اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
قسَّم جنكيز خان، أثناء حياته، أملاكه بين أبنائه الثلاثة الكبار: جوجي وجغطاي وأوقطاي، فأخذ كُلٌ منهم أربعة آلاف شخص من الجيش النظامي، ولم يضع إلَّا خُطُوطًا عامَّةً لِتحديد أملاك كُلٍ منهم، وكان نصيب ابنه الأصغر تولي الوطن الأُم، مغولستان، وفقًا لِلتقاليد المغوليَّة. واستنادًا إلى هذه القواعد التي تُلزم أيضًا بِأن يكون من نصيب الابن الأكبر أقصى البلاد المفتوحة، فقد كانت حصَّة جوجي القسم الشرقي لِلإمبراطوريَّة المغوليَّة والتي تشمل الأراضي المُمتدَّة من نهر إيرتيش شرقًا إلى أرض بلقار الڤولغا غربًا، ومن الروسيا وبلاد الصقالبة شمالًا إلى إيران وآسيا الصُغرى جنوبًا، بِالإضافة إلى بلاد ما وراء النهر وتُركستان في الجنوب. غير أنَّ جوجي تُوفي في حياة أبيه، فتوزَّعت أملاكه بين اثنين من أبنائه هُما أُردُو وباطو. فكان القسم الشرقي من نصيب ابنه الأكبر أُردُو، ونال الابن الثاني باطو القسم الغربي الذي يفوق بِمساحته القسم الشرقي. ووافق جنكيز خان على هذا التقسيم. وكان كُل الخوانين المُتحدرين من أُسرة جوجي تابعين نظريًّا لِخان القبيلة الذهبيَّة من دون أن يكون لِهذه التسمية أيَّة أهميَّة، لِأنَّ الخواقين العظام لم يعترفوا بِخان القبيلة الذهبيَّة كزعيمٍ لِأُسرة جوجي، وكان هذا الشرف من نصيب أُردُو وأُسرته. وقد أُضيفت في بداية القرن الرابع عشر الميلاديّ كلمة «آق» أي «أبيض» على أتباع أُردُو في القسم الشرقي، فعُرفوا بِالقبيلة البيضاء، في حين أُضيفت كلمة «گوك» أي «أزرق» على أتباع باطو، فعُرفوا بِالقبيلة الزرقاء أو السوداء. ويبدو أنَّ لِذلك علاقةً بِما جرى بعد وفاة جوجي. فقد استدعى جنكيز خان الأخوين إلى قراقورم، فلمَّا مثلا بين يديه عزَّاهما وطيَّب خاطرهما، فأعطى أُردُو خركاهًا(2) أبيض، وأعطى باطو خركاهًا أزرق.
والواقع أنَّ الخصائص الثقافيَّة لِلقبائل المُتنقلة التابعة لِباطو كانت لا تزال على بداوتها، ولِهذا اختار الأراضي ذات الصفات السُهُوبيَّة من أراضي الڤولغا الوُسطى والعُليا، ومنطقة شمال شرقيّ بحر البنطس (الأسود) لِتكون مركزًا لِاستقرار واستيطان المغول في شرقيّ أوروپَّا، حيثُ المراعي الغنيَّة لِخُيُولهم والمرعى الخصيب لِقُطعانهم، وهم الذين كانوا يُمارسون العادات البدويَّة على طول مجرى نهر الڤولغا. خِلال هذه الفترة توقَّف الزحف المغولي بِاتجاه أوروپَّا، وظلَّ الوضع هادئًا نحو جيلٍ من الزمن، وكان جنكيز خان قد تُوفي خلال هذه الفترة في سنة 624هـ المُوافقة لِسنة 1227م، وآل أمر المغول إلى ابنه أوقطاي. واستنادًا إلى التنظيمات التي وضعها قبل وفاته، آلت المناطق الجديدة الواقعة شماليّ بحر خوارزم (آرال) إلى حفيده باطو بِسبب وفاة ابنه جوجي، كما أُسلف. وفي سنة 632هـ المُوافقة لِسنة 1235م، أتمَّ الخاقان الأعظم أوقطاي غزو بلاد الصين، وعاد مُظفَّرًا إلى قراقورم، وعقد المجلس الأعلى لِلمغول - القورولتاي - الذي أُقرَّ فيه إرسال حملة كبيرة إلى الروسيا وأوروپَّا، أُسندت قيادتها العُليا إلى باطو بن جوجي الذي التفَّ حوله مُمثلون عن كُلِّ فُرُوع البيت الجنكيزي، وكُلِّف بِالاستيلاء على بلاد الروس والشركس والبُلقار وأقاليم أوروپَّا الشرقيَّة، وتولَّى سوبوتاي، الذي سبق له أن تولَّى عمليَّاتٍ عسكريَّةٍ في الصين وإيران والروسيا، القيادة الفعليَّة لِهذه الحملة التي تركت أثرًا كبيرًا في التاريخ الأوروپي القروسطي.
