English  

كتب jalaluddin akbar

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

جلال الدين أكبر (معلومة)


السُلطَانُ الأَعظَم والخَاقَانُ المُكرَّم سُلطانُ الإسلام(2) وكَافِت الأَنَام وَصَاحِب الزَّمان أَبُو الفَتح جَلَالُ الدِّين مُحمَّد أَكبَر پادشاه غازي بن مُحمَّد همايون بن مُحمَّد بابُر الگوركاني (بالفارسية: السُلطَانُ الأَعظَم والخَاقَانُ المُكرَّم سُلطانُ الإسلام وكَافِت الأَنَام وَصَاحِب الزَّمان ابوالفتح جَلَالُ الدِّين مُحمَّد اَكبَر پادشاه غازى بن مُحمَّد همايون بن مُحمَّد بابُر گورکانی، وبالأردية: السُلطَانُ الأَعظَم والخَاقَانُ المُكرَّم سُلطانُ الإسلام وكَافِت الأَنَام وَصَاحِب الزَّمان ابوالفتح جَلَالُ الدِّين مُحمَّد اَكبَر پادشاه غازى بن مُحمَّد ہمایوں غازى گورکانی) (7 رجب 949هـ - 30 جُمادى الأولى 1014هـ المُوافق فيه 15 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1542م - 13 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1605م) المعروف اختصارًا بِجلال الدين أكبر أو أكبر الكبير أو أكبر الأعظم، هو ثالث سلاطين دولة المغول الهندية الذين حكموا شبه القارة الهندية طيلة 300 عام، وقد حكم البلاد من سنة 963هـ المُوافقة لِسنة 1556م إلى سنة 1014هـ المُوافقة لِسنة 1605م.

وُلد أكبر سنة 949هـ المُوافقة لِسنة 1542م لِلسُلطان نصير الدين همايون وحميدة بانو بيگم، وتولَّى بعد وفاة أبيه وهو في الثالثة عشرة من عُمره، تحت إشراف ووصاية أتابكه بيرم خان، ولم يحكم البلاد فعليًّا إلَّا سنة 1562م، بعد أن قضى على مُربِّيه الذي تلاعب به خِلال سنيّ حداثته. يُعدُّ أكبر أعظم مُلُوك الهند في العصر الوسيط على الإطلاق، فقد حكم حوالي خمسين عامًا، أسهم خلالها بِجُهُوده الكبيرة في نهضة البلاد، وجعل الدولة المغوليَّة الهنديَّة إحدى أفضل وأقوى الدُول في العالم آنذاك. كان مُنفتحًا سياسيًّا ودينيًّا، بعيد النظر، أضاف فصلًا جديدًا في تاريخ الهند، أوتي من القُوَّة البدنيَّة وقُوَّة الاحتمال، ومن النشاط والشجاعة الشيء الكثير بِحيث أصبح مفزعة الشرق كُلِّه، ومما يُروى عنهُ أنَّهُ كان يُروِّض أشد الفيلة شراسة وهو ابن أربع عشرة سنة، وحدث أن تمرَّدت إحدى القُرى ضدَّه فأسرع يُهاجمها على ظهر فيله، ولم يُبالِ بِالنبال المُنهالة عليه والتي راحت تتكسَّر على درعه، ثُمَّ اندفع بِفيله مُخترقًا الحواجز ودخل البلدة وأحرقها. أمَّا هيئته الخارجيَّة، فقد وُصف أنَّه كان مربوعًا، عريض المنكبين، أعقف الساقين، تقدح عيناه نارًا، لهُ شاربان خفيفان وصوتٌ جهوريّ، حنطيّ اللون، وكان له من الهيبة والوقار والرصانة ما يجعل المرء الذي يراه يُدرك أنَّهُ أمام ملك. اتصف أكبر بِالطيبة واللُطف على الإجمال، وكان يمتلك زمام أمره ويُخفي سريرته، أمَّا إذا استشاط غيظًا وغضبًا، أنزل الرُعب في القُلُوب. كان أكبر أُميًّا يجهل القراءة والكتابة، وعلى الرُغم من ذلك فإنَّهُ استمع إلى قصص وحكاياتٍ كثيرة، وأُوتي ذاكرةً هائلة، فكان يحفظ جيدًا أسماء شُعراء الإسلام ومُؤرِّخيهم، كما ألمَّ بِتعاليم الإنجيل والعقائد الرئيسيَّة في الديانة المسيحيَّة، ومبادئ الهندوسيَّة والمجوسيَّة، وكان يُجادل ويُناقش عن معرفة، بِدقَّة واستبانة. عُرف بِذكائه الفطري الواسع وبِمنطقه السليم، ونظر إلى الأُمُور من فوق، لكنَّ روح البداوة بقيت مُجيَّشة فيه. أدرك جيدًا ما فات أبيه همايون وجدِّه بابُر، وكانت لهُ نظرة شاملة وفكرة عالية عن السياسة والدولة، ووقف على الظُرُوف التي تمَّت فيها الغلبة لِلمغول وساعدت على ترسيخ دولتهم.

