English  

كتب john stuart mill

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

جون ستيوارت ميل (معلومة)


الملذَّات العليا والدنيا عند ستيوارت

بدأ جون ستيوارت ميل كبنثامي ولكن سرعان ما بدا واضحاً أنَّه هو الذي سيحمل لواء النفعية، ظهر كتاب ميل المُسمَّى "النفعية" (بالإنجليزية: Utilitarianism)‏ على شكل سلسلة من ثلاث مقالات في مجلة فريزر عام 1861 وطبعت لاحقاً في كتاب واحد عام 1863. رفض ميل القياس الكمي البحت للسعادة وقال:

«يتماشى مع مبدأ المنفعة أنَّ بعض أنواع المتع أكثر قيمة من غيرها ومرغوبة بشكل أكبر بكثير، وسيكون من السخف أنَّنا في الوقت الذي نعتمد في تقدير قيمة كل الأشياء الأخرى على النوع والكم مع بعضهما، أن نقدِّر قيمة السعادة والمتع اعتماداً على الكم وحده.»

استُخدِم مصطلح النفع ليعبِّر عن السعادة والرفاهية بشكل عام، في حين أنَّ وجهة نظر ميل أنَّ النفعية هي التي تعبِّر عن النواتج الجيدة للفعل وهكذا يمكن استخدام تعبير النفعيَّة الاجتماعية لوصف الأشخاص الذين يقومون بأفعال تحقِّق نتائج جيدة للمجتمع وتحقيق رفاهية لأكبر عدد من الناس، شرح ميل في كتابه مفهوم النفعية بشكل عام فبما أنَّ كل فرد يرغب في سعادته الخاصة فإنَّ ذلك يستلزم أنَّ جميع الأفراد يرغبون في تحقيق السعادة الجماعية والمساهمة فيها، ولذلك فإنَّ أفضل الأعمال هي تلك التي تحقِّق أكبر قدر من السعادة والفائدة للمجتمع بكلمات أخرى وكما قال جيريمي بنثام - مؤسِّس النفعيَّة المبكِّرة - إنَّ أعظم سعادة تكمن في أكبر عدد ممكن لا ينظر ميل للأفعال باعتبارها جزءاً جوهريَّاً من النفعيَّة فحسب بل كقاعدة لتوجيه السلوك الإنساني الأخلاقي، والقاعدة هنا أنَّه يجب علينا القيام بالأعمال التي تقدِّم السعادة للمجتمع ككل، هذه النظرة للمتعة على أنَّها أسمى مافي الحياة هي فلسفة اللذة وقد اعتمدت من قبل جيريمي بنثام ويمكن ملاحظتها بوضوح في أعماله.

وفقاً لميل فإنَّ الأفعال الجيدة هي التي ستؤدي للمتعة وليس هناك غاية أسمى من المتعة ويعتقد ميل أنَّ تحديد الأفعال الجيدة والأشخاص الجيِّدين يعتمد على تحقيق السعادة، إذاً لتحديد هل الإجراء جيد أم لا يجب أخذ مساهمة الشخص بخدمة وسعادة المجتمع، وكذلك يمكن اعتبار العمل الصالح هو أفضل دليل على حُسن الخلق على المدى الطويل ولايمكن اعتبار أي فعل أو إجراء جيد إذا كان ما ينتج عنه سيئاً. في الفصل الأخير من كتابه النفعية يستنتج ميل أنَّ تصنيف أفعالنا أنَّها عادلة أم لا هو أحد المتطلَّبات الأخلاقية الهامة وللقيام بذلك يجب أن يتمَّ تقييم أفعالنا وفق مقياس المنفعة الاجتماعية الذي وضعه ميل.

كما يعارض ميل - خلافاً لما يقوله منتقدوه – النظرية الإبيقوريَّة التي تقوم على مبدأ أنَّ قيمة المتع العقلية أقل من تلك القائمة على الأحاسيس فقط، ويقول إنَّ الملذَّات الفكريَّة عادةً ما ينظر إليها أنَّها ذات ميِّزات جذَّابة لأنَّها تملك قدراً أكبر من الاستمراريَّة والسلاسة والبقاء والمثال الذي يطرحه هنا : أنَّ بعض الملذَّات هي في جوهرها أفضل من غيرها.