استغَّل المغول هجرة القفجاق التي جاءت نتيجةً طبيعيَّةً لِلحرب فواصلوا حملاتهم غربًا بعد أن أتمُّوا الاستيلاء على الإمارات الروسيَّة وبعض المُدن الواقعة على نهر الدنيپر، ووضع باطو خطَّةً عسكريَّةً تقضي بِالاستيلاء على بولونيا والمجر، لِذلك قسَّم جيشه إلى قسمين: توجَّه القسم الأوَّل شمالًا نحو بولونيا، بِقيادة أُردُو أخي باطو وبايدار بن جغطاي، فانطلق أفراده من كييڤ في أواسط سنة 638هـ المُوافقة لِأوائل سنة 1241م، فتقدموا نحو مدينة لوبلين واجتاحوها، وتابعوا تقدُّمهم نحو الجنوب على طول مجرى النهر لِمسافة ستين ميلًا، ثُمَّ عبروا النهر الذي تجمَّدت مياهه، وهاجموا مدينة ساندومير ونهبوها. وانفصلت فرقة عسكريَّة مغوليَّة بِقيادة بايدار هاجمت مدينة كراكوف الواقعة عند منابع نهر الڤستولا، وتبعد حوالي مائة ميل عن مدينة ساندومير، ونهبتها، وفرَّ الأمير البولوني بولسلاس الخامس (بالبولندية: Bolesław V) من أمامها والتجأ إلى موراڤية. وإذ فرَّ السُكَّان منها أيضًا أشعل المغول فيها النيران. وتوغَّلت قُوَّات بايدار في سيليزيا، ولم يكن أمام الأمير سوى طلب النجدة من جماعة الفُرسان التُيُوتون المُقيمين عند سواحل بحر البلطيق، وهنري دوق سيليزيا. وتقدَّمت الجُيُوش المغوليَّة إلى مدينة برسلاو الواقعة في شمالي إقليم سيليزيا وجنوبي بولونيا، وتقع على الضفَّة الغربيَّة لِنهر الأودر، وعندما وصلت إليها حاصرتها ثُمَّ أضرمت فيها النار، ولكنها انسحبت من أمامها عندما علمت أنَّ قُوَّات التحالف البولوني - التيوتوني - السيليزي قد تجمَّعت عند مدينة لگنيتسة وقوامها ثلاثون ألف جُندي. وانتقلت القُوَّات المغوليَّة إلى الجنوب حيثُ القُوَّات المُتحالفة، وجرى الصدام بين الطرفين عند قرية لگنگتسکيه پوله القريبة من مدينة لگنيتسة، حيثُ دارت رحى معركة ضارية في شهر شوَّال 638هـ المُوافق فيه نيسان (أبريل) 1241م، انتهت بِهزيمة قُوَّات التحالف، ولقي الدوق هنري مصرعه. وانتشر المغول عقب هذا الانتصار في موراڤية ينهبون ويُدمِّرون ويعيثون فسادًا، قبل أن يلتحقوا بِالقسم الآخر من الجيش العام بِقيادة باطو الزاحف نحو المجر. ونفذت الجُيُوش المغوليَّة إلى المجر من ثلاثة محاور: المحور الشمالي بين بولونيا وموراڤية، بِقيادة شيبان، أخي باطو، ومحور غاليسيا بِقيادة باطو نفسه، والثالث من البُغدان، بِقيادة «قدان».