اعتنى أكبر بِجُيُوش دولته وتجيزها وتدريبها لِينهض على الوجه الأكمل بِالحُرُوب التي تحتَّم عليه خوضها، وقد أدرك جيِّدًا فلسفة التكتيك العسكري القائلة: «إن لم تُبادر بِالهُجُوم، استُهدفت له، وتعرَّضت لهُ بِأسرع ممَّا تظن». حارب طوال حياته المديدة مُجاهدًا من أقصى الهند إلى أقصاها، فغزا الگُجرات وسورت وأفغان البنغال ومملكة أوريسَّة وسلطنة أحمد نگر، ثُمَّ انكفأ لِيُخمد ثورة الراجپوتيين وثورة البنغاليين والبيهاريين والثورة التي قام بها التيموريُّون، كما ردَّ الهجمات والتعدِّيات التي تعرَّضت لها بلاده من قِبل الأوزبك، وأعاد فتح كابُل، وضمَّ إلى مُمتلكاته كشمير، حتَّى صُنِّف من بين أعظم الفاتحين في تاريخ الهند والعالم الإسلامي، وعدَّه المُؤرِّخون الهُنُود أعظم عاهلٍ عرفته الهند مُنذُ أيَّام أشوكا، حامي البُوذيَّة ومُوحِّد الهند، ووضعوه في مصاف أعاظم المُلُوك الذين عرفهم العالم في عصره. تمتَّعت الهند باقتصادٍ متينٍ قويٍّ في عهد أكبر، وعرفت حياةً ثقافيَّةً مُزدهرةً ونشطة كان أكبر راعيها، وعلى الرُغم من كونه أُميًّا، إلَّا أنَّهُ أسَّس مكتبةً ضخمةً ضمَّت حوالي 24,000 مُجلَّد بِاللُغات السنسكريتيَّة والفارسيَّة والعربيَّة والروميَّة واللاتينيَّة والكشميريَّة، وعهد بإدارتها إلى عشرات المُؤلِّفين والمُترجمين والفنَّانين والخطَّاطين، كما أنشأ مكتبةً خاصَّة بِالنساء في مدينة فاتح پور، وأنشأ المدارس في طول البلاد وعرضها لِتعليم المُسلمين والهندوس. كان أكبر مُسلمًا سُنيًّا في بداية حياته، ثُمَّ ابتكر دينًا جديدًا سمَّاه الدين الإلٰهي، وهو عبارة عن مزيجٍ من المُعتقدات الإسلاميَّة والهندوسيَّة وبعض المسيحيَّة والمجوسيَّة، وأمر حاشيته وأتباعه باعتناقه، ويُحتمل أنَّ ما حمله على ذلك كان التناقضات الدينيَّة الكبيرة الموجودة بِالهند ورغبته بِلم شمل شعبه تحت رايةٍ دينيَّةٍ واحدة، على أنَّ أغلب الناس التي اعتنقت الدين الجديد عادت ونبذته بِمُجرَّد وفاة أكبر.

