اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
المد الإيراني، مصطلح سياسي ظهر فعلياً إلى حيز الوجود بعد الثورة الإيرانية عام 1979.. حيث تميزت هذه الثورة، بوصول رجال الدين المحافظين إلى السلطة في إيران، وإزالة نظام الشاه.
اتبع القادمون الجدد بعد توليهم السلطة، سياسة تصدير الثورة إلى خارج حدود الدولة الإيرانية عن طريق استنهاض الروح الطائفية عند شيعة العراق والبحرين، بالإضافة إلى الأقليات الشيعية في باقي دول الخليج العربي، واليمن، والترويج إلى فكرة أن الطائفة هي الأساس، وليس القومية التي يتبعونها، والدعوة إلى ولاية الفقيه، وحفز ولائهم لإيران بطريقة غير مباشرة، وهي كون إيران الدولة الإسلامية الشيعية الوحيدة، والاستفادة من التضييق والاضطهاد الذي يتعرض له الشيعة في عدة دول عربية.
شغل المشروع الإيراني، مفكري الأمة العربية والإسلامية، منذ صرح الخميني بعيد انتصاره ثورته على الشاه ونظامه، حيث قال بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لانتصار ثورته عام 1980م: (إننا نعمل على تصدير ثورتنا إلى مختلف أنحاء العالَم).
فعقيدة تصدير الثورة، نابعة من العقيدة الشيعية الإمامية، التي تعتبر أهل السنة (نواصب - كفاراً) ينبغي قتالهم وقَتلهم، أو تغيير دينهم إلى الشيعة الإمامية.
وعندما نشبت الحرب بين العراق ، وإيران، توقف مشروع تصدير (الثورة الخمينية) مدة من الزمن، ولكن خليفة الخميني وأركان نظامه، لم ينسوا تصريح إمامهم، بل بذلوا جهودهم في بلورة مشروعهم، وقدموا أقصى ما لديهم من إمكانات مادية ودينية من أجل غزو الوطن العربي، والعالم الإسلامي بذلك المشروع.
بدأ النظام الإيراني نشاطه الذي أطلق عليه تعبير "تصدير الثورة" بتشكيل خلايا داخل تلك الدول، لإحداث البلبلة فيها والاستفادة من البعد الطائفي ما أمكن، لتحقيق المرامي السياسية، والذي يصفه البعض بإحياء أمجاد الدولة الصفوية المبنية أساساً التفوق العرقي الفارسي على العربي.
كانت الحرب الإيرانية العرقية واحدة من أهم نتائج تصدير الثورة والتي اعتبرها العراق تخريبا خطيرا لبنيته الاجتماعية، لما في المد الإيراني من بعد طائفي خطير، أظهر على السطح ظواهر لم تعرفها المجتمعات العربية قبلاً، كتعبير (السني والشيعي) وانتشار أفكار دينية جديدة، ذات طابع قومي فارسي حتى لدى الشيعة العرب.
لم يكن للمد الإيراني أثر قوي في عهد الرئيس العراقي صدام حسين، حيث أن عراق صدام، شكلت عملياً جداراً قوياً في طريق هذا المد.
إلا أن هذا لم يمنع إيران، من الوصول إلى مناطق داخل العمق العربي، عن طريق إنشاء ما يسمى حزب الله في لبنان، وسيطرة مريديها على سياسة هذا الحزب، وبروز الخلل الطائفي بين المسلمين في لبنان، بعد أن كانت معدومة تماماً.
واستمرت أيضاً في دعم أحزاباً شيعية بحته، تنادي بسيادة الطائفة الشيعية كحزب الدعوة في العراق، و حزب الله الحجاز في السعودية، والذي يعمل كذراع إيران في المنطقة الشرقية، بالإضافة إلى إثارة القلاقل الطائفية داخل البحرين والكويت.
