English  

كتب architecture and life in swahili cities

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

العمارة والحياة في المُدُن السواحليَّة (معلومة)


يعتقدون المؤرّخون أن المدن السواحيلية اكتسبت صبغتها المعمارية المُميَّزة، من حيث البناء والتصميم، خلال نهاية القرن الرابع عشر ومطلع الخامس عشر، حيث امتزج أسلوب البناء الأفريقي الأصليّ في ذلك الإقليم مع العمارة العربيَّة ليتحوَّلا إلى نمطٍ فنيّ فريد ومُميَّز. وكان هذا النَّمطُ المعماري سائداً في المباني المُهمّة بالمدينة وبيُوت الأغنياء، رُغم أن معظم مساكن السواحليِّين الفُقراء كانت بسيطة في تصميمها. وكانت المعالم الأساسيَّة في مركز المدينة السواحليَّة هي المساجد، وقُبور الموتى ذوي الشأن، والآبار المحفورة عميقاً تحت الأرض. وتموضعَت في وسط المدينة أحياءٌ كبيرة فيها منازل كثيرة مبنيَّة من الحجر، حيث عاش في مثل هذه الأماكن السواحليّون الأثرياء فقط، وكانت تُحيط بكلّ مجموعةٍ من المنازل أسوارٌ تفصلُها عن باقي أجزاء المدينة. ومع تزاحُم البيوت والمباني الحجريَّة والأسوار الكثيرة، كانت الممرَّاتُ التي تسمحُ للمشاة بالتنقّل في المدينة السواحلية عبارةً عن أزقّة وشوارع ضيِّقة لا يتعدى عرضُها المترين على الأرجح. ولهذا السَّبب، فإن الوسيلة الأساسية لنقل البضائع والحُمولات في الشوارع كانت بالاستعانة بعرباتٍ يجرّها البشر عوضاً عن الحيوانات. وأما الأطرافُ الخارجية للمُدن فلم تكُن بمثل هذا الازدحام، بل بُنِيَت فيها منازلُ صغيرة مُتباعدة، وكانت مُؤلَّفة من بيوتٍ بسيطة للسكّان الفُقراء لم تُبنَى سوى من الأخشاب والقش، وتواجدت بينها مساحاتٌ واسعة أُقيمت فيها المزارع ورُعِيَت بها الحيوانات.

فمُنذ الفترة المتأخّرة من القرن الرايبع عشر بدأ سكان إقليم الساحل بالتزايد بسُرعة، وأدَّى هذا إلى انطلاق حركةٍ تأسَّست بفعلها العديد من المدن الجديدة في كلّ أنحاء ساحل أفريقيا الشرقي، وتوسَّعت هذه المدن خلال فترة قصيرةٍ لتُصبح آهلةً بالكثير من السكان. وكانت هذه المُدن قائمةً - في الأساس - على الانتفاع من تجارة السَّاحل مع البُلدان الآسيوية الأخرى، مثل الهند وفارس وجزيرة العرب، فقد كانت تُشيَّد المدن الجديدة في مواقع جغرافيَّة موازية للطّرق التجارية البحرية، أو بأماكن تتَّصلُ مع مدن أفريقيا الداخلية بحيث تُصبح هذه المدن محطَّة لنقل البضائع التجارية إلى قلب القارة. ولهذا السَّبب بُنِيَت الكثير من مدن الساحل على خلجانٍ صغيرة جداً على شاطئ أفريقيا، وفي الغالب كانت القنوات المائية - التي تتَّصلُ مع هذه الخلجان من البحر - ضيّقة جداً، بحيث لا يُمكن للسفن دُخول ميناء المدينة إلا عند ارتفاع المد، وبالمقابل فقد جعل هذا الموانئ آمنةً وحميَّة بصُورة جيّدة.

