اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كان لانتشار الإسلام في مشرق الأرض ومغربها أثر كبير في تطور الخط العربي، كما كان لدخول أقوام كثيرة فيه عامل مكمل لازدهار فنون الخط العربي، وسعي كل قوم وكل قطر إلى أن يميِّز نفسه بخط معين. كما كان لاتباع الفنان المسلم لما حض عليه القرآن والأحاديث النبوية من تحريم وكراهية الرسم والنحت لذوات الأرواح، في انتشار تأييد واسع للخط والكتابة. كان لكتابة لفظ الجلالة أو البسملة اهتمام كبير بين الخطاطين، وقد تعدى هذا الاهتمام من مجرد الكتابة إلا ابتكار الأشكال والإبداعات الخطية. يعد الخطاط خطاطًا ماهرًا إذا كان متقنًا لميزان البسملة، ولا سيما في خط الثلث وخط النسخ، وقد بذل الخطاطون المجودون جهودًا كبيرة في تطوير ميزان البسملة. وللبسملة أثر في الخطاطين، فالمعلمون يتخذون من البسملةً منهاجًا منذ بدء التدريس على مدى قرون حتى وصلت أعلى درجات الجمال والإبداع، ساهمت أكثر من حضارة في تلك الجهود متأثرين بقداسة وعظمة القرآن الكريم. يعتقد الخطاطون بالبسملة خيرًا، ويعدونها فاتحة خير وتسهيل مهمة تعليم الخط، ومفتاح تيسير الأمور والفتح والنصر، وكان الخطاطون ومازالوا يمشقون البسملة بعد صلاة الفجر مستبشرين بافتتاح يوم مبارك جديد متأثرين بوقت الفجر، وهذا يوضح تأثير القرآن في الخطاطين، وحثهم على الإبداع والتفوق، ومما زاد من اهتمام الخطاطين بكتابة البسملة وتجويدها اطلاعهم على بعض الأحاديث عن النبي في فضل كتابة البسملة. تعد البسملة بمثابة إجازة لمرور الخطاط لعالم فنون الخط العربي الإسلامي، بدأ بكتابتها الخطاط ابن مقلة قبل أكثر من ألف عام، ولا زال حتى الآن الخطاطون يتنافسون في كتابة حروف وتكوين البسملة بمختلف الأنواع والأشكال التي تجاوزت في تعدادها مئات الأنوع والأشكال، شملت كل الخطوط والفنون، وتنوعت ما بين خط: ثلث، وديواني، وثلث، وجلي ثلث، والمحقق، وجلي الديواني، والكوفي بكافة أنواعه، والمزخرف، وخط حر، وهندسي، وغيرها.
شكلت البسملة مادة مهمة في التأليف والدراسات وأبحاث تطور الخط العربي، يقول محمد إسماعيل بغدادي: «وقد وقع نظري على كتابٍ تركي قد جمع بين دفتيه مئات من أشكال الخطّ المتنوعة لكتابة البسملة وقد سمَّاه المؤلف بحديقة البسملة (The Garden Of Besmelah)». وقام الخطاط المكي محمد طاهر بن عبد القادر الكردي بإفراد قسم في كتابه تاريخ الخط العربي وآدابه أسماه: البسملة وكتابتها الآن وقبل خمسمئة سنة، وجاء في دراسته بمقارنة بين البسملات التي كتبها أبو العباس القلقشندي في كتابه صبح الأعشى وبين البسملات التي كتبها الخطاط العثماني أحمد قره حصاري، خرج الباحث إلى أن هناك فرقًا كبيرًا بين الكتابة في زمن القلقشندي (ت: 821 هـ) وبين الكتابة الآن، أبرز الفروق: وجد لكتابة الرحمن والرحيم ثماني صور وللحاء أربع صور وللألف والام والراء ست صور، كما أنه لا أثر للميم والنون في الرحمن ولا أثر للراء في الرحمن الرحيم ولا أثر لسنة الياء في الرحيم، في حين أن قواعد التشكيل موافقة للقواعد التشكيلية في هذا العصر. بينما البسملات عند حصاري (ت: 963 هـ) كانت كلها متصلة بعضها ببعض، وكان حسن الخط والتشكيل ظاهر فيها، في كلمة بسم كانت الكتابة بسنة واحدة والياء في الرجيم لا سنة لها على خلاف قواعد الكتابة الآن. ساهمت البسملة في حفظ بعض الخطوط من الانقراض، كما وساهمت في إبقاء بعض الخطوط قيد الاستعمال رغم إهمالها وقل استخدامها، من ذلك الخط الكوفي الذي ظل مستخدمًا حتى القرن الحادي عشر الميلادي، وكان الخط الرسمي لكتابة المصاحف، عندما حل خط النسخ بديلًا عنه في كتابة المصاحف قل استخدام هذا الخط، ولكنه حفظ عندما بقيت البسملة في المصاحف مكتوبة بالخط الكوفي. كان خط الطغراء الخط المستعمل توقيعًا وختمًا في البراءات والفرمنات السلطانية، لكن بزوال الدولة العثمانية تضاءل استعمال هذا الخط بشكل كبير جدًا، لكن الخطاطين مازالوا يكتبون البسملة به من باب حفظ الأثر ويعدونه من بدائع الخط العربي.