ظل هذا النشاط محدوداً حتى العام 1990 الذي دخل فيه العراق الكويت و بدأ عملية عاصفة الصحراء مما أثر على البنية العسكرية العراقية بشكل كبير، ثم فرض حصار اقتصادي شديد، أضعف من قدرات العراق في مواجهة المد الإيراني.
لاشك أن لإيران اهداف ومصالح استراتيجية في المنطقة بشكل عام وفي العراق على نحو خاص، باعتبار كون العراق المنافس التقليدي لإيران في المنطقة وحائط الصد الذي لعب أدواراً مهمة في السابق للتصدي للتغلغل الإيراني في الخليج وفي دوائر الامن القومي العربي، وذلك ضمن مشروع استراتيجي ايرانى، له من المحددات والاهداف والادوات ما يساعده على تحقيق اهدافه
مع الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003، وما أحدثه من تغيير في المعادلة السياسية الداخلية في العراق، لصالح القوى الشيعية وعلى حساب السنة التي ظلت لعقود طويلة، المتحكم الأساسي في الأوضاع السياسية في العراق، وما ارتبط بذلك من فتح المجال العراقي لدخول قوى اقليمية عديدة، على رأسها إيران، تحاول تحقيق اجنداتها الخاصة مستعينة في سبيل تحقيق ذلك، ببعض الكتل العراقية الجديدة التي تعاظم دورها بعد اسقاط نظام صدام حسين
ويمكن القول، أن حدوث الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كانت نقطة تحول جديدة في التوجهات الإيرانية نحو دول الجوار بشكل عام ونحو العراق علي نحو خاص، من خلال مبدأ تصدير الثورة والتأكيد علي فارسية الخليج، وما تبع ذلك من مرحلة جديدة من مراحل الصراع الإيراني علي العراق والذي وصل الي أشده في الفترة من 1980-1988
هذه الفترة من فترات الصراع كانت بداية لتأسيس بعض الادوات الإيرانية، من خلال مؤسسات سياسية وعسكرية للتحرك لتنفيذ اهداف الثورة، والعمل علي تصديرها الي العراق وباقي دول الخليج من خلال قلب أنظمة الحكم وتشكيل أنطمة جديدة تدور في فلك إيران وتدين بالولاء والطاعة لسلطة الولي الفقيهه، وفي هذا الإطار تم تأسيس ما يعرف بالحرس الثوري الإيراني وفيلق بدر واللذان لعبا دوراً مهماً في إدارة الصراع الإيراني مع العراق خاصة بعد عام 1991 من خلال إدخال الالاف من المنتمين الي الحرس الثوري الي العراق، ومحاولة تجنيد بعض العراقيين للعمل في فيلق بدر وغيره في محافظات البصرة وميسان وواسط وذي قار، وهذه العناصر استطاعت أن تقوم بعدد كبير من العمليات العسكرية كالقتل وتخريب الدوائر الحكومية
ومما لاشك فيه أن الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 وما تبعه من تداعيات علي هيكل وبنية الدولة العراقية، قد أفسح المجال للحركة الإيرانية في العراق علي نحو غير مسبوق مقارنة بكل الفترات السابقة للاحتلال.
يمثل العراق قلب الاستراتيجية الإيرانية ومحور الحركة الإيرانية الخارجية لأسباب كثيرة أهمها ما يلي:
ولتحقيق إيران لاستراتيجيتها في الخليج العربي، وخصوصا العراق، استخدمت عدة ادوات في العراق اهمها احتواء شيعة العراق عن طريق:
حيث انهارت مؤسسات الدولة بالكامل، والتي تعاونت مع أمريكا وحليفته بريطانيا حتى بعد الاحتلال وسقوط بغداد، كمثل جيش المهدي وفيلق بدر وقوات المغاوير في وزارة الداخلية التي كان يشرف عليها بيان جبر صولاغ والتي هي عناصر أصلاً من قوات بدر انطوت في صفوف الشرطة.
