اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
زعم ألتوسير أن فكر ماركس قد أسيء فهمه ولم يمنح حق قدره. كما أنه أدان عدة توجهات تأويلية لأعماله - التاريخوية، المثالية والاقتصادوية - بسبب أنها لم تستوعب أنه في "علم التاريخ"، المادية التاريخية، قام ماركس ببناء نظرة ثورية للتتغيير الاجتماعي. هذه الأخطاء، حسب رأيه، كانت نتاج الاعتقاد أن كافة أعمال ماركس يمكن قراءتها كأنها وحدة متماسكة. بدلا من ذلك، اعتقد ألتوسير أنها حوت "انقطاعا معرفيا". لقد كانت مؤلفات ماركس الشاب تقع داخل حدود الفلسفة الألمانية والاقتصاد السياسي الكلاسيكي، لكن في الأيديولوجيا الألمانية (كتب عام 1945) هنالك ابتعاد غير مسبوق عما سبقه يمثل طرح أسئلة ومقترحات مركزية مختلفة بشكل أساسي. المشكلة (بحسب رأي ألتوسير) تعقدها الحقيقية أنه حتى ماركس بنفسه لم يستوعب كليا أهمية أعماله، مما جعله يوصلها بشكل غير مباشر ومتردد. يمكن الكشف عن هذا التحول بواسطة "قراءة عوارضية" متأنية. لذلك فقد كان مشروع ألتوسير أن يساعدنا على استيعاب أصالة وقوة نظرية ماركس المتميزة، منتبهين لما لا يقال قدر ما ننتبه يقال صراحة. لقد رأى أن ماركس اكتشف "قارة من المعرفة"، التاريخ، بما يوازي مساهمات طاليس للرياضيات، غاليليو للفيزياء أو حتى فرويد للتحليل النفسي، بمعنى أن بنية نظريته تختلف كليا عن نظريات من سبقوه.
اعتقد ألتوسير أن أعمال ماركس غير متوافقة بشكل أساسي مع ما سبقها لأنها مبنية على أسس معرفية تجديدية رفضت التمييز بين الفاعل والمفعول. بعكس الإمبيريقية، ادعى ألتوسير أن فلسفة ماركس، المادية الجدلية، عارضت نظرية المعرفة كرؤيا بنظرية معرفة كإنتاج. من وجهة النظر الإمبيريقية، فإن الفاعل العالم يصادف مفعولا حقيقيا ويكشف جوهره بواسطة التجريد. مفترضا أن للافكار علاقة مباشرة بالواقع، أو أن مشاهدة بلا وسيط لمفعول "حقيقي"، يعتقد الإمبيريقي أن حقيقة المعرفة كامنة في تراسلات فكر الفاعل ومفعول خارج عن الفكر نفسه. في المقابل، يزعم ألتوسير أنه يفتقد في أعمال ماركس نظرة للمعرفة على أنها "فعل نظري". بالنسبة لألتوسير فإن الممارسة النظرية تحدث كليا في مملكة الفكر، متعاملة مع مفعولات نظرية دون أي علاقة مباشرة مع المفعول الحقيقي الذي نسعى لمعرفته. هذه الممارسة النظرية تنتج معرفة بواسطة ثلاثة "كليات": أولا، "المادة الخام" للأفكار ما-قبل العلمية، التجريديات والحقائق؛ ثانيا، إطار مفاهيمي (أو "مسأليّ") يوجهها؛ ثالثا، المنتوج النهائي للكيان النظري المتحول، المعرفة الملموسة. بحسب وجهة النظر هذه، فإن سريانية المعرفة لا يضمنها توافقها مع الشيء الخارجي بحد ذاته؛ بما أن المادية التاريخية علم، فإنها تحوي أساليبها الداخلية الخاصة للبرهان. لذلك فإنها غير محكومة بمصالح المجتمعية، الطبقية، الأيديولوجية أو السياسية وهي منفصلة عن اقتصاد البنية الفوقية.
بالإضافة إلى ذلك، بسبب ابستمولوجيتها الفريدة فإن نظرية ماركس مبينة على مفاهيم - مثل قوى وعلاقات الإنتاح - لا مقابل لها في الاقتصاد السياسي الكلاسيكي. حتى عند تبني مصلحات موجودة - مثل مجموعة أفكار دافيد ريكاردو حول الأجرة، الربح والفائدة من خلال نظرية القيمة الفائضة - فإن معناها وعلاقتها بالمفاهيم الأخرى في النظرية مختلفة بشكل ملموس. مسألة أهم في "انقطاع" ماركس هي رفض فكرة الكائن الاقتصادي أو الفكرة في الاقتصاد الكلاسيكي بأن احتياجات الأفراد يمكن التعامل معها كحقيقة أو "معطى" مستقل عن أي تنظيم اقتصادي. بالنسبة للاقتصاديون الكلاسيكيون فإن تلك الاحتياجات الفردية يمكن اعتبارها افتراضا أساسيا لنظرية تشرح طبيعة نمط الإنتاج وكنقطة بداية مستقلة لنظرية حول المجتمع. بينما يعتبر الاقتصاد السياسي النظم السياسية ردا للاحتياجات الفردية، فإن تحليل ماركس أخذ يفسر مدى أوسع من الظواهر الاجتماعية بحسب الدور الذي تلعبه في كل منظم. بناء على ذلك، فإن كتاب ماركس رأس المال أقدر على تفسير الظواهر من الاقتصاد السياسي، لأنه يزودنا بنموذج اقتصادي وبوصف لبنية وتطور المجتمع على حد السواء. بحسب وجهة نظر ألتوسير، لم يكتف ماركس بالزعم أن احتياجات المرء تخلقها بشكل أساسي بيئته الاجتماعية مما يؤدي إلى اختلافها بتبدل الزمان والمكان؛ بل إنه هجر فكرة إمكانية وجود نظرية يمكنها تفسير ماهية للناس دون اللجوء لنظرية عن كيف أصبح الناس هكذا.
رغم أن ألتوسير تمسك في البداية بالادعاء القائل بوجود انقطاع معرفي إلا أنه لاحقا قال أن نقطة التحول التي حدثت حوالي عام 1845 لم نكن واضحة إذ أن آثارا من الفكر الإنساني، التاريخوية والهيغلية موجودة في رأس المال. حتى أنه ادعى أنه فقط في كتاب ماركس نقد برنامج غوتا وبعض الملاحظات الهامشية على كتاب من تأليف أدولف فاغنر كانت متحرر كليا من الأيديولجية الإنسانية. بناء على ذلك، استبدل ألتوسير تعريفه المبكر لفلسفة ماركس على أنها "نظرية حول الممارسة النظرية" بإيمان جديد بوجود "سياسة في حقل التاريخ". اعتبر ألتوسير الانقطاع المعرفي عملية وليس حدثاواضح المعالم، نتاج الصراع غير المتواصل ضد الأيديولجية. لذا فإن الفصل التام بين الأيديولوجية والعلم أو الفلسفة لا يؤكده حصول الانقطاع المعرفي