حياته قبل السلطنة

وُلد أكبر يوم 7 رجب 949هـ المُوافق فيه 15 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 1542م، في قلعة «عُمركوت» بِالسند، لِلسُلطان نصير الدين همايون وحمیدة بانو بيگم، ابنة الشيخ علي أكبر الجامي، وقيل أنَّ ولادته كانت في شهر ربيعٍ الأوَّل المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) من السنتين سالِفتا الذكر، في ذات القلعة المذكورة، حيثُ حلَّ همايون وزوجته ضيفان على حاكمها الهندوسي «رانا پراساد الراجپوتي». وكان همايون آنذاك طريدًا هائمًا يطوُفُ بِالسند بعد أن هزمه شير شاه الأفغاني مؤسس سلطنة آل سور، في «معركة قنوج» سنة 947هـ الموافقة لسنة 1540م وأخرجه من الهند كُلِّها، وتنكَّر لهُ إخوته وامتنعوا عن مساعدته، وتخلَّى عنه مُعظم رجاله، فأصابه اليأس لولا أن استقبله صاحب عُمركوت، ثُمَّ بُشِّر بِولادة ابنه، فإذا به يتحوَّل إلى مُقاتلٍ على أعلى مُستويات الصلابة والعُنف بعد أن أعطته ولادة هذا الطفل داغعًا عظيمًا، وأقسم لِيُقاتل ويُقاتل حتَّى يُعيد بناء مُلكٍ جديرٍ به ليرثه ابنه من بعده، فخاض حُرُوبًا ومعارك دامية عديدة، ولكنَّهُ خسرها الواحدة تلو الأُخرى، فعاد وخرج من عُمركوت وسار بِأُسرته حتَّى وصلوا إلى قندهار التي كانت تحت حُكم أخيه كامران ميرزا، ولمَّا علِم بِأنَّ الأخير يُريد القبض عليه والفتك به فرَّ بِنفسه إلى الدولة الصفويَّة بِإيران، واضطرَّ إلى ترك ابنه أكبر يقع في قبضة عمِّه (أي أخ همايون) عسكري ميرزا، لكنَّ الأخير كان كريمًا نحو ابن أخيه، فلم يُصبه بِسُوء.

تربَّى أكبر في بلاط عمِّه كامران طيلة فترة غياب والده في إيران، وحظي بِرعاية وعطف زوجة عمَّه بِشكلٍ خاص، وأمضى سنوات صغره يتعلَّم الصيد والجري والقتال، ممَّا جعلهُ مُحاربًا قديرًا، غير أنَّهُ لم يتعلََّم القراءة والكتابة، فعاش سنوات الفُتُوَّة الأولى مع السيف والخيل وألعاب الفُرُوسيَّة، مُعرضًا كُلَّ الإعراض عن آداب العصر، وعن أساليب الحُكم والإدارة، غير أنَّهُ كان يُحضر إلى مخدعه ليلًا من يقرأ له قصص وأخبار تاريخ الإسلام والمُسلمين. وفي يوم 22 ذي القعدة 958هـ المُوافق فيه 20 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1551م، قُتل هندال ميرزا، الشقيق الأصغر لِهمايون، في معركةٍ ضدَّ قُوَّات أخيه كامران، فحزن همايون على مقتل أخيه حُزنًا شديدًا، وفي سبيل تكريم ذكراه، خطب ابنته رُقيَّة سُلطان بيگم لابنه أكبر، وتمَّت مراسم الخِطبة في مدينة كابُل بُعيد وقتٍ قصيرٍ من تعيين أكبر نائبًا لِلسلطنة في غزنة. منح همايون ابنه وخطيبته كُل ثروة عمِّه هندال بِالإضافة لِجُنُوده وأتباعه، وخصَّهُ بِإحدى إقطاعاته لِتدُرَّ عليه مالًا، وعيَّنه قائدًا على عساكر هندال. احتُفل بِزواج أكبر ورُقيَّة في مدينة جالندهر بِالپُنجاب ما أن بلغ كِلاهما الرابعة عشرة من العُمر، فأصبحت رُقيَّة بِهذا أولى زوجات أكبر وقرينته الرئيسيَّة.

