اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
بعد تخلُّصه من مُشكلة أخيه، استعاد السُلطان بايزيد النظام في الدولة، فبعد تعيين قاسم بك أميرًا على ناحية «إيج إيلي»، زال التهديد القرماني تمامًا، وأصبحت البلاد القرمانيَّة مُرتبطة بِالدولة العُثمانيَّة ارتباطًا نهائيًّا. وأعاد السُلطان لِلأشراف اعتبارهم الذي فقدوه في عهد أبيه الفاتح، وأعاد لِلأوقاف شرعيَّتها، كما أعاد الأملاك التي أُعطيت لِأصحاب التيمارات إلى مالكيها القُدماء. كذلك، عزل السُلطان الصدر الأعظم إسحٰق باشا وأمره بِأن يظل مُتقاعدًا في سالونيك، وأمر بِإعدام الوزير كدك أحمد باشا لِثلاثة أسبابٍ رئيسيَّة: أوَّلُها أنَّ الباشوان المذكوران كانا صاحبا السُلطة الفعليَّة على أرض الواقع مُنذُ أن أوصلا بايزيد إلى العرش وأعاناه على أخيه، ومن المعروف أنَّ إسحٰق باشا كان حمًا لِأحمد باشا، وكان كلاهما يتمتعان بِشعبيَّةٍ كبيرةٍ وسط الإنكشاريَّة ويقدران على تحريكها. وثانيها أنَّ كدك أحمد باشا كان راغبًا بِالاستمرار بِحملاته على العالم المسيحي الغربي، وآثر إعلان الحرب على الإسبتاريين في رودس لأنَّهم حموا الشاهزاده جَمّ، في حين أنَّ بايزيد كان يُؤثر عدم مُعاداتهم لِلاتفاق المُبرم بينهم وبين العُثمانيين بِخُصُوص التحفُّظ على جَمّ سُلطان، كما أنَّهُ رغب بِالابتعاد عن الحرب بعدما أرهقت فُتُوحات السُلطان مُحمَّد الدولة العُثمانيَّة على الصعيدين المالي والبشري، إلَّا أنَّ الوزير أصرَّ على الحرب وانتقد السُلطان الجديد لِاتباعه السياسة السلميَّة، فغضب عليه بايزيد. وثالثها أنَّ كدك أحمد باشا كان يُظهر القسوة والغِلظة في مُعاملته الرعايا، فكثُر التذمُّر منه، واستغلَّ هذا الأمر الحُسَّاد والسُعاة فأوغروا صدر السُلطان عليه أكثر. فلمَّا تجمَّعت كُل هذه الأسباب أمر السُلطان بِإعدام الوزير المذكور، وعيَّن في الصدارة العُظمى داود باشا الأرناؤوطي أمير سنجق البوسنة خلفًا لِإسحٰق باشا. أمام هذه التغييرات التي طالت أقرب سياسيين إلى الإنكشاريَّة، أخذ قادتها يُظهرون امتعاضهم واستيائهم، فتخلَّص السُلطان من بعضهم بِأن أرسلهم إلى أماكن بعيدة بِحُجَّة أشغالٍ مُهمَّة، لكنَّ صُفُوفهم لم تهدأ رُغم ذلك، فاضطرَّ السُلطان أن يُشغلهم بِالحرب كي لا يُقلقوا راحة الدولة، وحتَّى يُقوِّي سُلطته عليهم، فاستغلَّ انهيار الصُلح مع المجر الذي تبع وفاة السُلطان الفاتح، والغارات المُتبادلة بين العُثمانيين والمجريين، وتجهَّز لِلحرب والجهاد.