وفي الحقيقة تشير الكثير من المصادر أن التعاون الأمريكي الإيراني بدا في مرحلة مبكرة مع رجال الثورة الإيرانية وقبل قيامها، وفي نهاية الأمر جميع الدبلوماسيين تم الإفراج عنهم. وعلى جميع الأحوال فان حقيقة الدعم الأمريكي الإسرائيلي لإيران خلال الحرب ضد العراق لا يمكن إخفائها بعد كشف ما سمي إيران جايت أو إيران - كونترا إبان رئاسة رونالد ريجان. وبالنسبة للسياسة الأمريكية فأن وصول قيادة ذات أفكار دينية وقومية متطرفة تجاه العرب في إيران يخدم المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط أكثر من نظام علماني ليس له توجهات عدائية تجاه العرب كنظام الشاه.
فالإشارات العدائية الإيرانية تجاة العرب بدأت مبكراً حين وجه خميني رسالة تهديد لحاكم البحرين الأمير عيسى بن سلمان آل خليفة يتهمه فيه بإساءة معاملة شعبة، ويقصد بذلك الشيعة منهم، الأمر الذي أثار غضب الرئيس العراقي صدام حسين الذي اعتبره تدخلاً سافراً في شؤون البحرين لا يمكن قبوله، وكان ذلك بداية الحرب الباردة بين البلدين تحول إلى حرب مدمرة استمرت ثمانية سنوات.
يمكن القول أن فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق كانت فترة التطبيق العملي لكافة الاهداف والاستراتيجيات التي رسمها قادة الفكر في إيران وقادة صنع القرار بخصوص تصدير الثورة والسيطرة علي العراق، حيث استطاعت إيران خلال هذه المرحلة ومن خلال الطابور الخامس الإيراني والمشكل من إيرانيين متواجدين في العراق بصورة شرعية وغير شرعية، ومن عراقيين موالين لها، ومن المنظمات المسلحة مثل فيلق القدس وفيلق بدر، بالإضافة الي عدد كبير من المنظمات العاملة في مجالات مختلفة
لقد لعبت الحكومة الإيرانية دوراً محوريا في الإعداد لغزو العراق بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة رغم الخلافات المعلنة بين واشنطن وطهران بشأن العديد من القضايا الإقليمية والتسليحية والسياسية ومنها اتهام واشنطن للحكومة الإيرانية بدعم الإرهاب والسعي لامتلاك أسلحة الدمار الشامل والأطماع الإقليمية، غير أن إيران وجدت في الحملة الأمريكية لتغيير نظام حكم الرئيس صدام حسين تحقيقا لهدف مركزي في السياسة الإيرانية حدده الزعيم الإيراني الراحل الخميني الذي قال انه تجرع السم بقبوله قرار مجلس الأمن لإنهاء حرب السنوات الثماني مع العراق عام 1988 الذي يحتفل به العراقيون انتصارا على إيران، فقد سمحت إيران بمشاركة فصيل معارضة رئيسي مقره العاصمة الإيرانية، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بقيادة عائلة الحكيم، كانت قد شكلته المخابرات الإيرانية عام 1982 وقدمت له الدعم المالي والعسكري والسياسي، بل أن طهران استضافت لقاءات بين قادة الأكراد العراقيين، مسعود البارزاني وجلال الطالباني ورئيس المؤتمر الوطني العراقي احمد الجلبي مع قادة المجلس الأعلى محمد باقر الحكيم وشقيقه عبد العزيز الحكيم الذي شارك في الاجتماعات الرباعية والسداسية مع الإدارة الأمريكية والمخابرات الأمريكية عامي 2002 و2003 في واشنطن وبريطانيا