اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بدأت شرارة الحب بين مي زيادة وجبران خليل جبران بعد قراءتها لقصة الأجنحة المتكسّرة التي نشرها في المهجر عام 1920م، حيث أرسلت له برسالة أولى تُعرب فيها عن إعجابها بهذا النتاج الأدبي، لتتوالى بعدها الرسائل التي بدأ من خلالهما خب المذكورين على هيئة خطابات أدبيّة ورقيّة، ومُراسلات فِكريّة وروحيّة أفضت في نهايتها إلى تآلف روحي ّحقيقيّ بينهما، فقد كان كلّ واحد منهما روحاً للآخر، بأحلامهما وأفكارهما، والنّاظر في الرسائل المُتبادلة بينهما يعلم حقيقة هذا الحبّ الخالص الذي تجاوز الحواجز الزّمانيّة والمكانيّة والحِسّيّة، ليكوِّن لهما عالَماً قويّاً يدعو كلّ واحد منهما فيه للبحث عن (الله) في قلب الآخر، خاصّة أنّ النّزعة الصّوفيّة كان مُلازمة لجبران في حياته، وممّا يُدلل على ذلك قوله لمي في إحدى رسائله: "هُنا نستطيع أن نتشوّق حتى يُدنينا الشّوق من قلب الله"، كما يتشابه رأي جُبران في المرأة وحبّها مع ما ذَكَره جلال الدّين الرّوميّ حين قال: "ليست المرأة معشوقة، بل هي نور الحقّ"، ويُلمح من خلال هذه الرسائل كون هذا الحبّ العذريّ لا يُشبه ما عهده أهل الأدب العربيّ قبله لما يتميّز به من أمور نادرة تُجرّد الحبّ من الأمور الماديّة، والسّطحيّة، والأرضيّة.
كُتِبت الرّسالة الأولى التي كانت بداية ما تلاها من خِطابات عام 1912م، وكانت مي قد بدأت في رسالتها بالتّعريف عن نفسها، وعن اسمها الحقيقيّ، مع ذِكرها للنّشاطات الأدبيّة التي تُمارسها، ليستشف جبران روحها الأدبيّة الموهوبة من خلال ما كتبته، ويردّ عليها مُتحدِّثاً عن نفسه وحياته، وعن سبب كتابته لقصّة الأجنحة المُتكسرة التي تعكس ما قاساه في حياته، وممّا وجب ذِكره أنّ العلاقة بين مي وجبران كانت مبنيّة في أساسها على إعجاب ميّ بمؤلّفات جبران، على الرّغم من مُخالفتها لرأيه في كثير من الأحيان، لكنّها قالت له في إحدى رسائلها له: "كلّ واحد من من مُؤلّفاتك صديق عزيز عليّ، بل أراني تلميذة أفكارك في مواضع كثيرة"، ومع تبادل هذه المُراسلات المليئة بالإعجاب والإلهام الأدبيّ ولدت صداقتهما فحبّهما الذي خافا عليه فترة انقطاع البريد أثناء الحرب العالميّة الأولى من الاندثار،إلّا أنّهما عاودا الكتابة لبعضهما بعد انتهاء الحرب، حيث قام جبران بتحبير رسالة إلى ميّ بالإضافة إلى إرساله نسختين من كِتابيه (المجنون)، و(المواكب) لها.
تناول جبران خليل جبران خِطاباته ورسائل حبّه للأديبة مي زيادة ضمن كِتاب أسماه الشُّعلة الزّرقاء، وكان الكتاب يحمل سبع وثلاثين رسالة متنوّعة في مُفرداتها وكلماتها، التي جاءت معبرة عن أدب مي وجبران النّادريْن، ويلحظ القارئ من خلال هذه الرسائل تطوّر العلاقة بينهما، وانتقالها من طور التّحفظ إلى طور التّودّد، ومن الإعجاب إلى الصّداقة، وبعدها إلى الحبّ عام 1919م، بالإضافة إلى ما تحمله من حِوارات الحبّ وضَعفه أحياناً، ومفردات التّفاهم بينهما وعدمه أحياناً أخرى، فيما توحي بعض الحوارت بالقطيعة والجفاء، وأخرى تُشير إلى حالات الصلح التي عايشاها بعد ذلك، وفيما يلي بعض الاقتباسات التي أُخذت من هذه الرسائل:
كان لجبران خليل جبران آراءً خاصّة فيما يتعلّق بالحبّ، والزّواج، والذُّكورة والأنوثة، ويظهر ذلك جليّاً في كِتابه الأجنحة المُتكسرة الذي يُعدّ أكثر الكُتب التي تعكس مُعاناته الشّخصيّة، بالإضافة إلى نقد جبران في كِتابه للتّقاليد التي تُقيّد المرأة الشّرقيّة وذمّها، مِن خلال إبداعه في صياغة أفكاره التي يُريد إيصالها في هذا المضمار، والجدير بالذِّكر أنّ جبران يؤكّد على أهميّة المرأة في حياته سواء كانت أماً، أم أختً أم صديقة، حيث قال فيهنّ: "أنا مدينٌ بكلّ ما هو أنا إلى المرأة مُنذ كنت طفلاً حتّى السّاعة"، كما يُعلِّل جبران ذلك مُكملاً كلامه بأنّ المرأة عنده بمثابة النّوافذ والأبواب التي تُبصر روحه من خِلالها، كما يظهر اعتناؤه وتقديره لدور المرأة في كافّة مراحل حياتها في مُختلف كتاباته، ومِثال ذلك ما كتبه في إحدى رسائله إلى مي زيادة إذا قال لها أنّه لولا وُجود المرأة في حياته لما وُجِد جبران الذي أحبّته. وممّا يجب التّنويه له أنّ للمرأة حصّة كبيرة من الآثار الأدبيّة عند جبران، فها هو يعترف لماري هاسكل بأنّ حبّ المرأة كان حافزاً كبيراً له في نجاحه، ويكمل مُشيراً إلى أكثر الأشخاص تأثيراً في حياته، فيضع أمّه في المقام الأول، ثمّ ماري هاسكل نفسها، مُنتهياً بوالده الذي كان سبباً في سعيه وقِتاله لمّا كان يُحاربه، حيث اعتبر هذه الأشياء الثلاثة غاية منى أيّ إنسان، والطريق اللازم لإبداعه.