القول بأنَّ مذهب المتعة هو ملائم فقط للحيوانات له تاريخ طويل، ففي الفصل الخامس من الجزء الأول من كتابه الشهير "الأخلاق النيقوماخية" يقول أرسطو: "إنَّ ربط الخير بالمتعة هو مناسبٌ لحياة الحيوانات أكثر منه للبشر، وفي حين أنَّ المؤمنين بالله من أنصار النفعيَّة يربطون الخير بإرادة الله يحتاج النفعيُّون غير المؤمنون إلى حجَّةٍ أخرى"، ومنهج ميل هنا هو التأكيد على أنَّ الملذَّات العقليَّة في جوهرها أفضل من الملذَّات الحسيَّة، يقول ميل :

«قلَّةٌ من البشر سيوافقون على تحويلهم إلى حيوانات أدنى من أجل الحصول على الملذَّات التي تحصل عليها الحيوانات، لا يوجد إنسان ذكي يقبل أن يكون أحمق ولا يوجد أيُّ شخص متعلِّم يرضى أن يكون جاهلاً ولا يمكن لأي إنسان يملك الأخلاق والضمير يقبل بأن يكون بلا أخلاق حتى ولو علم كلُّ هؤلاء أنَّ الغباء والحماقة والجهل والأنانيَّة ستجعلهم راضين وسعداء أكثر ... إنَّ وجود المَلَكات الفكريَّة العليا عند الإنسان تستوجب متطلَّبات أعلى لجعله سعيداً وستجعله يعاني أكثر وأطول من غيره، على الرغم من كلِّ هذه الصعوبات فهو لن يقبل النزول إلى ما يعتقد أنَّه درجة أقل من الوجود ... بمعنى آخر من الأفضل أن تكون إنساناً غير راضٍ بدلاً من حيوانٍ راضٍ، من الأفضل أن تكون سقراط مستاء بدلاً من أحمقٍ راضٍ، وإذا كان الأحمق أو الحيوان لهما رأيٌ مختلفٌ في ذلك فالسببُ أنَّهم ينظرون للقضيَّة من جهتهم فقط.»

ويجادل ميل أيضاً بأنَّه إذا أظهر الأشخاص الذين يتمتَّعون بالكفاءة تفضيلاً لفعلٍ ما رغم أنَّه سيؤدي لمعاناة أو سخط أكبر من الآخر ولن يحقِّق سعادةً أكثر فذلك لأنَّ السعادة المرتبطة به ستكون أفضل من حيث النوع والجودة وليس من حيث الكم والعدد، بالطبع يدرك ميل أنَّ بعض هؤلاء الأشخاص المتميِّزين لن يوافقوا على هذا دائماً ولكن في حالات الخلاف دوماً علينا أن نقبل بحكم الأكثريَّة.

كما يعتقد ميل أنَّ الأنشطة الفكريَّة لها قيمة أقل من مقدار القناعة أو السعادة التي تنتج عنها، ويدعو البشر للإقبال على هذه المُثل العقليَّة السامية والمداومة عليها لأنَّهم إذا اختاروا الاستمرار في التمتُّع بالملذَّات السطحية التافهة فإنَّ الملل والكآبة والاستياء هو الذي سيجنونه في نهاية المطاف. ويؤكِّد ميل هنا على أنَّ هذه المتع التافهة ستحقِّق سعادةً قصيرة الأجل والسعادة عابرة لذلك في نهاية المطاف سيشعر الفرد أنَّ حياته تفتقر لأي سعادة حقيقيَّة. وعلى عكس ذلك فالملذَّات الفكريَّة هي التي ستجلب السعادة على المدى الطويل وتوفِّر للفرد فرصاً دائمة لتحسين حياته. ويقول أيضاً أنَّ الأنشطة الفكريَّة وحدها هي التي ستسمح للإنسان بالوصول لمُثله العليا وتبعده عن حياة الكآبة المستمرِّة في حين لن تحقِّق الملذَّات السطحية التافهة ذلك.

دليل ميل لإثبات مبدأ النفعيَّة

في الفصل الرابع من كتابه "النفعيَّة" يقدِّم ميل ما يعتبره دليلاً لإثبات مبدأ النفعيَّة:

«الدليل الوحيد على أنَّ الشيء مرئي هو أنَّ الناس يرونه بالفعل، والدليل الوحيد على أنَّ الصوت مسموع هو أنَّ الناس يسمعونه، وبطريقة مشابهة فالدليل الوحيد الممكن إعطاؤه لإيضاح أنَّ أي شيء جذَّاب أو مرغوبٌ فيه هو أنَّ الناس بالفعل يرغبون به ... لا يمكننا أن نقدِّم أي دليل يؤكِّد أنَّ السعادة العامَّة مرغوبٌ فيها باستثناء معرفتنا أنَّ كلَّ شخص يرغب في تحقيق سعادته الخاصة، سعادة كلِّ شخص هي أمرٌ جيدٌ لهذا الشخص، وبالتالي فالسعادة العامَّة جيدة لمجموع كلِّ الأشخاص.»

