اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
لم يعش نصير الدين همايون طويلًا بعد أن استعاد الحكم، فورث أكبر عن والده حكم بلاد تسودها الاضطرابات، كما انتشرت المجاعات والأمراض في أنحائها، فقد كانت الأجزاء الشمالية من الهند بما فيها دلهي وأغرة قد ضربها الطاعون الذي أودى بحياة الكثير من الناس. وكان عرش دلهي كان قد أصبح كالكرة تتداولها أيدي الأفغان والمغول، ولم تعد السلطنة إلا تعبيرًا جغرافيًا أو مجموعة من الولايات.
كما غدت السيادة على الإقليم الشمالي الغربي من الهند موضع نزاع بين أمراء أسرة سور الأفغانية «إسكندر شاه السوري» و«محمد عادل شاه السوري»، فقد جمع إسكندر شاه جيشًا كبيرًا في الپنجاب وبدأ يتحفز للانقضاض على دلهي وأغرة واسترداد الأراضي التي أخرجه نصير الدين همايون منها، وأما مُحمَّد عادل شاه فقد تراجع إلى الأقاليم الشرقية واستقر في چنار وأخذ يعمل على توسيع نفوذه هناك، وفي نفس الوقت بعث قائده الهندوسي «هيمو البقال» على رأس قوات كثيفة فأحرز لنفسه بطولة فائقة بانتصاره في أكثر من اثنتين وعشرين معركة، ثم توقف بقواته بالقرب من أغرة بعد ذلك في مرتقبًا الفرصة المواتية لاستردادها من جديد.
لم تكن أسرة سوري وحدها من تهدد سلطان أكبر بالهند، حيث تعرض كذلك لتهديد أخيه «محمد حكيم ميرزا » الذي أعلن استقلاله بكابُل، ثم أخذ بعد ذلك يتطلع ببصره إلى أرض الأرض نفسها والجلوس على عرشها. وقد كانت كابُل طريق تعد أرض الرجعة للسلاطين المسلمين بالهند، وطريق الإمدادات التي كانت تمدهم بمحاربي بلاد ما وراء النهر.
وكانت ولايات السند والمُلتان وكشمير قد انفصلت عن سلطان دلهي بدورها لسنين خلت، في حين راح الأمراء الراجپوتيون يغتنمون ما أتاحه لهم اضطراب الأحوال من فرص لاستعادة الكثير من سلطانهم القديم ونفوذهم الذي فقدوه أثناء حكم ظهير الدين بابر واستعادوا سيطرتهم على قلاعهم «ميوار » و«جيسلمير» و«بوندي (الهند) » و«جُدهفور». واستردت «مالوة» و«سلطنة الگُجرات» استقلالهما بعد أن نقضتا الحلف الذي كان بينهما وبين الحكومة المركزية أثناء حكم محمد تغلق. وكانت «أوريسَّة» و«گوندوانة» مستقلتين. وثبت أمراء الدكن المسلمون أقدامهم في بلادهم من جديد، في «خاندش » و«برار » و«بيدر» و«أحمد نگر» و«بيجافور» و«گُلكُندة». وكان الأمراء الهنادكة أصحاب «إمارة ڤيايانگر» في الجنوب يجهدون في المحافظة على استقلالهم من اعتداءات جيرانهم المسلمين أمراء الدكن. وكان الپُرتغاليون بدورهم يقيمون في حصونهم القوية في «گووه» و«ديوا» على شاطئ الهند الغربي بعد أن خاضوا معارك عنيفة ضد سلاطين الگجرات المسلمين وأعوانهم من سلاطين المماليك والعثمانيين.
