اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لمّا اشتد أذى المشركين بالمسلمين في مكّة؛ أمر الله -تعالى- نبيّه وأصحابه بالهجرة منها، ولم يحدّد الرسول -عليه الصلاة والسلام- الوِجهة لأصحابه مباشرةً، بل بدأ يتدرّج لهم بمكان الهجرة؛ حتى يستعدّوا أتمّ الاستعداد لها نفسياً ومعنوياً، ولا يشقّ عليهم ترك بلادهم، فأخبرهم -عليه الصلاة والسلام- أنه رأى بالمنام أنّها أرضٌ ذات نخلٍ بين حرَّتين، ورؤيا النبيّ حقّ، وقد روت عائشة أم المؤمنين -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إنِّي أُرِيتُ دارَ هِجْرَتِكُمْ، ذاتَ نَخْلٍ بيْنَ لابَتَيْنِ، وهُما الحَرَّتانِ)، وقد وصفها بذلك ليُخبرهم بأنها أرضٌ غنيّةٌ لوجود النخل فيها، وقويّةٌ كونها بين حرّتيْن؛ أي بين أراضي صخريّة عظيمة ومرتفعة، فظنّ أصحابه أنّها اليمامة، أو هجر، أو قنسرين، أو يثرب، وهي المدينة المنورة، فعن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (رَأَيْتُ في المَنامِ أنِّي أُهاجِرُ مِن مَكَّةَ إلى أرْضٍ بها نَخْلٌ، فَذَهَبَ وهْلِي إلى أنَّها اليَمامَةُ، أوْ هَجَرُ، فإذا هي المَدِينَةُ يَثْرِبُ).
ولم يخبرهم النبيّ بالوجهة مباشرةً حتى لا يتسَّنى للمشركين أيضاً منعهم من الهجرة للمدينة المنورة؛ فهم يخافون على تجارتهم، ولن يكون الأمر لصالحهم لو دخل أهل المدينة في الإسلام، ثم أعلن الرسول -عليه الصلاة والسلام- الوِجهة أخيراً، وطلب من أصحابه الهجرة عند استطاعتهم، وقد أخرج الإمام البخاري -رحمه الله- في صحيحه الحديث النبويّ: (فَهاجَرَ مَن هاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ، ورَجَعَ عامَّةُ مَن كانَ هاجَرَ بأَرْضِ الحَبَشَةِ إلى المَدِينَةِ)، وكان النبيّ -عليه الصلاة والسلام- آخر من هاجر من مكة هو وأبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، وقد انتظر -صلى الله عليه وسلم- الإذن من الله -تعالى- للهجرة مع أصحابه، إلا أنَّ الإذن تأخّر رأفةً بالمسلمين؛ فلو سمع المشركون خبر هجرة كافّة المسلمين مع النبيّ للمدينة لحرصوا على اعتراضهم ومنعهم من الهجرة.
وتتمتّع المدينة المنورة بعدّة مزايا، وذلك ما أهّلها لأن تكون دار هجرةٍ للمسلمين، إذ يُحيطها حرَّتان؛ حرّةٌ من الشرق، وأخرى من الغرب، والحرّة منطقةٌ صخريّةٌ يصعب فيها المشي؛ سواء بالأقدام أو على الخيل وغيره، ممّا يُعيق وصول الجيوش إليها، فهي تحمي المدينة من الغزوات، أما باقي حدود المدينة فقد كانت مليئةً بالنّخل عدا المنطقة الشمالية منها، وقد حصّنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقت غزوة الأحزاب بحفر الخندق، يقول ابن إسحاق -رحمه الله- عن المدينة المنورة: "كان أحد جانبي المدينة عورة، وسائر جوانبها مشككة بالبنيان والنخيل، لا يتمكّن العدوّ منها"، وهذا من حكمة الله -تعالى- ورحمته على المسلمين.