الحذف على وجه الجواز
لا يُحذف شيءٌ في اللغة العربية وفقاً لجمهور النحاة، إِلَّا في حالات استثنائية يحدّدها النحويون، غير أَنَّ جزءاً من الكلام قد يُخفى إذا ذُكِرَ من قبل بحيث يصير من العبث إعادة ذكره، وهو ما يُسَمِّيه بعض النحاة حذفاً، ويشترط في ذلك ألَّا يحدث أي لبس في المعنى، مثل: «فَوقَ الطَّاوِلَةِ» جواباً لمن يسأل «أَينَ القَلَمُ؟»، فحُذِفَ المبتدأ لوجود قرينة معنوية تدلُّ عليه. وفي مقابل إمكانية الحذف فيمكن كذلك إظهار المبتدأ الممكن حذفه، فيجوز القول: «القَلَمُ فَوقَ الطَّاوِلَةِ» جواباً على السؤال السابق. ويَكثُر حذف المبتدأ في العناوين، كعناوين الكُتب أو الصحف أو الشركات أو المنظمات أو المنشئات وغيرها، وعادة ما يُقدر المبتدأ المحذوف اسمَ إشارة للمذكر أو المؤنث، ومثل العناوين محذوفة المبتدأ لافتة في واجهة مبنى مكتوب عليها: «مَركَزُ الشُّرطَةِ»، والتقدير قبل حذف المبتدأ «هَذَا مركز الشرطة». ويَكثر حذف المبتدأ أيضاً في جملة جواب الاستفهام، مثل: «فِي البَيتِ» جواباً لمن يسأل: «أَينَ مُحَمَّدٌ؟»، حيث شبه الجملة «فِي البَيتِ» خبر لمبتدأ محذوف تقديره «مُحَمَّدٌ»، وتقدير الجملة قبل حذف المبتدأ: «مُحَمَّدٌ فِي البَيتِ». ويُحذف المبتدأ إذا وقع بعد فاء الجواب، مثل: «إِذَا صَلَّى الإِمَامُ فَفِي المَسجِدِ»، وتقدير الجملة قبل حذف المبتدأ: «إِذَا صَلَّى الإِمَامُ فَصَلَاتُهُ فِي المَسجِدِ». ويُحذَف المبتدأ بعد القول، مثل: «قَالُوا: أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين» والتقدير قبل حذف المبتدأ: «قَالُوا: هِيَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين». ويُحذَف المبتدأ إذا كان الخبر بمعنى صفة له، مثل: «التَّائِبُونَ العَابِدُونَ» والتقدير: «هُمُ التَّائِبُونَ العَابِدُونَ». ولا يشترط أن يبقى الخبر مذكوراً بعد حذف المبتدأ، فقد يحذف كلاهما، فيقال مثلاً: «نَعَم» لمن يسأل «هَل مُحَمَّدٌ هُوَ المُشرِفُ؟»، والأصل أن يتبع «نَعَم» جملة اسمية أو فعلية، فيكون التقدير قبل الحذف: «نَعَم، مُحَمَّدٌ هُوَ المُشرِفُ».
الحذف على وجه الوجوب
في جميع الحالات السابقة المبتدأ يُحذَفُ جوازاً، فبالإمكان إظهاره وبالإمكان إخفاءه، والأمرُ عائد إلى المتكلِّم فله الحريّة في حذفه أو الإبقاء عليه. غير أنَّ هناك حالات معينة يوجب فيها حذف المبتدأ ولا يصحُّ إظهاره، وهي:
- يجب حذف المبتدأ إذا أُخبر عنه بنعت مقطوع، وهو النعت الذي يلزم الرفع مماثلةً للخبر في إعرابه ولا يتبع المنعوت، والنعت المقطوع من أساليب الاختصار في العربية، ولا يقطع النعت إلا لإفادة المدح، مثل: «رَأَيتُ الجُندِيَّ الشُّجَاعُ» أو لإفادة الذم، مثل: «رَأَيتُ المُجرِمِينَ الحُقَرَاءُ» أو الترَحُّم، مثل: «سَمِعتُ عَنِ الطِّفلَةِ المِسكِينَةُ». ويعرب النعت المقطوع خبر لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره ضمير منفصل يماثل النعت من ناحية التذكير والتأنيث ومن ناحية العدد، فيُقدَّر المبتدأ المحذوف وجوباً في الجمل السابقة على النحو: «رَأَيتُ الجُندِيَّ هُوَ الشُّجَاعُ»، «رَأَيتُ المُجرِمِينَ هُمُ الحُقَرَاءُ»، «سَمِعتُ عَنِ الطِّفلَةِ هِيَ المِسكِينَةُ».
- ويُوجب حذف المبتدأ عندما يكون خبره مخصوص بالمدح أو الذم، مؤخر عن فعلي المدح والذم، مثل: «نِعمَ العَامِلُ أَحمَدٌ» أو «بِئسَ الطَالِبَةُ فَاطِمَةٌ» حيث «أَحمَدٌ» المخصوص بالمدح و«فَاطِمَةٌ» المخصوصة بالذم خبر لمبتدأ محذوف وجوباً، تقدير المبتدأ «هُوَ» في المثال الأول و«هِيَ» في المثال الثاني، وتقدير الجملة الأولى قبل الحذف الواجب للمبتدأ: «نِعمَ العَامِلُ هُوَ أَحمَدٌ» وتقدير الجملة الثانية: «بِئسَ الطَالِبَةُ هِيَ فَاطِمَةٌ».
- عندما يكون الخبر من الألفاظ التي تدلُّ على القسم، وجواب القسم حينها سدَّ مسدَّ المبتدأ، مثل: «فِي ذِمَّتِي لَأنقُذَنَّكَ» حيث شبه الجملة «فِي ذِمَّتِي» خبر لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره «يَمِينٌ» أو «قَسَمٌ» أو «عَهدٌ»، سدَّ مسدَّه جواب القسم وهو الجملة الفعلية «لَأنقُذَنَّكَ»، وتقدير الجملة قبل الحذف: «فِي ذِمَّتِي يَمِينٌ أَو لَأنقُذَنَّكَ». ومن الألفاظ الأخرى الدَّالة على القسم: «فِي عُنُقِي لَأَكرِمَنَّكَ كَثِيراً» بمعنى «فِي عُنُقِي قَسَمٌ لَأَكرِمَنَّكَ كَثِيراً».
- ويُحذف المبتدأ عندما يكون الخبر مصدراً يعمل عمل فعله، مثل: «صَبرٌ جَمِيلٌ»، وتقدير الجملة قبل الحذف: «صَبرِي صَبرٌ جَمِيلٌ». ومن مثل هذا أيضاً: «سَمعٌ وطَاعَةٌ»، وتقدير الجملة مع المبتدأ المحذوف وجوباً: «أَمرِيَ - أو حَالِي - سَمعٌ وَطَاعَةٌ». ويثير البعض شكوكاً حول هذه النقطة باعتبار أنَّ المصدر «صَبرٌ» لم يتضمن معنى الفعل ولم يعمل عمله، كما أنَّ المصدر جاء مرفوعاً في المثالين السابقين المستشهد بهما لإثبات صحة هذه القاعدة، والمشهور أنَّ المصدر يعمل عمل فعله عندما يكون مفعولاً مطلقاً، فيكون عندها منصوباً، ويرى محمد بهجة البيطار أنَّ «صَبرٌ» هو في الأصل مصدر منصوب يعمل عمل الفعل، إلَّا أنَّه رُفِعَ للدلالة على الثبوت والدوام.
- إذا كان الخبر هو الاسم المرفوع بعد «لَاسِيَّمَا» التي تأتي بمعنى الاستثناء، فمبتدؤه محذوف وجوباً، مثل: «أَكرِم الضِّيُوفَ لَاسِيَّمَا أَحمَدٌ» والتقدير قبل الحذف «هُوَ أَحمَدٌ».
- عندما يجيء المبتدأ بعد مصدر يعمل عمل فعله، وتعلَّقَ بالمصدر حرف جر واسم مجرور لتبيان الفاعل أو المفعول به، مثل: «سُحقاً لَكَ» أو «تُعساً لَكَ» أو «تَبّاً لَكَ» أو «سَقياً لَكَ»، وهذه المصادر تعرب مفعول مطلق لفعل محذوف وجوباً، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف وجوباً تقديره «الدُّعَاءُ»، وتقدير الجملة قبل الحذف الواجب: «سَحُقَتَ سُحقاً، الدُّعَاءُ لَكَ»، أي «بَعُدَتَ بُعداً». والملاحظ أنَّ هذا التعبير يتكون في الأساس من جملتين، جملة فعلية محذوف فعلها والظاهر منها المفعول المطلق، وجملة اسمية محذوف مبتدؤها وجوباً والظاهر منها ما هو متعلق بمحذوف الخبر. والضمير الواقع بعد حرف الجر جاء لتبيان الفاعل في المثال السابق، وهو ليس في محل رفع فاعل، ولم يجز تعليق حرف الجر بالمصدر لأن تعدِّي حرف اللام يكون إلى المفعول به لا الفاعل.
إذا حُذِفَ أحد ركني الجملة الاسمية ولم يُعرَف ما إذا كان الاسم الظاهر مبتدأ أو خبر، اختلف النحاة في هذه المسألة، فبينما يذهب فريق منهم إلى جعل المبتدأ هو المحذوف، ومنهم الواسطي النحوي الذي علَّلَ موقفه بكون الخبر هو موطن الفائدة في الجملة، فإنَّ فريقاً آخر يجعل المحذوف هو الخبر، ومنهم أبو طالب العبدي "لأَنَّ التجوز أواخر الجملة أسهل" حسب قوله. وفي بعض الأحيان يقع اللبس بين المبتدأ والفعل في تحديد أيَّهما اللفظ المحذوف، فيُختلف في إعراب الاسم الظاهر من كونه فاعل لفعل محذوف أو خبر لمبتدأ محذوف. ويفضِّل ابن هشام الأنصاري اعتبار المحذوف مبتدأ لأنَّ الخبر كما يقول عين المبتدأ، أي أنَّ الخبر يشارك المبتدأ في الكثير من الصفات من ناحية المدلول، مما يؤهله للقيام بدور المبتدأ أو أجزاء منه على الأقل، وعلى النقيض لا نجد مثل هذا التماثل في المدلول بين الفعل والفاعل.
المصدر: wikipedia.org