للتخطيط والاتفاق على الأدوار والمهام الموكلة لكل طرف من الأطراف الأربعة/ الستة: المجلس الأعلى والمؤتمر الوطني والفصيلين الكرديين وحركة الوفاق بقيادة أياد علاوي، رئيس الوزراء المؤقت الحالي. وكان الجلبي حلقة الوصل الرئيسية بين الإدارة الأمريكية وبالتحديد وزارة الدفاع ووكالة المخابرات المركزية الأمريكية والحكومة الإيرانية لتنسيق الجهود ضد حكم الرئيس صدام حسين، وقد تمكن من جمع المتناقضين سياسيا واستراتيجيا، الأكراد الساعين إلى جمهورية مستقلة والشيعة المرتبطين بإيران الباحثين عن دولة شيعية تشكل امتدادا لإيران، وهو الهدف الذي تعارضه واشنطن ودول المنطقة والعلمانيون من ليبراليين وشيوعيين ومستقلين. وكان انضمام المجلس الأعلى جوهريا لإكمال الخطط الأمريكية وحاسما في اتخاذ قرار الحرب والاحتلال إذ أن المجلس الأعلى التزم بتحييد القطاع الشيعي من الشعب العراقي وبالمساهمة المباشرة عسكريا وسياسيا في إنجاح المخطط الأمريكي، وكنت قد أجريت لقاء صحفيا في شهر أكتوبر 2002، مع السيد محمد باقر الحكيم، رئيس المجلس الأعلى، وكان في مدينة قم الإيرانية، أكد فيه أن المجلس الأعلى بعث بألفين وخمسمائة فرد من أفراد لواء بدر، التابع للمجلس، إلى شمال العراق للانطلاق مع قوات البشمركة، الميليشيا الكردية، التابعة للكردي جلال الطالباني، في جبهة من منطقة السليمانية ضد القوات العراقية.
وحالما احتلت القوات الأمريكية- البريطانية العراق في ابريل 2003، دخلت قوات بدر من إيران وشمال العراق بينما بعثت إيران بالآلاف من عناصر الحرس الثوري والمخابرات الإيرانية إلى العراق من الوسط والجنوب لينتشروا في البلاد تحقيقا لثلاثة أهداف رئيسية: دعم التيار الشيعي الإيراني في العراق (المجلس الأعلى بقيادة الحكيم ومكانة السيستاني والدعوة بقيادة إبراهيم الجعفري والعمل الإسلامي بقيادة محمد تقي مدرسي)، وإضعاف التيار الشيعي العربي العراقي (مجموعة مقتدى الصدر) وترسيخ وجود مخابراتي إيراني في العراق مما يضمن ترسيخ الأهداف الإيرانية والتأثير في التطورات السياسية بالتوافق مع تلك الأهداف، والتخلص من العناصر المعارضة للمشروع الإيراني
استخدمت إيران عدداً من الادوات السياسية والامنية للنفوذ الي الواقع العراقي ووضح ذلك من خلال عدم اعتراض إيران أو إعاقتها للخطط الأمريكية الرامية لضرب العراق وإسقاط نظامه، نظراً لتوافق ذلك مع الهدف الإيراني في ذلك الوقت، والذي يتمثل في تدمير العراق وإزاحة النظام القومي العربي، وخلق نظام جديد يسهل الحركة الإيرانية، وكذلك قيام إيران بعد الاحتلال الأمريكي للعراق بتصفية وقتل المئات من الضباط والطيارين ورجال المخابرات والعلماء العراقيين، ومطاردة وإزاحة القوى العراقية القومية والإسلامية المعادية للتوجه الإيراني، مع تقديم الدعم المالي والمخابراتي للقوى المؤيدة لها خاصة حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية
بالإضافة الي محاولة خلخلة الاوضاع السياسية في العراق، والعمل علي إضعاف حكوماته تمهيداً لخلق قيادة سياسية ضعيفة تدين بالولاء والطاعة لإيران، الأمر الذي يسهل لها تحقيق مصالحها بأقل تكلفة ممكنه، ونشير إلي تصريح قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني الذي قال فيه "أن بلاده حاضرة في الجنوب اللبناني وفي العراق وأن هذين البلدين يخضعان بشكل أو بأخر لإرادة طهران وأفكارها"، كما عملت إيران علي الضغط علي الحكومات العراقية المتتالية من أجل تقديم تنازلات مرتبطة بالحدود المشتركة، وفي هذا الإطار استطاعت إيران انتزاع موافقة العراق علي اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تحدد الحدود الفاصلة بين البلدين، كما استطاعت ايضاً انتزاع موافقة الحكومة العراقية التي تشكلت بعد الاحتلال الأمريكي علي إعلان مسئوليتها في شن الحرب علي إيران في عام 1980، ومما يستتبع ذلك من آثار قانونية خاصة بالتعويضات وما إلي غير ذلك
كما تم وضع عنوان للتحرك الإيراني تجاه العراق يخالف حقيقة نواياها، من خلال اختراق منظومة القيادة العراقية من خلال تقديم الاستشارات للمتحكمين في النظام السياسي حول بعض القضايا والمشكلات العراقية السياسية والاقتصادية، وتكثيف الحوار والاتصالات معهم، علاوة علي محاولة إيران التأثير علي الواقع الديموغرافي في العراق وتغيير الوزن النسبي لبعض مكونات الشعب العراقي خاصة من الشيعة، وذلك من خلال الضغط علي الحكومة العراقية لإعطاء الجنسية العراقية الي عدد كبير من الإيرانيين الموجودين في العراق والذين يقدر البعض عددهم ب 2.5 مليون تقريباً
كما عملت إيران علي خلق حالة من الشك والريبة في العلاقة ما بين القيادات السياسية في العراق وعلماء الدين السنه، من خلال ترويج إشاعات عن فساد هذه الشخصيات وقيامهم ببعض الاعمال المخالفة للنظام والدولة، مما يسهم في ابتعاد نسبي لهذه القيادات الدينية عن دوائر صنع القرار، وما يؤدي إليه ذلك من تشويه المذهب السني في العراق، علاوة علي ما يوفره من مناخ للحقد والكراهية بين رجال الدين والحكام بشكل عام وتتبني إيران للطرح الديموقراطي في العراق علي الطراز الغربي، علي اساس أنه النموذج الأفضل لإدارة الوضع العراقي، ارتباطاً بهدف إيراني بعيد المدي وهو أن تطبيق الديموقراطية علي هذا النحو سيساعد علي تقوية الاقاليم الراغبة في الاستقلال، كما أنه سيعمل علي إذكاء سياسة المحاصصة، بما يقود في النهاية إلي إضعاف قوة العراق ومنع عودته مرة أخرى كمعرقل للأهداف الإيرانية في الخليج، وحرصت إيران في تلك الفترة علي الإبقاء علي علاقات متميزة مع القادة الكرد، وعدم التفريط فيها كخط استراتيجي عام لإيران يضمن عدم عودة البعثين أو قيام حكم سني مرة أخرى، والإبقاء علي خط اتصال مع بعض الاطراف السنية في العراق، مستغلين سياسة الاغراء والتهديد علي أساس أن الاقتراب من إيران هو أحد متطلبات المشاركة السياسية في الحكم والعكس صحيح