يذكر المؤرخون أنه كان من حسن حظ أكبر عندما اعتلى عرش آبائه في هذه السن الحرجة وفي هذا الوضع المضطرب أن وجد إلى جانبه الوزير بيرم خان، الذي بذل جهده لمساعدة سيده وتدعيم ملكه إلى أن بلغ رشده واكتملت رجولته. وجد بيرم خان أن الخطر الأكبر يتمثل في آل سور، فقرر التخلص منهم أولًا، وكان هؤلاء يجهدون لاسترداد ملكهم المفقود. وفي الوقت الذي كان فيه بيرم خان يجد في مطاردة إسكندر شاه السوري في الپُنجاب اقتحم «هيمو (هيمون)» قائد محمد عادل شاه السوري مدينة أغرة على رأس خمسين ألف فارس وخمسمائة من الفيلة، وأرغم واليها إسكندر أزوبك على التقهقر إلى دلهي. أدرك أكبر فورًا على أثر هذه الضربة أن دلهي هي الهدف التالي لهيمو، فبادر إلى تسيير تعزيزات عسكرية بقيادة علي قُلي حاكم سمبهال، ويبدو أن هيمو علم بذلك، فأسرع إلى المدينة وسبق التعزيزات المغولية، فاصطدم بحاكمها «تردي بيگخان » وانتصر عليه. وقد لاذ تردي بيگخان بالفرار بعد هزيمته ناجيًا بنفسه دون أن يفطن أن عدوه عدل عن مطاردته، وقد كان السبب في كسر قوته تأخر وصول الإمدادت إليه من جهة، وقوة عدوه من جهة أخرى، وذهب إلى «سرهند» مع إسكندر أوزبك، ولحق بهما علي قُلي عندما علم بسقوط دلهي. دخل هيمو مدينة دلهي في جو من الانتصار، واتخذ لنفسه على أثر هذا النصر لقب «بكرماديت» الهندوسي القديم، وأبدى رغبة قوية في إحياء أمجاد أمته القديمة، ومناهضته للإسلام والمسلمين. وبدأت تداعبه الآمال بعد هذه الانتصارات أن يستأثر بالعرش المغولي لنفسه مهملًا شأن سيده عادل شاه، فضرب السكة باسمه، ورفع المظلة السلطانية فوق رأسه، وولى خاصته ورجاله في مناصب الدولة وشؤون الولايات، وسيطر على المنطقة الواقعة بين غواليور ونهر ستلج.
كان أكبر في غضون ذلك في غولندار، وعندما علم بسقوط أغرة ودلهي تلقى نصيحة من معظم قادة جيشه بالتراجع نحو كابل، لكن أكبر ووزيره بيرم خان قاوموا هذه التوجه وأصروا على القتال لأن في تنفيذه قضاء على آمال الأسرة المغولية، وتشير المصادر أن هؤلاء القادة الذين أشاروا بالتراجع قد هالتهم كثرة قوات هيمو، التي كانت تبلغ مائة ألف من الجند وخمسمائة من الفيلة، بالمقارنة مع ضآلة قواتهم التي لم تكن تعدو عشرين ألفًا بين فرسان ومشاة. أمر بيرم خان بالقبض على تردي بيگخان وقتله لأنه لم يحسن التصرف أثناء مواجهته للعدو، وليكون عبرة لغيره من القادة. عهد أكبر إلى صهره خضر خان بمواصلة قتال إسكندر شاه السوري، ثم خرج هو على رأس قواته للقاء القائد الهندوسي هيمو وعصبته.
التقى الطرفان في سهل پاني پت في يوم 2 محرم 964هـ الموافق فيه 5 تشرين الثاني (نوڤمبر) 1556م. واستطاعت فرقة من طلائع الجيش المغولي أن تعرقل هيمو بالاستيلاء على مدفعيته، ومع ذلك استطاع هيمو أن يكتسح جناجي جيش أكبر، فأصاب ذلك الجيش المغولي بالذعر، إلا أن تغييرًا وجه المعركة فجأة، وذلك بعد أن أصيب هيمو بسهم في عينه أفقده وعيه، ثم وقع على الأرض، وحين طلب من فَيَّاله أن يسير به وبدابته إلى خارج ميدان المعركة توهم أفراد جيشه وقوع الهزيمة بهم، فانفرط عقدهم لساعتهم وتفرق شملهم، ووقع هيمو نفسه في الأسر، وجيء بالأسير إلى أكبر فأشار عليه وزيره بيرم خان بأن يقلته، إلا أن أكبر رفض أن يحقق هذه الرغبة معتبرًا أنه ليس من الشهامة ولا من الفروسية التنكيل بأعزل جريح، وعدو منهزم، وعند ذلك استل بيرم خان سيفه وتولى هو قتل هيمو، ثم بعث برأسه إلى كابل وبجثته إلى دلهي ليرى الثائرون مصير صاحبهم عبرة لهم وعظة. كان من نتائج هذه النصر أنه تمت إزالة أقوى معارض لأكبر، وتشتيت شمل جيشه، وغنم الجيش المنتصر غنائم كثير، تشمل مبالغ طائلة من المال، و1500 من الفيلة، وتقدم أكبر واستعاد دلهي وأغرة والمناطق المجاورة، وضاعت آمال الهندوس لتكوين مُلك خاص بهم في الهند، وشكل خطوة تمهيدية للقضاء نهائيًا على حكم الأفغان في الهند، وارتفعت مكانة الجيش المغولي منذ ذلك الحين.