لم يهدأ همايون، وأصرَّ أن يُتابع الحرب والقتال، فكان يجمع القليل من القُوَّات من هُنا ومن هُناك، ولكنَّهُ كان مُصممًا على أن يصل إلى هدفه، وأن يستعيد ابنه ويبني لهُ مُلكًا. وبعد جُهدٍ مُتطاول استطاع أن يُسيطر على قندهار وكابُل سنة 1555م، وهُناك اجتمع همايون وزوجته حميدة بابنهما أكبر، بعد طول فراقٍ وعناء. ولمَّا تمَّ لهمايون النصر على خُلفاء شير شاه واستعاد مُلكهُ بِالهند، عيَّن ابنه حاكمًا على الپُنجاب ومعهُ بيرم خان مُستشارًا له ومُوجهًا. التفت همايون بعد ذلك إلى ابنه لِيُربيه، ولِيُعدُّه كي يحكُم من بعده، فأحضر لهُ أهم الأستاذة والعُلماء، وأشهر المُربين قُدرةً على تعليم الصبية والفتيان، ولكنَّهم وجدوا أنفسهم أمام فتىً على غير ما ألفوه من الصبية والفتيان، فكان ذهنه أبعد ما يكون عن الدرس عكس الكثير من الفتيان الذين - وإن عاندوا - كانوا يُحصِّلون شيئًا من العِلم بعد فترة، أمَّا أكبر فكان صلبًا عنيدًا بحيثُ استنفذ طاقة أساتذته، ففشلوا حتَّى في تعليمه مُجرَّد القراءة والكتابة. كُلِّف أكبر من طرف والده - قُبيل وفاته بِفترةٍ قصيرة - بِمطاردة الأمير إسكندر شاه السوري، سُلطان دلهي وأحد خُلفاء شير شاه الذي هزمه همايون وأجبره على الالتجاء إلى جبال الپُنجاب، فسيطر على مدينة «كلانور» وأخذ يجمع الرجال والأموال لِيُهاجم مُمتلكات المغول مُجددًا، لِذلك أرسل همايون ابنه ومُستشاره بيرم خان لِقمع هذا الثائر والقضاء عليه قبل استفحال خطره.

مُبايعة أكبر بِعرش المغول

في شهر ربيع الأول سنة 963هـ المُوافق فيه شهر كانون الثاني (يناير) سنة 1556م توفي نصير الدين همايون والد جلال الدين أكبر، وذلك بعد أن انزلقت به عصاه وهو يصعد درج مكتبته في دلهي فوقع مغشيًا عليه، وتوفي بعد ذلك. وما إن وصلت أخبار وفاة همايون إلى ابنه أكبر وهو في «كلانور» بالپنجاب يطارد الثائر «إسكندر السوري»، وبعد إقامة شعائر الحزن، بادر أتابكه وصاحب أبيه الحميم (والذي رافق أكبر لمساعدته) «بيرم خان» إلى المناداة به سلطانًا على الهند باسم «جلال الدين مُحمَّد أكبر»، ولم يكن يتجاوز إذ ذاك الرابعة عشرة من عمره، وقد كان ذلك في يوم الجُمُعة 2 ربيع الأوَّل 963هـ الموافق فيه 14 آذار (مارس) 1556م. ولصغر سن أكبر قام أتابكه بيرم خان بالوصاية عليه والنيابة عنه في تدبير أمور السلطنة، وقد استمرت فترة الوصاية حتى سنة 967هـ المُوافقة لِسنة 1560م. ويُقسِّم المُؤرِّخون مُدَّة حُكم أكبر إلى ثلاث مراحل زمنيَّة: الأولى هي التي كان الحُكم الفعلي فيها بِيد أتابكه بيرم خان، والثانية هي التي حاولت فيها بعض نساء القصر فرض إراداتهنَّ وإملاء رغباتهنَّ على السُلطان الشاب، وذلك بعد أن نجحن، من واقع الدسائس والمُؤامرات والخِداع، في إبعاد بيرم خان بِحُجَّة تشيُّعه؛ والثالثة التي انفرد فيها أكبر بِشُؤون الحُكم، وتُعدُّ الأطول بِوصفها امتدَّت بين سنتيّ 969 و1013هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 1562 و1605م، والأزهى في تاريخ المُسلمين في الهند. ويُمكن تقسيم مُدَّة حُكم أكبر التوسُّعيَّة إلى ثلاث مراحل زمنيَّة أيضًا: الأولى التي بسط خلالها سُلطانهُ على الهند كُلِّها، وتُغطِّي المُدَّة الزمنيَّة بين سنتيّ 965 و983هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 1558 و1576م؛ والثانية التي أتمَّ خلالها تأمين الحُدُود الشماليَّة الغربيَّة ومناطقها، التي تُعد أخطر أبواب الهند، وتُغطِّي المُدَّة الزمنيَّة بين سنتيّ 988 و1004هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 1580 و1596م؛ والثالثة التي بدأ فيها يتوغَّل في بلاد الدكن حتَّى تمَّ لهُ إخضاع مُعظمها، وتُغطِّي المُدَّة الزمنيَّة بين سنتيّ 1006 و1009هـ المُوافقة لِما بين سنتيّ 1598 و1601م.