توجَّه السُلطان في شهر ربيعٍ الأوَّل سنة 888هـ المُوافقة لِسنة 1483م إلى فيلپَّة بالروملِّي، ثُمَّ أرسل جيشًا فعبروا من نهر الموراوة، وعمَّروا القلاع التي كان السُلطان مُحمَّد الفاتح قد أمر بِهدمها، وأقام السُلطان في نواحي صوفيا إلى أن تمَّ التعمير. والحقيقة أنَّ أي صدامٍ بين العُثمانيين والمجريين لم يحصل، فأمام استعراض القُوَّة العُثماني، وانشغال ملك المجر متياس كورڤن بِصراعه مع الإمبراطور الألماني، جنح إلى الصُلح الذي اقترحهُ السُلطان، فأُمضيت هُدنة بين الطرفين مُدَّتُها خمس سنوات. ثُمَّ حوَّل السُلطان أنظاره ناحية إمارة البُغدان، إذ كان أميرُها السابق أسطفان بن بُغدان، الذي هزمه السُلطان الفاتح مرَّتين في معركتيّ واسلوي والوادي الأبيض، وفرَّ هاربًا إلى بولونيا، قد عاد إلى بلاده، واستغلَّ فترة انشغال بايزيد بِقتال أخيه جَمّ لِيتدخَّل في شُؤون إمارة الأفلاق الخاضعة لِلدولة العُثمانيَّة، فأزاح أميرها المُوالي لِلعُثمانيين «بساراب الأصغر» وقتلهُ في إحدى المعارك، واستبدلهُ بِالأخ غير الشقيق لِڤلاد دراكول المُخوزق، المدعو «ڤلاد الراهب». لكنَّ الأخير لم يلبث أن اعترف بِتبعيَّته لِلسُلطان، ممَّا دفع بِأسطفان بن بُغدان إلى التحالف مع أمير المسكوب إيڤان الثالث خوفًا من أي هُجُومٍ عُثمانيٍّ لن يقوى على دفعه مُنفردًا. ورأى السُلطان في تصرُّف الأمير البُغداني اعتداء وقرَّر الرد عليه، ووضع نصب عينيه افتتاح مدينتيّ كيلية وآق كرمان، التي لم يتمكَّن السُلطان مُحمَّد الفاتح من إخضاعها تمامًا مع سائر بلاد البُغدان. وهدف السُلطان من وراء استهداف المدينتين المذكورتين إلى تحقيق مُكتسباتٍ استراتيجيَّةٍ واقتصاديَّة. فمن الناحية الاستراتيجيَّة ستؤدي السيطرة عليهما إلى فتح الطريق أمام العُثمانيين إلى بولونيا والمجر، وتمركز الحاميات العُثمانيَّة فيها من شأنه أن يُعرقل تدخُّلات البُغدانيين في الأفلاق. أمَّا على الصعيد الاقتصادي، فإنَّ المدينتين تُعدَّان مينائين تجاريين هامّين، وتقعان على منفذ الطريق الاقتصادي الذي يربط بولونيا وبلاد البلطيق بِالمشرق الإسلامي عن طريق بحر البنطس (الأسود). وبِالاستيلاء على هذين الموقعين تكسب الدولة ثروة كما تُضعف إمارة البُغدان، وسيُحقق العُثمانيُّون السيطرة على مُجمل البحر سالِف الذِكر، وهي النتيجة المأمولة لِلسياسة المُطبَّقة بِشكلٍ واعٍ في المُنطقة مُنذُ عهد السُلطان مُحمَّد الفاتح.