بعد القضاء على هيمو واسترجاع دلهي وأغرة التفت أكبر ووزيره بيرم خان إلى أسرة آل سور الأفغانية الذين ما زالوا يطالبون بالعرش للقضاء عليهم، وقد كانت هزيمة القائد الهندوسي الكبير هيمو قد حطمت آمالهم ونال اليأس من نفوسهم منالًا شديدًا، وقد كان أكبر قبل معركة پاني پت الثانية قد أرسل جيشًا لقتال إسكندر شاه السوري، خرج أكبر إلى لاهور فبلغ جالندهر وبعد أن علم إسكندر شاه بذلك ارتد من تلال «سيوالِك» إلى حصن «مانكُت» فاعتصم فيه. حتى إذا ماقدم أكبر ومدفعيته إلى هذا الحصن فتم تشديد الحصار عليه، فاضطر إسكندر إلى طلب الصلح، وتعهد بالولاء التام للسلطان أكبر مقابل السماح له بالمسير إلى البنغال بأمان، وحفظ أكبر على هذا الأمير كرامته فولاه «بهار» و«خريد» في الشرق؛ فلبث بها حتى وافته منيته بعد عامين في سنة 977هـ المُوافقة لِسنة 1569م. وأما محمد عادل شاه السوري فقد اقتحم عليه خضر خان وإخوته مقره في «چنار» فدحروا قواته وقتلوه في رجب 966هـ المُوافق فيه نيسان (أبريل) 1559م انتقامًا لمقتل أبيهم «محمد خان البنغالي». وحاول «شير شاه الثاني بن عادل شاه السوري» أن يسيطر على جونفور بعد مقتل والده، فتصدى له القائد المغولي خانزمان وهزمه، وضم أملاكه إلى الدولة المغولية. أما إبراهيم شاه السوري فقد زينت له بعض القبائل الأفغانية الاستيلاء على ولاية مالوه، حتى إذا فشل في اقتحامها تحول إلى ولاية «أوريسَّة» في إقليم البنغال فبقي فيها حتى سنة 975هـ المُوافقة لِسنة 1568م حيث لقي مصرعه على يد القائد المغولي «سليمان كِراني».
كان علي قُلي أحد القادة الأوزبكيين الكبار، رُقِّي إلى رُتبة «خانزمان» (خان زمان) بعد معركة پاني پت سنة 963هـ المُوافقة لِسنة 1556م تقديرًا لِجُهُوده وشجاعته، والتفَّ حوله كثيرٌ من الجُند والقادة والأُمراء. وفي سنة 967هـ المُوافقة لِسنة 1560م، حاول الأفغان، بِقيادة شير شاه بن عادل شاه السوري، الاستيلاء على جونفور، انطلاقًا من حصن چنار، فتصدَّى لهم علي قُلي وهزمهم بِجيشٍ جرَّار، ويبدو أنَّهُ اغترَّ بِقُوَّته فرفض بعد انتصاره أن يرُد الفيلة التي غنمها إلى السُلطان، فخرج أكبر بِنفسه من مدينة کالپي لِقتاله وزحف نحو جونفور، وعندما سمع علي قُلي بِخُرُوجه أسرع بِتقديم الولاء والطَّاعة له، واصطحب معهُ الفيلة وغنائم الحرب وبعض الهدايا ووضعها بين يدي السُلطان، فعفا عنهُ وتغاضى عن عصيانه وثبَّتهُ في حُكم جونفور.