سلطنته في ظل بيرم خان

الأوضاع السياسيَّة في الهند عشيَّة اعتلاء أكبر العرش

لم يعش نصير الدين همايون طويلًا بعد أن استعاد الحكم، فورث أكبر عن والده حكم بلاد تسودها الاضطرابات، كما انتشرت المجاعات والأمراض في أنحائها، فقد كانت الأجزاء الشمالية من الهند بما فيها دلهي وأغرة قد ضربها الطاعون الذي أودى بحياة الكثير من الناس. وكان عرش دلهي كان قد أصبح كالكرة تتداولها أيدي الأفغان والمغول، ولم تعد السلطنة إلا تعبيرًا جغرافيًا أو مجموعة من الولايات.

كما غدت السيادة على الإقليم الشمالي الغربي من الهند موضع نزاع بين أمراء أسرة سور الأفغانية «إسكندر شاه السوري» و«محمد عادل شاه السوري»، فقد جمع إسكندر شاه جيشًا كبيرًا في الپنجاب وبدأ يتحفز للانقضاض على دلهي وأغرة واسترداد الأراضي التي أخرجه نصير الدين همايون منها، وأما مُحمَّد عادل شاه فقد تراجع إلى الأقاليم الشرقية واستقر في چنار وأخذ يعمل على توسيع نفوذه هناك، وفي نفس الوقت بعث قائده الهندوسي «هيمو البقال» على رأس قوات كثيفة فأحرز لنفسه بطولة فائقة بانتصاره في أكثر من اثنتين وعشرين معركة، ثم توقف بقواته بالقرب من أغرة بعد ذلك في مرتقبًا الفرصة المواتية لاستردادها من جديد.

لم تكن أسرة سوري وحدها من تهدد سلطان أكبر بالهند، حيث تعرض كذلك لتهديد أخيه «محمد حكيم ميرزا » الذي أعلن استقلاله بكابُل، ثم أخذ بعد ذلك يتطلع ببصره إلى أرض الأرض نفسها والجلوس على عرشها. وقد كانت كابُل طريق تعد أرض الرجعة للسلاطين المسلمين بالهند، وطريق الإمدادات التي كانت تمدهم بمحاربي بلاد ما وراء النهر.

وكانت ولايات السند والمُلتان وكشمير قد انفصلت عن سلطان دلهي بدورها لسنين خلت، في حين راح الأمراء الراجپوتيون يغتنمون ما أتاحه لهم اضطراب الأحوال من فرص لاستعادة الكثير من سلطانهم القديم ونفوذهم الذي فقدوه أثناء حكم ظهير الدين بابر واستعادوا سيطرتهم على قلاعهم «ميوار » و«جيسلمير» و«بوندي (الهند) » و«جُدهفور». واستردت «مالوة» و«سلطنة الگُجرات» استقلالهما بعد أن نقضتا الحلف الذي كان بينهما وبين الحكومة المركزية أثناء حكم محمد تغلق. وكانت «أوريسَّة» و«گوندوانة» مستقلتين. وثبت أمراء الدكن المسلمون أقدامهم في بلادهم من جديد، في «خاندش » و«برار » و«بيدر» و«أحمد نگر» و«بيجافور» و«گُلكُندة». وكان الأمراء الهنادكة أصحاب «إمارة ڤيايانگر» في الجنوب يجهدون في المحافظة على استقلالهم من اعتداءات جيرانهم المسلمين أمراء الدكن. وكان الپُرتغاليون بدورهم يقيمون في حصونهم القوية في «گووه» و«ديوا» على شاطئ الهند الغربي بعد أن خاضوا معارك عنيفة ضد سلاطين الگجرات المسلمين وأعوانهم من سلاطين المماليك والعثمانيين.

