اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد أن استقرت الأوضاع السياسية لعبد الملك بن مروان، وتم الإجماع على بيعته في الدولة الإسلامية، سعى عبد الملك إلى خلع أخيه عبد العزيز بن مروان من ولاية العهد لتعيين ابنه الوليد بن عبد الملك مكانه. تحدثت المصادر التاريخية عن عزم عبد الملك على نقض بيعة أبيه مروان بن الحكم لأخيه عبد العزيز، وأن عبد الملك كان يلقى الدعم والتأييد لهذه الخطوة من الشخصيات المقربة لديه أمثال روح بن زنباع والحجاج بن يوسف الثقفي اللذان شجعاه لاتخاذ هذا القرار. يقول ابن الأثير الجزري: «كان عبد الملك بن مروان أراد أن يخلع أخاه عبد العزيز من ولاية العهد ويبايع لابنه الوليد بن عبد الملك فنهاه عن ذلك قبيصة بن ذوئيب وقال: لا تفعل فإنك تبعث على نفسك صوتا. فدخل عليه روح بن زنباع وكان أجل الناس عند عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين لو خلعته ما انتطح فيه عنزان وأنا أول من يجيبك إلى ذلك. قال: نصبح إن شاء الله، ونام روح عند عبد الملك فدخل عليهما قبيصة بن ذؤيب وهما نائمان وكان عبد الملك قد تقدم إلى حجابه أن لا يحجبوا قبيصة عنه وكان إليه الخاتم والسكة تأتيه الأخبار قبل عبد الملك والكتب، فلما دخل سليم عليه قال: آجرك الله ما كنا نريد وكان ذلك مخالفًا لك يا قبيصة، فقال قبيصة: يا أمير المؤمنين إن الرأي كله في الأناة فقال عبد الملك: وربما كان في العجلة خير كثير رأيت أمر عمرو بن سعيد ألم تكن العجلة فيه خيرًا من الأناة». وقال أيضًا: «وقيل إن الحجاج كتب إلى عبد الملك يزين له بيعة الوليد وأوفد في ذلك وفدًا فلما أراد عبد الملك خلع عبد العزيز والبيعة للوليد كتب إلى عبد العزيز: إن رأيت أن يصير هذا الأمر لابن أخيك، فأبى فكتب إليه ليجعل الأمر له ويجعله له أيضًا من بعده، فكتب إليه عبد العزيز: إني أرى في ابني أبي بكر ما ترى في الوليد، فكتب إليه عبد الملك ليحمل خراج مصر فأجابه عبد العزيز: إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنًا لم يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلًا وإنا لا ندري أينا يأتيه الموت أولًا فإن رأيت أن لا تفسد علي بقية عمري فافعل، فرق له عبد الملك وتركه، وقال للوليد وسلميان: إن يرد الله أن يعطيكما الخلافة لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك، فقال عبد الملك حيث رده عبد العزيز: اللهم إنه قطعني فاقطعه».
ساهمت وفاة عبد العزيز بن مروان في فتح الطريق أمام عبد الملك لتحقيق أهدافه وسهلت عليه مهمته، فلجأ فور وفاة عبد العزيز إلى أخذ البيعة لولديه الوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك بولاية العهد من بعده، وبذلك يكون عبد الملك قد حصر الحكم في نسله. قال ابن الأثير الجزري: «فلما مات عبد العزيز قال أهل الشام: رد على أمير المؤمنين أمره، فلما أتى خبر موته إلى عبد الملك أمر الناس بالبيعة لابنيه الوليد وسلميان فبايعوا وكتب بالبيعة لهما إلى البلدان، وكان على المدينة هشام بن إسماعيل فدعا الناس إلى البيعة فأجابوا إلا سعيد بن المسيب فإنه أبى وقال: لا أبايع وعبد الملك حي فضربه هشام ضربًا مبرحًا وطاف به وهو في تبان شعر حتى بلغ رأس الثنية التي يقتلون ويصلبون عندها ثم ردوه وحبسوه».
لما حضرت عبد الملك بن مروان الوفاة جمع ولده وفيهم مسلمة بن عبد الملك وكان سيدهم، فقال: «أوصيكم بتقوى الله تعالى فإنها عصمة باقية وجنة واقية، وهي أحصن كهف وأزين حلية، وليعطف الكبير منكم على الصغير، وليعرف الصغير منكم حق الكبير، مع سلامة الصدور، والأخذ بجميل الأمور، وإياكم والفرقة والخلاف فبهما هلك الأولون، وذل ذوو العزة المعظمون، انظروا مسلمة فاصدروا عن رأيه فإنه نابكم الذي عنه تفترون ومجنكم الذي به تستجنون، وأكرموا الحجاج فإنه وطأ لكم المنابر وأثبت لكم الملك، وكونوا بني أم بررة وإلا دبت بينكم العقارب، كونوا في الحرب أحرارا وللمعروف منارا، واحلولوا في مرارة، ولينوا في شدة، وضعوا الذخائر عند ذوي الأحساب والألباب، فإنه أصون لأحسابهم وأشكر لما يسدى إليهم، ثم أقبل على ابنه الوليد فقال: لا ألفينك إذا مت تجلس تعصر عينيك وتحن حنين الأمة، ولكن شمر وائتزر والبس جلدة نمر ودلني في حفرتي وخلني وشأني وعليك وشأنك، ثم ادع الناس إلى البيعة فمن قال هكذا فقل بالسيف هكذا، ثم أرسل إلى عبد الله بن يزيد بن معاوية وخالد بن أسيد. فقال: هل تدريان لم بعثت إليكما، قالا: نعم لترينا أثر عافية الله تعالى إياك. قال: لا، ولكن قد حضر من الأمر ما تريان، فهل في أنفسكما من بيعة الوليد شيء، فقالا: لا، والله ما نرى أحدا أحق بها منه بعدك يا أمير المؤمنين، قال: أولى لكما، أما والله ولو غير ذلك قلتما لضربت الذي فيه أعينكما». توفي عبد الملك يوم الخميس في منتصف شهر شوال 86 هـ الموافق 9 أكتوبر 705م بدمشق، عن عمر بلغ الستين عامًا، وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة وشهرًا ونصف من مستهل رمضان سنة 65 إلى منتصف شوال سنة 86. وكانت خلافته منذ قتل ابن الزبير واجتماع الكلمة حوله 13 سنة و5 أشهر.