هذا بالإضافة الي إتاحة المجال لعمل أجهزة الاستخبارات الإيرانية للعمل السياسي السري والعلني في العراق، من خلال الحرس الثوري الإيراني وجهازي الأمن والاستخبارات الإيرانية ومجموعات من الميليشيات التابعة لها، ومجموعات من الحوزة الدينية في قم، وفي الغالب تعمل هذه الجهات تحت واجهات متعددة ومستترة من خلال وجودها داخل تنظيمات سياسية إسلامية عراقية، وتنظيمات خيرية ودينية، وواجهات دبلوماسية وتجارية ومكاتب صحفية وإعلامية وغيرها، والعمل علي إقامة شبكة واسعة من التنظيمات الخيرية والأحزاب السياسية الإسلامية البديلة التي تعمل لتوسيع نشاطها في كسب المزيد من الناس إلى هذه التنظيمات التابعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة لإيران والتي تلتزم بخطها الفكري والسياسي
كما عملت إيران علي وضع الأموال في خدمة الكثير من رجال الدين لصرفها على المحتاجين من الناس من قبل قوى إسلامية سياسية شيعية بالأساس، بغرض التأثير الفكري والسياسي والعملي عليها، بما يتوافق مع التوجهات الإيرانية، وكذلك وضع جانب كبير من هذه الأموال تحت تصرف المليشيات المسلحة التي تمارس التهديد والاختطاف والقتل والتخريب ضد مؤسسات الدولة وضد المجتمع، بما يساعدها على استمرار النشاط الدموي في العراق
بالإضافة إلى الأدوات السياسية والأمنية التي استخدمتها إيران للنفوذ في العراق، كان هناك اهتماماً موازياً بالاختراق الاقتصادي وإضعاف العراق علي هذا المستوى، وهو الأمر الذي استطاعت إحداثه أو عمله من خلال ما يلي
بجانب الادوات السياسية والاقتصادية كان الجانب الديني والثقافي أحد مجالات الاختراق الإيراني للعراق، وهو الأمر الذي تم من خلال ما يلي:
برزت العديد من التصريحات الرسمية لسياسيين عرب تحذر من هذا المد حيث كشف الملك عبد الله الثاني ملك الأردن عن مخطط إيراني لإقامة هلال شيعي في المنطقة يبدأ من إيران وينتهي في لبنان، وتصريحات الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك أن الشيعة في العالم العربي ولائهم دائما لإيران، كما حذر الرئيس اليمني من النفوذ الإيراني ودعمهم للفوضى التي قامت في بلاده بسبب الحوثيين الزيدية. وكان من أهم الإشارات على المد الإيراني خطاب الملك حسين بن طلال ملك الأردن الراحل الذي أكد في خطاب له عام 1979 أي بعد الثورة الإيرانية "انه على العالم الإسلامي أن لا يتفاءل بهذه الثورة ويعي أنها ليست ثورة إسلامية إنما ثورة فارسية شيعية تقصد إحياء مجد فارس عن طريق نشر التشيع".
يرفض الشيعة تسمية حالة النشاط الإعلامي والسياسي الأخيرة وتزايد النفوذ السياسي الشيعي في العراق بالمد الإيراني ويستخدمون بدلاً منه تعبير المد الشيعي. إلا أن هذا التعبير ليس دقيقا بما يكفي لتوصيف الحالة فهذا المد عملياً يقتصر تأثير فقط في نطاق الطائفة الشيعية التي هي أساساً ترى في إيران الولاية الدينية والسياسية بما يطلقون عليها "ولاية الفقيه" والذي تغذيه إيران بقوة ويؤمن بها أنصارها من الشيعة العرب وغير العرب ومنهم القيادة في حزب الله، ولا يوجد امتداد للتشيع على الطوائف الأخرى وخصوصاً السنية، فلا يوجد زيادة في أعداد الشيعة أو زيادة في نفوذهم في غير المناطق التي تسكنها اقليات شيعية، الأمر الذي يجعله مدا إيرانيا بحتاً مستفيداً من البعد الطائفي فيه.