الصراع مع هيمو البقَّال ومعركة پاني پت الثانية

    توجه أكبر بعد ذلك إلى فتح «ميوار » والتي كانت تحت حكم الأمير الهندوسي «أودايسينگه الثاني »، وقد كان هذا الأخير ينظر إلى أكبر على أنه عدو أجنبي، ورفض الخضوع له، كما أنه كان يأوي عنده فريقًا من الثائرين على الدولة المغولية، أمثال «بهادر خان» أمير مالوة السابق، فضلًا عما كان يسديه من العون ويبذله من التعضيد لأبناء عمومة أكبر الطامعين في ملكه. يضاف إلى ذلك فإن لميوار أهمية اقتصادية وسياسية بالغة، فهي تتحكم بالطريق التجاري من شمال الهند حتى شاطئ الگُجرات، ولم يكن من المعقول أن يترك أكبر حصون هذا الإقليم وقلاعه القوية تشرف على حدود دولته، وهو يعمل لتكوين دولة هندية موحدة، وستبقى سيطرته على شمال الهند مزعزعة.

    وفي يوم 16 ربيع الآخر 975هـ الموافق فيه يوم 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1567م هاجم أكبر وحاصر «حصن چتور »، والذي يعد أمنع معاقل الراجپوتيين جميعًا، إذ كان يقوم على سلسلة من الاستحكامات القوية الممتدة لمسافة ثمانية أميال على نتوء صخري وارتفاع شاهق. وتلقى أودايسينگه نصيحة من قادته العسكريين بالخروج إلى التلال المجاورة حرصًا على حياته، ونظم قبل خروجه حركة المقاومة، فعين القائدين «جاي مال » و«بتا» للدفاع عن الحصن، فأبديا ضروبًا من البسالة حالت دون اقتحام أكبر للحصن. وبعد خمسة أشهر من الحصار والضرب المتواصل، أصيب جاي مال برصاصة أطلقها عليه أكبر وهو يُشرف على ترميم أسوار الحصن، وسرعان ما توفي متأثرًا بجروحه، وبعد أن رأى السكان من النساء والشيوخ أن زمام الأمر يفلت من أيديهم، دب الذعر والخوف في نفوسهم، فعمدوا إلى قتل أنفسهم بأيديهم، فمنهم من جرع السم، ومنهم من عرض نفسه على نيران المواقد. وقرر المقاتلون الخروج من الحصن والاشتباك مع الجيش المغولي، وجرى بين الطرفين قتال ضار ووحشي فنيت فيه غالب الحامية الراجپوتية. ودخل أكبر الحصن، وتشير بعض الروايات أن أكبر أجرى فيه مذبحة مروعة بمن بقي على قيد الحياة.

    هكذا نجح المغول في فتح عاصمة ميوار وحصنها چتور، لكن القسم الأكبر من الإمارة استمر تحت حكم أودايسينگه الثاني حتى وفاته في سنة 980هـ الموافقة لسنة 1572م، فخلفه ابنه المتشدد المهرانا پرتاپ الذي كان يرى في توثيق العلاقات بين الأمراء الراجپوتيين وسلطان المغول خطرًا شديدًا قد يؤدي إلى القضاء التام على أمجاد بني جنسهم، وما بذله أسلافهم من تضحيات دفاعًا عن شرف عنصرهم، فنصب نفسه للدفاع عن تراث الهندوس وماضيهم. وقد بذل أكبر في نفس الوقت جهودًا لاستقطابه، إلا أنه اضطر أخيرًا إلى استعمال القوة لإخضاعه، فأرسل من أجل ذلك جيشًا كبيرًا في سنة 984هـ الموافقة لسنة 1576م بقيادة «مانسينگه الأول » و«آصف خان»، اشتبك مع قوات المهرانا پرتاپ في «معركة هالدي غاتي » في 21 ربيع الأول الموافق فيه 18 حزيران (يونيو) وانتهى هذا الاشتباك بانتصار القوات المغولية. وتعرضت حياة المهرانا پرتاپ للخطر أثناء القتال، ولم ينقذه إلا استعمال الحيلة، إذ أقدم أحد الأمراء بجانبه على انتزاع التاج الملكي من على رأس پرتاپ ووضعه على رأسه، فحاصره المغول معتقدين أنه الأمير الحاكم، الأمر الذي أتاح للمهرانا پرتاپ الفرار من أرض المعركة والنجاة بنفسه. وفتح

    المصدر: wikipedia.org