وللتعرّف حول المزيد من المعلومات حول جبران خليل جبران يمكنك قراءة مقال أين ولد جبران خليل جبران
مي زيادة هي علم من أعلام النّهضة الأدبيّة العربيّة، وهي شاعرة ذات أصل فلسطينيّ، وواحدة من أبرز روّاد الأدب العربيّ النّسويّ في نصف القرن العشرين الأول، وتجب الإشارة إلى أنّ اسمها الحقيقيّ هو ماري إلياس زيادة، إلّا أنّها عُرفت واشتهرت باسم مي زيادة، كما وُلدت الشّاعرة ماري عام 1886م في مدينة النّاصرة في فلسطين لأب لبنانيّ وأمّ فلسطينيّة، ويُذكر أنّ مي انتقلت مع والديها إلى مِصر حيث استقرت فيها بعد أن عمل والدها كمحرّر في جريدة المحروسة المصريّة، ويُشار إلى أنّ مي زيادة استطاعت أن تتقن العديد من الّلغات، كالإنجليزيّة، والفرنسيّة، والألمانيّة، والإسبانيّة، والإيطاليّة، والعربيّة، بالإضافة إلى اهتمامها بالعلوم الأخرى، فقد طالعت كتباً مختلفة في الأدب، والفلسفة، والتّاريخ العربيّ والإسلاميّ.
واكبت مي زيادة أجواء النهضة الثقافية والحضارية التي كانت تشهدها القاهرة في فترة شبابها، فشاركت بما كانت تلقيه من ندوات أسبوعيّة سُميت بندوات الثّلاثاء التي استقطبت العديد من الأدباء والشُّعراء والنُّقّاد البارزين في ذلك الوقت، حيث كان منهم: أحمد لُطفي السّيد، وأحمد شوقي، وعبّاس محمود العقّاد، وطه حسين، وشلبي شميل، وخليل مطران، ومُصطفى صادق الرافعي، وغيرهم من أهل الأدب، والجدير بالذِّكر أنّ العديد من هؤلاء الأدباء كانوا قد وقعوا في حبّ مي زيادة، إلّا أنّها لم تحمل في قلبها -طيلة حياتها- مشاعراً إلّا لجُبران خليل جُبران الذي بقيت على تواصل معه عبر الرّسائل مُدّة عشرين عاماً دون أيّ لقاء حقيقيّ واحد.
جبران خليل جبران هو شاعر وأديب لبنانيّ، وهو أحدُ أبرز الرّواد النّاهضين في الأدب العربيّ، كما يُعدّ من أعظم الأدباء الفنانين والقاصّين والرّمزيِّين كذلك، واسمه جُبران خليل بن ميخائيل بن سعد، والمولود عام 1883م في بلدة بشرى الواقعة في شمال لبنان لعائلة مارونية فقيرة، والجدير بالذِّكر أنّ الشاعر انتقل فترة طفولته عام 1895م مع عائلته إلى الولايات المُتّحدة، إلّا أنّ وباء السُّل الذي كان منتشراً حينها كان سبباً في فقدانه لعائلته كاملة، وهذا ما جعله يُقاسي مرارة فُقدهم على الصعيدين النفسي والماديّ، وقد بقي جبران على حاله هذه حتّى عرف السّيدة ماري هاسكل، والتي أعجبت بفنّه فاختارت أن تتبناه وتعطف عليه، وتمنحه من مالها، وتجب الإشارة إلى أنّ جبران كان قد تعلّم فنّ الرّسم في الولايات المُتّحدة، كما أخذ يدرسه بعمق أكثر عندما سافر إلى فرنسا لاحقاً.
لا يرتبط إبداع جبران بالفنّ، والقَصّ، والأدب فقط، بل ساعده ما كان يتميّز به من سمات عديدة كالخيال الواسع، والتّفكير العميق، والإنتاج الكبير على أن ينشئ مدرسة أدبية ذات طابع خاص، إذ تميّز الأدب فيها بالأسلوب البسيط السّهل الذي يدمج بين الجمال التّصويريّ والمشاعر الوجدانيّة، وانعكاس الطّبيعة وأثرها على هذا الأدب، وتميّز الأدب في هذه المدرسة أيضاً بالسّرد الرّمزيّ، وهو السّرد المبنيّ على تصوير المعنى المُراد مُحاطاً بغموض مقصود لإيجاد حالة من الإثارة في ذِهن المُتلقّي، وقد عمل جبران ومعه مجموعة من الأدباء من لبنان وسوريا على فكرة تجديد الأدب العربيّ؛ فقاموا بإنشاء ما أطلقوا عليه اسم الرابطة القلميّة، والتي دعوا من خِلاها إلى إخراج الأدب العربيّ ممّا كان عليه وتجديده، ومن هؤلاء الأدباء ميخائيل نعيمة، وعبد المسيح حدّاد، ونسيب عريضة، فيما كان موقع هذه الرّابطة التي أُسِّست فيه عام 1920م في بيت جُبران الذي انتُخِب بعدها عميداً لها.