ساعد الانسحاب الأمريكي من العراق علي إتاحة المجال لإيران للتحرك بمزيد من الحرية في الداخل العراقي، كما تواكب هذا الانسحاب مع المتغيرات الإقليمية المهمة، والمتمثلة في ثورات الربيع العربي وما أفرزته من تحدي اساسي لإيران، يتمثل في احتمال تهديد المشروع الإيراني المسمي بالهلال الشيعي، حيث وضح إمكانية ان تفرز هذه الثورات بديلاً لذلك وهو ( الهلال السني )، حيث صعدت أسهم التيار الإسلامي السني في كثير من دول المنطقة، وأصبحت أكثر تهديداً للوجود الإيراني، خاصة وان بعض من فصائل التيار الإسلامي لاسيما التيار السلفي والأصولي يناصب إيران عداءا شديداً من منطلق مذهبي بحت ومع تأزم هذا الوضع ووصول الربيع العربي الي سوريا - العقدة الاساسية لخارطة الطريق نحو تنفيذ الاستراتيجية الإيرانية-، تبدلت بعض المعطيات الإيرانية فيما يتعلق بالعراق دون أن يؤثر ذلك علي اهميته في المشروع الإيراني، بل أن بعض المحللين قد أشاروا الي تضاعف اهمية العراق الآن بالنسبة لإيران أكثر من ذي قبل، خاصة مع تحول الوضع السوري تدريجياً إلي ما يشبه الحرب الأهلية، ووصول الاستقطابات الإقليمية والدولية حيال سوريا الي أعلي مستوي لها وارتباطاً برغبة إيران في الحفاظ على المكتسبات التي تحققت لها في العراق، عملت إيران علي الاستفادة من الفراغ الذي خلفه الانسحاب من أجل تعديل ميزان القوي داخل العراق لصالح القوي السياسية المتحالفة معها، وأشارت بعض الدراسات الإيرانية الصادرة خلال الفترة الاخيرة الي أن إيران بحاجة في هذه المرحلة الي عمل ما يلى:
أولاً: تحقيق تفاهم مع القوة العسكرية الاولي في المنطقة وهي الولايات المتحدة، يتم بموجبه ضمان استمرار اختلال التوازن السياسي والعسكري في العراق لصالح القوي الشيعية، وتوسيع حقول النفط الإيرانية الي ما رواء الحدود المشتركة مع العراق، في مقابل ضمان إيران لتدفق النفط عبر مضيق هرمز، وابتعاد إيران عن أبار النفط السعودية وتقديم تنازلات بخصوص البرنامج النووي الإيراني، خاصة وأن الإدارة الأمريكية مدركة تماماً أن التوصل الي تفاهم مع إيران ممكناً في حال تم التوصل الي تفاهمات في بعض الملفات الإقليمية الأخرى، وأن هذا التفاهم الإيراني الأمريكي إن لم يقع في المدي القريب، لكنه يظل احتمالاً قائماً علي المدي المنظور
ثانياً: حاجة إيران لإجراء حوار أو تفاهم مع الدولة الإقليمية الأكبر بعد العراق وهي المملكة العربية السعودية، يقضي بأن تلعب السعودية دوراً في اقناع الدول السنية بأن تخفف من حدة عدائها لايران، خاصة فيما يتعلق بالموقف من البرنامج النووى، بما يعني إجبار القوي السنية الكبري علي الاعتراف بدائرة النفوذ الإيراني الحالية خاصة في ضوء الانشغال الأمريكي بالوضع الإقليمي وبترتيباته، وكذلك أن تبتعد السعودية عن مجابهة الوجود الإيراني في العراق التي تحاول التأثير في مجريات أحداثه وأزماته بالتعاون مع تركيا، واعتبرت هذه الدراسات أن اضطراب الوضع السياسى في البحرين عامل مساعد علي فتح هذا الحوار باعتبار ان التحركات الشيعية في البحرين اداة ضغط إيرانية مهمة علي السعودية لتسوية الوضع في البحرين ومنع انتقال الاضطرابات الي المنطقة الشرقية الغنية بالنفط والمأهولة بالشيعة الموالين لإيران
وباستقراء النفوذ الإيراني في العراق، في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي، يمكن ملاحظة عدد من المؤشرات الدالة علي حجم هذا النفوذ: