اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
شهد القرن التاسع عشر تنامي شعبية موضوعات الاستشراق في المشهد الأجبي والفني الأوروبي، وكان موضوع الفنتازيا وتصوير فروسية البارود، إحدى التيمات المفضلة لرسامي تلك الفترة.
يعتبر الرسام والأديب أوجين فرومنتان، تلميذا لدولاكروا، في تناول موضوع الفنتازيا، تشكيليا؛ إلا أنه بخلاف دولاكروا الذي كان يرجح بعد الحركة في أعماله، ركز فرومنتان أكثر على الاستحضار المكاني للأجواء المحيطة بالاستعراضات. في كتابه "سنة في منطقة الساحل"، يدعو فرومنتان قراءه لاستحضار وتخيل الجماليات الرفيعة للفنتازيا، "بكل ما فيها من فوضى وتهور، وسرعة معجزة وألوانها الصارخة التي تؤجج أشعة الشمس لمعانها "؛ يصف فرومنتان في كتابه، تداخل الصيحات الحماسية للفرسان بزغاريد النساء ووقع حوافر الجياد المرهب، مما ينتج سياقا صوتيا فريدا يضفي جمالية على الاستعراض.
في نفس الكتاب، دعا فرومنتان دولاكروا لأن يدمج المقاربة الفنية السالفة في أعماله، معتبرا إياه الرسام الوحيد القادر على إسقاط الفنتازيا تشكيليا، وبأنه من يملك أعلى درجات الخيال والجرأة الفنيين لتصوير هذا الموضوع، خصوصا وأنه، حسب فرومنتان، أفضل من عاين وأدرك، بعمق، مكنون الفنتازيا. لم يستجب دولاكروا لدعوة فرومنتان، مما دفع الأخير لأن يجسد بنفسه مقاربته الشخصية الفنية، والتي تجلت في لوحة فانتازيا: الجزائر (1869)، والمعروضة، حاليا، في متحف سانت كروا في بواتيي.
في عام 1846 قام فرومنتان، برفقة عدد من أترابه، برحلة إلى الصحراء الجزائرية. ووقع تحت سحر الصحراء. فكان فرومنتان واحداً من أوائل الوصافين التصويريين في الجزائر. ولما كان قادراً في سن مبكرة أن يزور الأرض والشعب الذي استوحى منه معظم أعماله، وأن يختزن ذكرياته وصوره بالتفاصيل التصويرية والوصفية للحياة في شمال أفريقيا، فقد حصل في سنة 1849 على وسام من المرتبة الثانية. فرجع إلى الجزائر مرة ثانية، وأقام فيها قرابة سنة كاملة 1847-1848، وفي 1852 قام بزيارة ثالثة للجزائر، مصاحباً بعثة تنقيب عن الآثار، وفيها أكمل دراسته الدقيقة لمناظر البلد وعادات شعبه، الأمر الذي مكنه من أن يعطي عمله دقة واقعية تأتي من المعرفة اللصيقة. كما زار مصر. وقد رسم في هذه الرحلات عدداً كبيراً من اللوحات ذات الموضوعات الاستشراقية الفجّة (أحصنة تعدو، جاريات جميلات، شيوخ قبائل...)، كما جمع فيها كثيراً من الانطباعات، نشرها في ثلاثة مجلدات: «صيف في الصحراء الكبرى» عام 1857، «عام في منطقة الساحل» عام 1859، «انطباعات من رحلة إلى مصر» عام 1881. وكما هي الحال لدى غالبية كتاب الرحلات الأوربيين يضيف فرومنتان إلى الوصف الظاهري للمناطق التي زارها والشعوب التي قابلها أحكام قيّمة مبنية على معايير مركزية أوروبية، وهذا ما يجعله يقول مثلاً: «إن العرب هم الشعب الوحيد الذي استطاع الاحتفاظ بكبريائه لأنه عرف كيف يبقى بسيطاً في حياته وتقاليده وأسفاره وسط الشعوب الأخرى المتمدنة».