يشير المؤرخون إلى أن بيرم خان تركماني المولد، شيعي المذهب، وكان من أخلص أتباع نصير الدين همايون والد أكبر، فقد تحمل معه كل متاعب الحياة في منفاه، ووقف إلى جانبه في أشد الأوقات، وكان ناصحًا وفيًا له حتى استعاد ملكه في الهند. ولم يكن أقل إخلاصًا لأكبر الذي تولى الوصاية على عرشه، فقد كان سياسيًا محنكًا وإداريًا حازمًا، يبذل قصارى جهده في تصريف شؤون الدولة على أحسن وجه، وتم له القضاء على أسرة سور الأفغانية، وخاض معه غمار معركة پاني پت الثانية وتم لهم الانتصار بتوجيهاته، وتم في عهد وصايته على العرش استعادة «دلهي» و«أغرة» والمناطق المحيطة بهم، وضم «آچمير» و«گواليار»، واقتحمت «جونفور»، وأمنت الحدود الشمالية الغربية، فأمكن بذلك للسلطنة أن تستعيد أغلب الأراضي التي كانت لها أيام ظهير الدين بابر. وعمل كذلك على تثقيف السلطان الشاب وحضه دومًا على طلب العلم والتزود بالمعرفة.
وبعد أن تم له هذا كله، بدأ بيرم خان يوجه جهوده نحو الحالة الداخلية، لكن هذا الوزير لم يلبث أن اصطدم بأطماعه الشخصية وبالسلطان الذي يتولى الوصاية عليه. ولقد عرف أكبر فضل هذا الرجل عليه وهمته وحزمه تثبيت ملكه، وأنه المسؤول عن نجاحه في الأعوام الأولى من حكمه، فخلع عليه لقب «خان خانان» أي أمير الأمراء، وجعله وكيلًا للسلطنة. إلا أن هذا الوزير ارتكب عدة هفوات أدت إلى تكتيل أعدائه ضده، ومن ثم إسقاطه، منها أنه كان يغار من حاشية السلطان، ولا يسمح أن يحصل أحد منهم من رعاية أو فضل إلا بإذنه وبعد استشارته، وأنه كان يتصف بالكبر والتعالي على الحاشية، وأنه رفع من شأن أبناء مذهبه الشيعي وخصهم بالمناصب الرفيعة في الدولة، وأمعن في اضطهاد أهل السنة والجماعة وهم أصحاب الغالبية العظمى في الهند، مستغلًا في ذلك حادثة اندحار القائد السني تردي بيگخان أمام القائد الهندوسي هيمو في معركة دلهي ، حتى فاضت نفوس أهل السنة بالسخط الشديد عليه، وأنه مال سرًا إلى «أبي القاسم بن كمران»، ابن عم أكبر، الذي كان يطمع في اعتلاء عرش الهند، وأنه عزل صدر الصدور «بير محمد» المقرب من السلطان من منصبه، وعين مكانه «الشيخ كاداي» الشيعي المذهب.