قيل دائماً إنَّ ميل يرتكب عدداً من المغالطات المنطقيَّة. وهو متَّهمٌ بالمراوغة أحياناً لأنَّه يحاول استنتاج ما يجب على الناس فعله ممَّا يفعلونه في الواقع فهو ينتقل من حقيقة أنَّ شيئاً ما مرغوبٌ فيه من قِبل الأفراد إلى الإدِّعاء بأنَّه يجب أن يكون مرغوباً فيه، على كلِّ حال فحقيقة أنَّ الناس يرغبون في سعادتهم الخاصَّة لا يعني أنَّ جميع الأفراد سوف يرغبون في السعادة العامَّة، بدأت هذه الادعاءات تظهر في حياة ميل بعد فترة وجيزة من نشره لكتاب النفعيَّة واستمرت لأكثر من قرنٍ من الزمن على الرغم من أنَّ تحوُّلاً في ماهيَّة النقاش قد حصل أخيراً

يمكننا العثور على دفاعٍ مُسهب عن ميل ضدَّ الاتهامات الموجَّهة إليه في كتاب نسيب فكري أليكان المطبوع عام 1994: دفاعٌ عن دليل جون ستيوارت ميل الشهير، وربَّما يكون هو الكتاب الوحيد حول هذا الموضوع، رغم ذلك لا تزال المغالطات المزعومة في دليل ميل تجذب الانتباه وتأخذ حيِّزاً في مقالات المجلَّات وفصول الكتب حتى يومنا هذا.

لقد دافع كلٌّ من هول وبوب كين عن ميل ضدَّ هذه الاتهامات وأشاروا إلى أنَّه أكَّد في بداية الفصل الرابع من كتابه على أنَّ المسائل المتعلِّقة بالأهداف النهائيَّة لا تقبل الإثبات ووفقاً لهول وبوب كين فإنَّ كلَّ ما يرغب ميل في فعله هو جعل مبادئه مقبولة وبالتالي دفع الإنسان العاقل والصادق لقبول النفعيَّة.

وبعد أن زعم أنَّ الناس يفعلون ما يفعلونه رغبةً في الوصول للسعادة، على ميل الآن أن يثبت أنَّ السعادة هي الشيء الوحيد الذي يرغب فيه الناس أو هو الموجِّه الوحيد لتصرفاتهم، ويتوقَّع الاعتراض على أنَّ الناس يرغبون في أشياء أخرى مثل الفضيلة، ويرفض القول بأنَّ الناس قد يرغبون في الفضيلة كوسيلةٍ للسعادة لا أكثر، لأنَّه في نهاية المطاف قد تصبح الفضيلة جزءاً من سعادة شخصٍ ما وبالتالي يمكن اعتبار الفضيلة غايةً في حدِّ ذاتها مثلها مثل السعادة

«إنَّ مبدأ المنفعة لا يعني أيَّ متعة معيَّنة كالموسيقى مثلاً، أو أيَّ تقليلٍ للبؤس والألم كالصحة مثلاً، بل يجب النظر إليها كوسيلة لشيءٍ جماعيٍّ هو السعادة، والسعادة تكون مرغوبة في هذا السياق، والفضيلة وفقاً للعقيدة النفعيَّة هي وسيلةٌ وغاية في نفس الوقت، ليس بطبيعتها وأصلها ولكنَّها قادرة على أن تصبح كذلك، والأفراد الذين يحبون الفضيلة لم تعد بالنسبة لهم كوسيلةٍ للسعادة ولكن كجزء فعليٍّ من سعادتهم.»
«يمكننا أن نحصل على التفصيل الذي نرغب فيه، قد نعزوا الفضيلة إلى الفخر وهو الوصف الذي أحياناً يُعطى بشكلٍ اعتباطي لبعضٍ من أكثر المشاعر البشريَّة التي يمكن تقديرها، يمكننا أن نشير إلى الرغبة في الحريَّة والاستقلال الشخصي وهو النداء الذي حاول الرواقيُّون غرسه في الإنسان بكلِّ الوسائل، إلى حبِّ السلطة والنفوذ ربَّما، لكنَّني أعتقد أنَّ أكثر التسميات الملائمة له هو الإحساس بالكرامة التي يمتلكها جميع البشر بشكل أو بآخر.»
المصدر: wikipedia.org