ولمَّا لم تكن البُغدان مشمولةً بِالهُدنة المعقودة مع المجر، كان بِوسع السُلطان بايزيد التحرُّك دون خوف، فأرسل بدايةً إلى الأمير أسطفان يُطالبه بِالخِراج المُستحق على بلاده، ولمَّا لم يلقَ استجابةً، نادى بِجمع الجُيُوش وخرج فيهم إلى صوب أدرنة يوم الجُمُعة 4 ربيع الآخر 889هـ المُوافق فيه 30 نيسان (أبريل) 1484م، وأرسل سُفُنًا مشحونة بِالذخائر والآلات والرجال من بحر البنطس (الأسود) إلى ثغر نهر الطونة (الدانوب) ثُمَّ صُعُودًا عبره إلى المقصد. ولمَّا وصل السُلطان إلى أدرنة أمر ببناء عمارةٍ عظيمة أطلق عليها «دارُ الشِّفاء»، وهي عبارة عن مُجمَّعٍ يضُمَّ بيمارستانًا لِعلاج مُختلف الأمراض وأبرزُها الأمراض العقليَّة، ومدرسة لِتعليم الطب، ومسجدًا جامعًا. وحدث أثناء إقامة السُلطان بِالمدينة أن اندلع فيها حريقٌ كبيرٌ أتى على سوق الحرير، فأمر بِإعادة بناءه بِالحجر والجص، ثُمَّ توجَّه إلى البُغدان، فعبر نهر الطونة بِالسُفن عند قصبة «إيساقجي» في إقليم دبروجة، والتحق به أميرُ الأفلاق مع عسكره. وتجمَّعت الجُيُوش العُثمانيَّة على مدينة «كيلية»، فضربت الحصار عليها يوم 11 جُمادى الآخرة 889هـ المُوافق فيه 5 تمُّوز (يوليو) 1484م، فطلب أهلها الأمان بعد عدَّة أيَّام، فأجابهم السُلطان إلى طلبهم ودخل المدينة صُلحًا يوم 20 جُمادى الآخرة المُوافق فيه 14 تمُّوز (يوليو) من السنتين سالِفتا الذِكر. ثُمَّ توجَّه السُلطان إلى آق كرمان، فقابلهُ في الطريق خان القرم منكلي كراي الجنكيزي يصحبه ولده مُحمَّد كراي، على رأس خمسين ألف مُقاتل من التتر، وهنَّأ السُلطان بِتربُّعه على عرش آل عُثمان وانضمَّ إليه في زحفه على المدينة سالِفة الذِكر. وفي 28 جُمادى الآخرة المُوافق فيه 22 تمُّوز (يوليو) ضرب العُثمانيُّون الحصار على آق كرمان، وجدَّ العساكر في القتال والتضييق على حاميتها حتَّى استأمنوا إلى السُلطان وسلّمُوه القلعة، فدخلها صُلحًا يوم 16 رجب 889هـ المُوافق فيه 8 آب (أغسطس) 1484م، واغتنم الجُنُودُ منها غنائم عظيمة، وصرف بايزيد حصَّته من الغنائم على أعمال الخير وبِالأخص بناء المصالح العامَّة في أدرنة، وأعطى منها أشياء كثيرة إلى خان القرم وقادته وحاشيته، وخلع عليه بِقلنسُوة بيضاء وأسكوفةً(5) مطليَّةً بِالذهب، وأذن لهُ بِالعودة إلى دار مُلكه، فكانت تلك أولى الحملات العسكريَّة التي شارك بها خوانين القرم إلى جانب العُثمانيين، بعد أن أصبحوا يتبعون الدولة العُثمانيَّة زمن السُلطان مُحمَّد الفاتح. وما أن تمَّ أمر هذه الفُتُوحات حتَّى قدِم الأمير أسطفان بِنفسه إلى ركاب السُلطان وأعلن خُضُوعه وتبعيَّته تفاديًا لِحُصُول ما لا تُحمد عُقباه، فقبل منهُ السُلطان ذلك، ثُمَّ قفل وعاد إلى أدرنة، حيثُ استقبل وُفُودًا من رُسُل السلاطين والمُلُوك الذين أتوا لِتعزيته بِوفاة ولده الشاهزاده عبد الله، الذي تُوفي قبل بضعة شُهُور من هذه الوقائع، وتهنئته بانتصاراته، وفي مُقدِّمتهم سُلطان دلهي إسكندر بن بهلول اللودهي، والسُلطان المملوكي قايتباي، وملك المجر متياس كورڤن.
بعد تحقيق هذا النصر، أصبح العُثمانيُّون يتحكَّمُون بِجميع مرافئ بحر البنطس (الأسود)، ممَّا أثار مخاوف الملك البولوني كازيمير الرابع الذي كان حتَّى ذلك الوقت مُحايدًا في صراع العُثمانيين والبُغدانيين، لكنَّهُ رأى أنَّ تحُّكم السلطنة بِثُغُور نهريّ الطونة والدنيپر من شأنه تهديد بلاده، فرأى أن يتدخَّل في إمارة البُغدان، فشكَّل حزبًا مُعاديًا لِلعُثمانيين، وقيل بل انضمَّ إلى حزبٍ قائمٍ يُعارض التقدُّم الإسلامي في البلقان، وحظي بِدعمٍ خجولٍ من الفُرسان التيوتونيين، وتوجَّه هذا الحزب بِالنداء إلى الأمير أسطفان بن بُغدان أن يخلع طاعة السُلطان ويسترد ما أُخذ منه، فاستجاب الأخير وشنَّ هُجُومًا مُفاجئًا على آق كرمان في أواخر ربيع سنة 1485م، لكنَّهُ أخفق في استرداد المدينة، إذ بيَّته من فيها الجُنُود العُثمانيين (أي هاجموه ليلًا)، وانتصروا عليه وأسروا كثيرًا من أصحابه، وقتلوا مثلهم، فعاد خائبًا مُنكسرًا. ولمَّا بلغ السُلطان ما حدث، أرسل إلى بكلربك الروملِّي علي باشا الخادم بِأن يُغير على إمارة البُغدان لِمُعاقبة أسطفان، فسار علي باشا في شعبان سنة 890هـ المُوافقة لِسنة 1485م من طريق الأفلاق، وانضمَّ إليه أميرُها مع عسكره على حسب الأمر السُلطاني، فدخلوا بلاد البُغدان وهرب الأمير أسطفان من أمامهم إلى بولونيا، بينما خضع الكثير من قادته وأتباعه لِعلي باشا، الذي بثَّ السرايا إلى أطراف البلاد فسبوا وغنموا دون تعرُّض لِأتباع المُسالمين، ثُمَّ عادوا أدراجهم وأرسلوا خُمس الغنائم إلى العتبة السُلطانيَّة في إسلامبول. أمَّا الأمير أسطفان فإنَّهُ ما أن دخل بولونيا حتَّى سارع إلى الاستنجاد بِملكها كازيمير وأقسم الولاء له يوم 3 رمضان 890هـ المُوافق فيه 12 أيلول (سپتمبر) 1485م، فأمدَّهُ بِجيشٍ من البولونيين، وأخذ هو يستمدُ من أطراف البُغدان لِأخذ الثأر من العُثمانيين، فاجتمع عليه جمعٌ عظيم، وما لبث أن وصل الخبر إلى أمير سنجق البوسنة إسكندر باشا ميخائيل أوغلي، فأرسل أقدم أُمراء وأشجعهم، وهو علي بك بن مالقوج، لِيُرابط في سيلسترة على تُخُوم إمارة البُغدان ويحفظ تلك الحُدُود، وأطلق يده في الإغارة على بلاد البُغدان وإيصال الخسارة إليها. فجمع علي بك جمعًا عظيمًا من الآقنجيَّة وعساكر الثُغُور، ودخل فيهم بلاد الأعداء، فبثَّ الآقنجيَّة إلى الأطراف وعسكر هو في قليلٍ من خواصه على ضفاف نهر بروت. وعلِم أسطفان بِقلَّة من مع علي بك عن طريق الجواسيس، فانتهز الفُرصة وأحاط بِمُعسكره، ولم يلبث أن تقاتل الطرفان وامتدَّ القتالُ إلى الليل، وكان علي بك قد احتاط في أمره، فجعل عددًا من جُنُوده يكمنون بِالطُبُول والنقَّارات في موضعٍ قريب، حتَّى إذا حلَّ الظلام خرجوا وهم يضربون طُبُولهم ونقَّاراتهم، فاضَّطرب البُغدانيُّون اعتقادًا بِأنَّ جيشًا عُثمانيًّا قد وصل، فانسحبوا من الميدان وتتبَّعهم علي بك فقتل فريقًا وأسر آخر، وفي غُضُون ذلك عاد الآقنجيَّة غانمين، فأرسل علي بك خُمس الغنائم إلى السُلطان وقسَّم الباقي على الجُنُود. حاول الأمير أسطفان أن يُجابه العُثمانيين مُجددًا بعد بضعة شُهُور، فانكسر في وقعةٍ أمام إسكندر بك ميخائيل أوغلي، وكاد أن يُقتل لولا أن أنجده أحد البطاركة المُرافقين لِجيشه. أمام هذا الواقع، لم يجد الأمير البُغداني بدًّا من الاعتراف بِعجزه أمام القُوَّة العُثمانيَّة، فراسل السُلطان بايزيد طالبًا الصُلح، فأجابه إليه وأُبرمت بين الطرفين هُدنة مُدَّتُها ثلاث سنوات تعهَّد فيها أسطفان بِالاعتراف بِتبعيَّته لِلسُلطان وبِدفع خراجٍ سنويٍّ لِلدولة العُثمانيَّة لقاء الاحتفاظ بِاستقلاله الإداري.