اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
موسى بن ميمون حَبرٌ من أحبار اليهود وفلاسفتهم، عاش في القرن الثاني عشر، يرى ابن ميمون ضرورة التأويل المجازي للتوراة، كما وُجد نَفسُ التأويل قبل ظهور ابن ميمون لدى غيرهِ مِن مُفكّريْ اليَهود، مثل سعيد بن يوسف أبو يعقوب الفيومي المشهور ب"سَعْدِيا" (882م) و أبي أيوب سليمان بن يحيي بن جبيرول من رجالات القرن الحادي عشر. ومن كتاب ابن ميمون «دلالة الحائرين» يمكننا فَهمِ طَريقة ابن ميمون في التأويلِ، وغَرَضُهُ مِنه والبَواعِث التي بَعَثتهُ عَليهِ، حيثُ يَقولُ في مُقَدِّمة هذا الكتاب: «هذه الرِّسَالةُ لها أيضاً غرضٌ ثانٍ، وهو شرح النصوص المجازية الشديدة الغموض، هذه النصوص التي نَصطَدم بالكثيرِ مِنها في أسْفارِ الأَنبِياء دُونَ أنْ يَكونَ واضحًا أنَّها من المَجَاز، والتي —على الضد من هذا — يَأخُذها الجَاهلُ والذَاهلُ عَلى مَعْنَاها الخَارجيّ، دُونَ أنْ يَرى فيها معاني خفية».
وهو يَرى أولًا وقَبل كُلّ شَيءٍ أنَّ الأنْبياءَ —وَتَبِعَهُم في هذا عُلماءُ الشَّريعةِ — قد تَكلموا بالمَجاز عَامِدين في الدِّينِ، وبِخَاصَةٍ إذا كَان الأَمْرُ أمْرَ المَعَارِفِ التي لا تُطيقُها العَامَّة، والتي لا يَصِل إليها إلا الخَاصَّة، بما مَعْناهُ قِصَّةُ التَّكوينِ التي هِيَ عِلمُ الطّبيعةِ، وقصّةُ «المَركَبةِ السّمَاويّة» التي هِيَ عِلمُ ما وَرَاءَ الطّبيعةِ، وهو في هذا يقول: «إنه لأجلِ هَذا نَجدُ هَذه المَوضُوعاتِ أيضًا تَتَركَّز في كتب النُبُوَّاتِ على المجاز، كما نجدُ علماءَ الشّريعةِ يتكلمون فيها بالمجازِ وبالإلغازِ، وهم يَتْبَعونَ في ذلك خِطَّة الكُتب المُقدَّسة». إذًا يَجِبُ التَّأويلُ لِفَهمِ المَجَازاتِ وما تَرْمي إليهِ مِن مَعانٍ، فذلك —فيما يؤكد ابن ميمون — هُوَ المِفْتَاحُ لِفَهمِ كَلِّ مَا قَالَهُ الأنبياءُ، وَلِمَعْرِفَةِ حَقيقتهِ تَمامًا، وبهذا التَّأويلِ نَتَجَاوَزُ المَعْنى الظَّاهرَ للنَّفْسِ إلى المَعْنَى المُرادِ، وَكَمْ بَيْنَهُما مِنْ فَرقٍ! عَلى أنَّ لِلمَعنَى الظَّاهِر قِيمَتُهُ بالنِّسبة لِطَائِفةٍ خاصَّة، كما للمعنى الخفيِّ قِيمَتُه بالنِّسبة لِطَائِفَةٍ أخُرى؛ فَكَلِمَاتُ الأنبياءِ تَحوي ظَاهريٍّا الحِكَمَ النَّافِعَة في سبيلِ تحسينِ حَالةِ الجَّمَاعَاتِ الإنْسَانِيَّة، وَغَير هذا مَن أنواعِ الخَيرِ، وَلمَا تَرمِي إليهِ مِنْ مَعانٍ خَفِيةٍ مَنافعُ لا بُدَّ منها، وبخاصةٍ في العقائدِ ما دامَ مَوضُوعُها هو الحقيقة لا ما يُشْبهُ الحَقيقة. كما ترك لنا ابن ميمون فيما كتب ما يَدُلُّ على أنَّه كَان هُنالك أصولٌ يَسترشِدُ بها، ويمكن استخلاص هذه الأصول من تأويله نفسه في كتابه «دلالة الحائرين»:
وهذا الأصل نجد ابن ميمون يرعاه حقٍّا، ويتبين ذلك من كتابه لتلميذه «يوسف بن يهوذا» إذ يقول: «إنّك لم تسألني إلا عن المبادئ الأولى، ولكنَّ هذه المبادئ لا تُوجد في هذه الرِّسالة مُرَتَّبة ومُنَظَّمة يتلو بعضها بعضًا، بل إِنَّها على الضد من هذا لا توجد إلا في غير وضوح ومُختلطة بموضوعات أخرى يُراد شرحها، وذلك بأنَّ قصدي في هذه الرِّسالة الاكتفاء بأن تلوح الحقائق وراء ستار يكاد يُخفيها، وبهذا لا أكون مُعارضًا للغرض الإلهي». هذه هي الأصول الهامة التي أمكن استخلاصها من كتابه القيم الآنف الذكر، والتي على هداها سَارَ ابن ميمون في تأويلاته، ومنها يتبين أنَّه كان يسير على الجادَّة التي سار عليها قبله وبعده أمثالُه من رجال الدين الفلاسفة والمفكرين. وهنا، نَجِدُ منَ المهم أن نلاحظ أنه كأمثاله من الذين اصطنعوا التأويل في الكتب الوحيية، قد عمل على أن تتفق التوراة والعقل، أو بالفلسفة السائدة في عصره بتعبير آخر، هذه الفلسفة التي كانت في رأيه مفتاحًا لفهم بعض ما جاءت به كتب الأنبياء، ولكن نجد له مع هذا ما يدل بوضوح على تقديره للتوراة أكثر من تقديره للفلسفة.
وذلك بأنه قد يستعين حقًّا ببعض الآراء الفلسفية الصحيحة على فهم بعض ما جاء في التوراة، وقد يؤوِّل بعض نصوصها تأويلًا مجازيًّا لتتفق وما قام الدليل القاطعُ على صحَّته من الآراء الفلسفية، ولكنه مع هذا وذاك لا يجنح إلى التأويل إذا كان الأمر على غير ما ذكر، بل يقبل الحل الذي جاء في التوراة عن الأنبياء بلا تأويل. ولذلك نراه يلوم جِد اللوم الذين قالوا بِقِدَم العالم تقليدًا لأرسطوطاليس وغيره من الذين يعتبرون حجة في الفلسفة، دون دليل صحيح قاطع بالقدم، ثم رفضوا لهذا ما جاء به الأنبياء مما يُثبت الحدوث.
يؤمن موسى بن ميمون إيمانًا تامًّا بأنَّ ما قام عليه الدليل العقلي الصحيح القاطع لا يُمكن أن يتناقض أو يتعارض وما جاء به الوحي، فإن أحسسنا تعارُضًا بينهما كان ظاهريًّا يجب أن يزول بتأويل النَّص، أو إذا لم يكن الدليل صحيحًا قاطعًا، وجب قبول ما جاء به الوحي؛ حتى ولو كان تأويله مُمكنًا، وحتى لو كان الرأي الفلسفي لأرسطوطاليس أو غيره من مشاهير الفلاسفة.
على أنَّ هذا الصنيع من ابن ميمون كان حظه النقد الشديد من «سبينوزا»، إنَّ هذا الفيلسوف اليهودي الهولندي (1632–1677م) يقرّر في رِسالته «في اللاهوت والسياسة» أنَّ الكتاب المُقَدَّس قد شقي بمن سلَّطوا عليه التأويل في جرأة لا نَجِدها لهم إزاء كتاب غيره، ثم ينتهي بتأكيد أنَّ طريقة ابن ميمون لا فائدة منها مُطلقًا، وبأنَّها لا تدعنا نُدرِكُ المعاني الحقة للكتاب المقدس، وإذن يجبُ رفض صنيع ابن ميمون باعتباره عملًا ضارًّا وعابثًا.