اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هناك نظرية أخرى تحاول تفسير نمو وتطور الذكاء البشري، وهي نظرية العدوان المخفضة (وتعرف أيضاً باسم نظرية ترويض الذات). وفقاً لطريقة التفكير هذه، فانخفاض النزعة العدوانية هو السبب في تطور الذكاء المتقدم عند الإنسان العاقل. ويفصلنا هذا التغيير عن الأنواع الأخرى من القرود والرئيسيات، حيث نستطيع ملاحظة سلوكها العدواني بوضوح. كما أدى هذا الانخفاض في النهاية إلى تطوير سمات الإنسان الجوهرية كالتعاطف والإدراك الاجتماعي والثقافة.
حصلت هذه النظرية على دعمٍ قوي قدمته الدراسات المتعلقة بتدجين الحيوانات: حيث أدى التكاثر الانتقائي بهدف الترويض –في بضعة أجيال فقط –إلى ظهور قدرات “إنسانية” مثيرة للإعجاب. فعلى سبيل المثال، تُظهر الثعالب المروّضة أشكالاً متطورة من التواصل الاجتماعي (تتبّع إيماءات الإشارة) والسمات الفيزيائية الشكلية (كالوجه الطفولي والأذنين المرنتين)، وحتى الأشكال البدائية لنظرية العقل (البحث عن العين وتتبع النظر). تأتي الأدلة أيضاً من مجال علم الأخلاقيات، فوجد أن الحيوانات ذات الأسلوب اللطيف والمريح في التفاعل مع بعضها البعض –كقرد المكاك البربري والأورانجوتان والبونوبو –تتمتع بقدرات اجتماعية ومعرفية أكثر تقدماً من تلك الموجودة لدى الشمبانزي أو البابون، وهي حيوانات تتميز بعدوانية أكبر. لذا من المفترض أن هذه القدرات المتقدمة ناتجة عن اختيار الحيوانات تخفيض نزعتها العدوانية.
وعلى المستوى الميكانيكي، يُعتقد أن هذه التغييرات ناتجة عن التثبيط الممنهج للجهاز العصبي الودي (المسؤول عن ردود أفعال كالقتال، أو منعكسات كالطيران). لذا تُظهر الثعالب المروضة تقلصاً في حجم الغدة الكظرية، وانخفاضاً بنحو خمسة أضعاف في مستويات الكورتيزول القاعدية أو الناتجة عن التوتر على حد سواء. كما أظهرت الفئران المستأنسة والخنازير الغينية تقلصاً في حجم الغدة الكظرية وانخفاضاً في مستويات الكورتيكوستيرون في الدم.
يبدو وكأن استدامة المرحلة الطفولية عند الحيوانات المدجنة أو المستأنسة تثبط بشكل كبير نضج الغدة النخامية والكظرية والمهاد (أما في الحالة الطييعية، فتبقى هذه الغدد غير ناضجة لفترة قصيرة فقط، أي عندما تكون الحيوانات في مرحلة مبكرة من عمرها كالجراء والهرر الصغيرة). يفتح ذلك “نافذة اجتماعية أكبر” تساعد الحيوانات على تعلم التفاعل مع أصحابها والقائمين على رعايتها بطريقة مريحة.
يصاحب تثبيط فعالية الجهاز العصبي الودي زيادةً تعويضية في عددٍ من الأجهزة والأنظمة مقابلة. إن هذه الزيادة التعويضية غير محددة تماماً، لكن اقترح أنها تحدث في عددٍ من هذه “الأعضاء” كالجهاز نظير الودي بالمجمل، والباحة الحاجزية فوق اللوزة ونظام الأوكسيتوسين والأفيونيات باطنية المنشأ ومختلف أشكال الحركات الساكنة التي تتعارض مع منعكسات وأفعال لا إرداية كالقتال أو الطيران.