كانت نتيجة سلوكه هذا أن عاداه رجال البلاء ونساء القصر، وكان في مقدمة الناقمين عليه «حميدة بانو بيگم» أم السلطان، ومرضعة أكبر «مهيم أنقاه»، وأخوه من الرضاع «أدهم خان»، وحاكم دلهي «شهاب الدين أحمد»، و«شرف الدين حسين ميرزا»، و«بير محمد»، وقد كانوا جميعًا يكرهون بيرم خان لأسباب مختلفة، ولهذا فقد كانوا يبذلون كل جهودهم لتسوء العلاقة بينه وبين السلطان، ونجحوا في ذلك. فقد حدث أن أكبر يشاهد صراع بين الفيلة، وهي رياضة كانت منتشرة في الهند، فاشتدت ثورة الفيلين المتصارعين وخرجا عن طورهما، وتخطيا الأسوار، وهاجما معسكر بيرم خان -وكان قريبًا من المكان- وهددا حياته بالخطر. وعلى الرغم من أن الحادث قد وقع بطريق الصدفة، فقد اعتذر السلطان لوزيره، لكن الأخير انتابه الغضب، وأمر فورًا بقتل رجل بريء من خدم السلطان الخاصين، عند ذلك ثار أكبر لكرامته. وفي الواقع كانت العلاقة بين السلطان الذي بلغ سن الرشد في عام 967هـ الموافق فيه 1560م قد سادها الفتور على الرغم مما بذله أكبر من جهود لإرضاء وزيره وتهدئته، فزوجه ابنة عمته «السلطانة سليمة»، ومع هذا تمادى بيرم خان حين أمر بقتل رجل من حاشية السلطان لجرم قد اقترفه من دون العودة إلى السلطان.
وبدأت المؤامرات لإبعاده عن السلطة. وحدث أن سافر أكبر إلى دلهي لزيارة والدته، فاستغلت مرضعته «مهيم أنقاه» وجوده هناك وأفرغت كل ما كانت تختزنه من أحقاد ضد بيرم خان. وكان أكبر على استعداد لتقبل كل ما يقال له، ولهذا لم يكد أن يعود من دلهي حتى أصدر أمرًا جاء فيه، أنه يريد أن يتولى الحكم بنفسه بدون وصاية لبلوغه سن الرشد، وأنه ينحيه عن وظائفه التي يتولاها، وأمره بأن يرحل إلى مكَّة المُكرَّمة ليقضي بقية حياته في العبادة بعيدًا عن متاعب الحياة العامة. عند ذلك أدرك بيرم خان ما كان يُدبر له في الخفاء، وشعر بخطورة الموقف، وأنه في الواقع قد تجاوز حده معترفًا بأنه أخطأ في تصرفاته، فحاول أن يصلح موقفه بأن أرسل اثنين من قادته الذين يثق بهم إلى السلطان يرفعان ولاءه ويؤكدان خضوعه وإخلاصه للعرش، فقبض أكبر على الرسولين وسجنهما، وارسل رسولًا من قِبله إلى بيرم خان يؤكد قراره السابق، وضرورة الإسراع بالرحيل إلى مكة. أحس بيرم خان بنفور السلطان عنه فعقد النية على الابتعاد عن البلاط والمسير نحو مكة، حتى إذا ما بلغه تسيير السلطان الجند في أثره، مخافة أن يستحوذ على الپُنجاب، فغضب لذلك غضبًا شديدًا فأعلن عزمه على مناهضة قوات الدولة، غير أنه وقع في الأسر، وحمل إلى السلطان في لاهور، ولما مثل بين يديه طلب الصفح منه، فعفا عنه، وخيره بين ثلاث: إما أن يبقى في القصر فيعامل باحترام وإعزاز بوصفه صاحب فضل على الأسرة الحاكمة، أو يظل في الخدمة فيعينه واليًا على أحد الأقاليم، أو يذهب إلى الحجاز ويتفرغ للعبادة في مكَّة المُكرَّمة، فيقدم له المنح والمساعدات التي تعينه على ذلك. اختار بيرم خان الحل الثالث، وسمح له أكبر بذلك وأمده بقوة حراسة ترافقه ووهبه معاشًا كافيًا، ولكن الوزير لم يتمكن من إتمام رحلته، فحينما كان يجتاز الگُجرات في طريقه إلى مكة اغتيل على يد أفغاني يدعى مبارك خان اللوحاني، ثأرًا لمقتل والده على يديه في معركة ماشبوارة، وكان ذلك في شهر جمادى الأولى 968هـ الموافق فيه شهر كانون الثاني (يناير) 1561م. وعلى أثر مقتله، تزوج أكبر أرملته، واحتضن أكبر ابنه «عبد الرحيم بن بيرم خان » ببلاطه وكان إذ ذاك في الرابعة من عمره، فما زال يرعاه حتى بلغ أكبر مناصب الدولة.