كان بيلا الرابع ملك المجر يتوقَّع أن يغزو المغول بلاده بِسبب إيوائه العناصر التي فرَّت من المناطق الروسيَّة، وبِخاصَّةً بعض قادة القفجاق. ويُلاحظ أنَّ مملكة المجر كانت دولةً صغيرةً محدود الإمكانات، ولكنَّ ملكها اعتمد، على ما يبدو، على قُوَّة العناصر التي فرَّت من أمام الزحف المغولي، لِذلك دعا إلى عقد اجتماعٍ عامٍّ في مدينة بودا، وقد حضر هذا الاجتماع كبار رجال الدين والنُبلاء والقادة العسكريُّون. ويبدو أنَّ بيلا الرابع لم يتمكَّن من إقناع النُبلاء بِالذهاب إلى الحرب إلَّا بعد أن أرضاهم بِتحقيق بعض مطالبهم من واقع القبض على بعض قادة القفجاق الذين عدُّوهم السبب الرئيس لِغزو المغول لِبلادهم، ولكنَّهُ رفض أن يُعيد إليهم الامتيازات التي كانت ممنوحة لهم سابقًا. وقد نتج عن التصرُّف الأوَّل نتائج عكسيَّة، إذ ثارت عناصر القفجاق وعاثت فسادًا في الأرض، وبِذلك أضحوا مصدر إزعاج بدلًا من مُساعدة الملك في محنته أمام الغزو المغولي، واضطرَّ الملك المجري إلى الفرار باتجاه دوقيَّة النمسا. دبَّت الفوضى في المملكة المجريَّة، الأمر الذي سهَّل مُهمَّة القُوَّات التي تقدَّمت عبر جبال الكربات وتجمَّعت في شهر شوَّال المُوافق لِشهر نيسان (أبريل) أمام بست، التي حشد فيها بيلا الرابع جيشه. وعاد بيلا الرابع إلى عاصمته لِيُدافع عنها، وأرسل أُسرته وثروته إلى دوق النمسا والتمس المُساعدة منه، كما التمس النجدة من بقيَّة الممالك الأوروپيَّة. ويبدو أنَّهُ لم يتلقَّ أي عون، واضطرَّ أن يخوض المعركة مُنفردًا، وكانت غير مُتكافئة لِأنَّ القيادة المغوليَّة نجحت في ضمِّ جُزءٍ كبيرٍ من القُوَّات القفجاقيَّة. وجرى اللقاء الدامي بين الطرفين بِالقُرب من جسر قرية «موهي» الواقعة على نهر سايو، أحد فُرُوع نهر الطونة (الدانوب)، وأحرز المغول انتصارًا باهرًا على الجيش المجري، وسقطت بست في أيديهم، وهرب بيلا الرابع مُلتجئًا إلى النمسا، ثُمَّ غادرها إلى زغرب فساحل البحر الأدرياتيكي، عندما شعر بِأنَّ القُوَّات المغوليَّة تتعقَّبه، وقد وصلت إلى سواحل دلماسيا على البحر المذكور، وتوغَّلت حتَّى مدينة «كاتارو». ولِعدم وُجُود قُوَّات بحريَّة لدى المغول لم يكن بِوسعهم أن يتعاملوا مع هذه المنطقة الساحليَّة. وسيطر المغول على كامل بلاد المجر حتَّى نهر الطونة. وارتاعت أوروپَّا من أخبار انتصارات المغول وتتابع زحفهم، فأرسل البابا جرجير التاسع كتابًا إلى فردريك الثاني إمبراطور الرومانيَّة المُقدَّسة، ولويس التاسع ملك فرنسا، وغيرهما من مُلُوك أوروپَّا، يحُثُّهم على التعاون والتهيُّؤ لِإعلان حربٍ صليبيَّةٍ ضدَّ الغُزاة، لكنَّ أحدًا لم يستجب.
وفي الوقت الذي كان فيه المغول يتوغَّلُون في أوروپَّا إذ بِالأنباء ترد إليهم تُعلن وفاة الخاقان الأعظم أوقطاي في سنة 639هـ المُوافقة لِسنة 1241م، واستدعاء باطو وسائر الأُمراء الذين يُرافقونه لِحُضُور القورولتاي والاشتراك في انتخاب الخاقان الجديد. وبِذلك نجا الشطر الغربي من أوروپَّا من خطر المغول. وغادر باطو الأراضي المجريَّة، بعد مُرُور سنة، مُكتفيًا بِتبعيَّتها له من الناحية الإسميَّة، وترتب على حملاته أن امتدَّ سُلطانه في غربيّ نهر الڤولغا. وأضحت هذه الأملاك الشاسعة، من الناحية القانونيَّة، لهُ ولِخُلفائه، وعلى هذا الشكل قامت خانيَّة القبيلة الذهبيَّة.