اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
شكَّلت وفاة منكو خان وتربُّع قوبلاي على العرش بداية تصدُّع وحدة إمبراطوريَّة المغول وظُهُور بُذور الشقاق والخلاف بين حُكَّام الأقاليم الشاسعة التي كوَّنت تلك الإمبراطوريَّة، الذين سعى كُلٌ منهم إلى الاستقلال بما تحت يديه من بلاد. وفي الحقيقة فإنَّ العلاقة العدائيَّة بين إلخانيَّة إيران وخانيَّة القبيلة الذهبيَّة تفجَّرت على أثر النزاع الذي نشب بين قوبلاي وأريق بوقا، عقب وفاة الخاقان الأعظم منكو، وسار النزاعان مع بعضهما في خطٍ مُوازٍ. فقد طمع هولاكو بِضمِّ بلاد القفجاق، التي تُشكِّل أغلب أنحاء خانيَّة القبيلة الذهبيَّة، بعد وفاة صرتق خان بن باتو، حاكم الخانيَّة سالِفة الذِكر، سنة 652هـ. ومن جهته، عدَّ بركة خان، الذي تولَّى عرش القبيلة الذهبيَّة، أنَّ مدينتيّ تبريز ومراغة كانتا من نصيب والده جوجي خان استنادًا إلى التقسيم الذي أجراه جنكيز خان، ولكنَّ هولاكو ضمَّهما إلى أملاكه، كما ضمَّ أرَّان وأذربيجان مع أنهما كانتا من إرث جوجي. وكان بركة خان قد اعتنق الإسلام سنة 650هـ بعدما التقى في مدينة بُخارى مع أحد عُلماء المسلمين واسمه نجم الدين مُختار الزاهدي،(4) واستفسر منه عن الدين الإسلاميّ وطلب منه أن يُؤلِّف لهُ رسالة تُؤيِّد بِالبراهين رسالة الإسلام، وتوضح بُطلان عقائد المغول وترد على المُخالفين والمُنكرين لِهذا الدين، فألَّف لهُ كتاب الرسالة الناصريَّة في النُبُوَّة والمُعجزات، فكان هذا سببًا في إسلام بركة، وتحوُّله إلى ناصرٍ لِلمُسلمين في دولته، ومُدافعًا عن قضاياهم، في الوقت الذي ظلَّ فيه هولاكو على الوثنيَّة، وعطف على المسيحيين مُتأثرًا بِزوجته المسيحيَّة دوقوز خاتون. وقد رفض بركة خان منطق الحملة التي شنَّها هولاكو على بغداد وما تبعها من نتائج على الرُغم من اضطراره إلى إرسال فرقةٍ عسكريَّةٍ اشتركت مع الجيش المغولي في الحملة على العراق، غير أنَّهُ أقدم على خُطوةٍ مُعبِّرة بعد انتهاء مُهمَّة الحملة تجلَّت في القرار الذي اتخذه بِسحب فرقته العسكريَّة وإرسالها إلى القاهرة لِدعم المماليك، مُشكلًا اتحادًا غير مُتوقَّع، ولِأوَّل مرَّة، مع قُوَّةٍ أجنبيَّةٍ ضدَّ إخوانه المغول، الأمر الذي سهَّل انتصار المُسلمين في معركة عين جالوت، هذا في الوقت الذي تشدَّد فيه هولاكو في مُساندته لِلنصارى. وقد أدَّى هذا التقارب بين المماليك ومغول القفجاق إلى مُعاداتهم لِمغول فارس. بِالإضافة إلى ذلك، كانت شواطئ بحر البنطس (الأسود) الشماليَّة تُشكِّلُ مراكز تصدير الرقيق الأبيض إلى مصر، الأمر الذي أمَّن استمرار تدفُّق القُوَّة البشريَّة والعسكريَّة لِلنظام المملوكي، وقد أدرك هولاكو هذا الأمر وطالب بركة خان بوقف بيع المماليك إلى مصر، فلَم يلقَ طلبه آذانًا صاغية. وشكَّل امتناع هولاكو عن إرسال خُمس الغنائم التي يحصل عليها، والتي كان جنكيز خان قد قرَّرها لِأُسرة جوجي، عاملًا آخر لِدفع النزاع بين مغول إيران ومغول القفجاق باتجاه الصدام.
أرسل بركة خان في سنة 660هـ المُوافقة لِسنة 1262م جيشًا كبيرًا مُؤلَّفًا من ثلاثين ألف مُقاتل بِقيادة قريبه «نوقاي»، لِمُحاربة هولاكو، فعبر باب الأبواب وعسكر في ظاهر شروان. فلمَّا بلغ هولاكو ذلك خرج من مصيفه في ألاطاغ على رأس جيشٍ مُؤلَّف من فرقٍ عسكريَّةٍ من مُختلف أنحاء الإلخانيَّة، وجعل على طليعته شيرامون بن جُرماغُون، ولمَّا وصل إلى حُدُود شروان تصدَّى لهُ نوقاي وهزمه وقتل كثيرًا من أفراد طليعته وعاد إلى مُعسكره مُنتصرًا. عند هذه المرحلة من المُواجهات أرسل هولاكو مددًا لِقُوَّاته المُقاتلة بِقيادة ابنه أباقا، فهاجم قُوَّات نوقاي وانتصر عليها، مما أتاح لِقُوَّات هولاكو أن تتقدَّم إلى شماخى وسيطرت عليها، في شهر مُحرَّم 661هـ المُوافق فيه شهر تشرين الثاني (نوڤمبر) 1262م، وتابعت زحفها نحو باب الأبواب، فاصطدمت بِقُوَّات نوقاي وأزاحتها عن مواقعها، وعبرت باب الأبواب وطاردتها داخل أراضي القبيلة الذهبيَّة، وتوغَّلت فيها مسافة خمسة عشر يومًا من دون أن تُصادف مُقاومة. ويبدو أنَّ لِذلك علاقة بِمدى ما خطَّط له بركة من واقع السماح لِقُوَّات عدُوِّه أن تتوغَّل في أراضيه قبل أن ينقض عليها. وإذ اعتقد هولاكو أنَّهُ سيطر على بلاد عدوُّه، أرسل ابنه أباقا على رأس قُوَّاتٍ عسكريَّةٍ كبيرة لِيُغير على منازل السُكَّان، فعبر نهر ترك في شهر جُمادى الأولى 661هـ المُوافق فيه شهر آذار (مارس) 1263م، ففاجأه بركة عند النهر وانتصر عليه. ولم يستطع أباقا سوى النجاة بِنفسه مع قلَّة من فُلُول جيشه في حين سقط الآخرون قتلى تحت ضربات السُيُوف، أو غرقًا في نهر ترك. لم يتحمَّل هولاكو، الذي كان في تبريز، آثار تلك الهزيمة، وقد أثَّرت على معنويَّاته، فأقدم على قتل جميع تُجَّار عدُوِّه الذين كانوا في بلاده. ولمَّا نظر بركة خان كثرة القتلى في هذا الصراع قال: «يَعِزُّ عَلَيَّ أَن يَقتُلَ المَغُولُ بَعضَهُم بِعضًا، وَلَكِن كَيفَ الحِيلَةُ فِيمَن غَيَّرَ سُنَّةَ جَنكِيز خَان».