المسلمين كانوا على يقين منها في الوقت الذي ظل علماء الغرب يتخبطون في ظلمة من الأساطير والخرافات على مدى عشرة قرون كاملة أو يزيد حتى وصلوا إلى شيء من التصور البدائي لتلك الحقائق، ولم يستكملوا رؤيتها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين.
حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ حَدَّثَنَا أَبُو كُدَيْنَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ يَا يَهُودِيُّ إِنَّ هَذَا يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَقَالَ لأَسْأَلَنَّهُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ قَالَ فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ مِمَّ يُخْلَقُ الْإِنْسَانُ. قَالَ: " يَا يَهُودِيُّ مِنْ كُلٍّ يُخْلَقُ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ فَأَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ "فَقَامَ الْيَهُودِيُّ فَقَالَ هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ قَبْلَكَ.
الحديث الثالث: ما من كل الماء يكون الولد:
رواه الإمام مسلم في مسنده في كتاب النكاح حديث رقم 2605: حدثني هارون بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي مُعَأوِيَةُ يَعْنِي ابْنَ صَالِحٍ عَنْ علي بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ سَمِعَهُ يَقُولُ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنِ الْعَزْلِ. فَقَالَ: " مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ ". حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْبَصْرِيُّ حَدَّثَنَا زَيْدُ ابْنُ حُبَابٍ حَدَّثَنَا مُعَأوِيَةُ أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ الْهَاشِمِيُّ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ـ وَسَلَّمَ بِمِثْلِهِ.
ورواه أحمد في مسنده حديث رقم 11450: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْوَدَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ: " لَيْسَ مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ ".
روى الإمام مسلم بسنده أن يهوديًا مر بالنبي وهو يحدث أصحابه فقالت قريش: يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي، فقال اليهودي: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي، فقال : يا محمد، مم يخلق الإنسان؟، فقال رسول الله ـ ـ : " يا يهودي، من كلٍ يُخلَق، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة ". فقال اليهودي : هكذا كان يقول من قبلك. (أي: من الأنبياء).
وروى الطبراني بسنده عن مجاهد ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: قال رسول الله ـ ـ: " ما خلق الله الولد إلا من نطفة الرجل والمرأة جميعًا ".
وروى الإمام مسلم بسنده أن النبي ـ ـ قال: " ما من كل الماء يكون الولد، وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء ".
هذه الحقائق العلمية التي تقع من علم الأجنة في الصميم، والتي لم تعرف مبادئها الأولية إلا في نهايات القرن الثامن عشر الميلادي، واستغرقت أكثر من قرنين من الزمن حتى تستقر في وجدان علماء الأجنة، تحدث عنها خاتم الأنبياء والمرسلين ـ ـ بهذه الدقة العلمية، والإحاطة الشمولية منذ مطلع القرن السابع الميلادي، أي: قبل أن يصل إليها العلم المكتسب بأكثر من عشرة قرون كاملة.
فحتى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي كان الناس يعتقدون أن الإنسان يخلق جسمه كاملاً بأبعاد متناهية في الصغر من دم الحيض، وبعد اكتشاف بويضة الأنثى قالوا بأن الإنسان يخلق كاملاً فيها كما يخلق فرخ الدجاجة في بيضتها، ولكن بعد اكتشاف الحيوان المنوي نادوا بأن الجنين يخلق كاملاً في رأس ذلك الحيوان على الرغم من ضلته، ولم ينته الجدل بين أنصار كل من هذه التصورات الخاطئة إلا في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي حين اكتشفت أهمية كل من الحيوان المنوي والبويضة في عملية تكون البويضة الملقحة التي ينشأ عنها الجنين، ولم يتم الاتفاق على ذلك إلا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.
وفي القرن العشرين ثبت لعلماء الأجنة أنه من بين ملايين النطف الذكرية ـ الحيوانات المنوية ـ التي تنزل في الدقيقة الواحدة لا يصل منها إلى قناة الرحم إلا خلاصة لا يتعدى عددها الخمسمائة، يتمكن واحد منها فقط من اختراق البويضة ـ النطفة الأنثوية ـ فيتم تلقيح[؟]ها وتكوين النطفة الأمشاج التي وصفها الحق ـ تبارك وتعالى ـ في محكم كتابه، والبويضة هي أيضاً جزء من ماء المرأة، وهنا تتضح لمحة من لمحات الإعجاز العلمي في قول المصطفى ـ ـ : "ما من كل الماء يكون الولد".
وهذه الأحاديث النبوية الشريفة مُؤَيَّدة بقول الحق ـ تبارك وتعالى: سورة المؤمنون: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ
وبقوله ـ عز من قائل ـ: سورة الإنسان: هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا
وقوله ـ سبحانه وتعالى ـ: سورة الحجرات: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
وقوله ـ تعالى ـ: سورة الحج: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ
وانطلاقًا من هذه الحقائق العلمية الناصعة في كل من كتاب الله ـ تعالى ـ وسنة رسوله ـ ـ فإن علماء المسلمين كانوا على يقين منها في الوقت الذي ظل علماء الغرب يتخبطون في ظلمة من الأساطير والخرافات على مدى عشرة قرون كاملة أو يزيد حتى وصلوا إلى شيء من التصور البدائي لتلك الحقائق، ولم يستكملوا رؤيتها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين.
فهذا ابن حجر العسقلاني يقول في شرح الحديث الشريف الذي نحن بصدده، وما يرتبط به من أحاديث في نفس الباب ما نصه: " ويزعم كثير من أهل التشريح أن مني الرجل لا أثر له في الولد إلا في عقده، وأنه إنما يتكون من دم الحيض، وأحاديث الباب تبطل ذلك ".
ويؤكد هذا الكلام ابن القيم بقوله في كتابه المُعَنْوَن " التبيان في علوم القرن " ما نصه: " ومني الرجل وحده لا يتولد منه الولد ما لم يمازجه مادة أخرى من الأنثى ".
هذا السبق بعدد من الحقائق العلمية في كلٍ من كتاب الله، وسنة رسوله ـ ـ لكل المعارف المكتسبة بعشرة قرون أو يزيد لا يمكن تفسيره إلا بكون القرآن الكريم كلام الله الخالق، وكون هذا النبي الخاتم، والرسول الخاتم موصولاً دائماً ومُؤَيَّداً بوحي السماء.