وقد كانت أغلبُ المنازل في مدن السَّاحل مبنيَّة من الطوب والخشب والقشّ، حيثُ كانت هذه المواد التي استعانَ بها الفقراء في بناء منازلهم، وأما الطبقة الأغنى فكانت بيُوتها من الحجارة. وتُشير الكشوفات الأثرية إلى أن الغالبية العظمى من المساكن في هذه المدن كانت مُؤلَّفة من طابقٍ واحد، ولكن السجلات التي تركها البحَّارة البرتغاليون تزعمُ أن مدن السَّاحل الأفريقي كانت مليئة ببيُوتٍ من طابقين أو أكثر. وكان للمنزل السواحليّ سقفٌ مُستوٍ في الغالب، ومن الداخل كان يتألَّف من قاعة مركزيَّة يجتمعُ فيها الناس، وتُحِيط بها الغرفُ الخاصة بأهل البَيْت. وكانت القاعة المركزية تُبنَى في الجهة الشمالية من المنزل، وذلك لتدخلها أكبر كميَّة مُمكنة من ضوء الشمس في النهار، حيث أنَّ النوافذ الوحيدة للمنزل كانت بالعادة في هذه القاعة، وأما الغُرَف الجانبية (التي تُطلّ على الجهة الجنوبية) فلم تكُن فيها أيّ فتحاتٍ تسمحُ بدخول الضوء لها. وقد كان عرضُ الغرف في المنازل الحجريَّة الفارهة يقتربُ من ثلاثة أمتار، حيث كان يتحدَّدُ بطول جذوع أشجار المانغروف الي كانت تُستَعمل في تغطية السَّقف، وأما طُول الغرفة فكان أحياناً كبيراً جداً، وفصلت بين الغُرف أبوابٌ لها جوانب مُزخَرفة، ومن المُحتمل أنَّ بعض المنازل كانت فيها أبوابٌ من الخشب تُغلَق وتفتح بين الغرف. وأما الجُدرَان فكانت تُغطَّى بطبقةٍ من قصارة الحجر الجيري البيضاء (وهي نوعٌ من الدّهان). وقد تضمَّنت بعضُ البيوت مراحيض أو غرفاً للاستحمام، وتطلَّب بناءُ مثل هذه المُلحَقات حفر قنواتٍ عميقة تحت الأرض، حيث بلغ عُمق بعضها ما يصلُ إلى عشرة أمتار.

كانت مُعظم المدن السواحيلية، بدءاً من القرن الخامس عشر الميلادي، مُحاطةً بأسوار دفاعيَّة لحمايتها من المُعتدين أو اللصوص، وكانت هذه الأسوار مُنخفضةً نسبياً، حيث لم يتجاوز ارتفاعُها - في الغالب - مترين، وعادةً ما كانت حُدودها ذات شكلٍ عشوائي غير مُنتظِم. وبُنِيَت على زوايا الأسوار أبراجُ حراسةٍ مُربَّعة الشكل لزيادة قُوّتها الدفاعية، كما زُوِّدت ببوَّاباتٍ عِدّة، وقد وُجِدَت منازل قليلةٌ مُتناثرة خارج حدودها. ففي مدينة جيداي القديمة، إحدى أهمِّ الموانئ السواحليّة بتلكَ الحقبة، كان يُوجد سورٌ يبلغ طوله حوالي الكيلومتر والنصف يُحيط بالمدينة، ووُجدت به ثلاث بوَّاباتٍ للسَّماح للوَافدين بالدّخول. وتظهر الكُشوفات الآثارية أنَّ العديد من البيوت والمُستوطنات كانت قائمةً خارج أسوار المدن السواحيلية خلال العصور الوسطى، ولذا من المُحتَمل أن يكون السُكَّان الذين عاشوا خارج الأسوار قد نُبِذُوا عن مدنهم، فجميع المنازل التي عاشوا فيها كانت مبنيَّة من مواد هشَّة، مثل الطين والقشّ والخشب، رُغْم أن الكثير من المنازل الواقعة داخل سُور المدينة كانت تُبنَى من الحجارة ويعتقد الباحُثون أن المنازل الحجرية كانت دليلاً على الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها صاحبُ البيت، حيث أن التجار الأغنياء فقط عاشوا فيها. ولذا من المُحتمل أن أسوار المدينة كانت لها وظيفةٌ ثقافية، هي الفصلُ بين طبقات المجتمع والتَّخفيفُ من الاحتكاك بينها.

كان المركز الأساسيّ للمدن السواحليَّة (مثل العديد من المُدن الإسلامية الأخرى في أفريقيا وآسيا) هو المسجد الذي تُقَام فيه الصلاة خمس مرَّات باليوم. ويُعتَبر المسجد البناء الأكثر أهميَّة في غالبية مُدن الساحل خلال العصور الوسطى، فقد وُجِدَت المساجد حتى في أصغر المدن مساحةً وأقلّها سُكاناً، وكان يُخصَّص لتشييدها دائماً جُهدٌ كبير وموارد مُهمّة، ففي العديد من البلدات كان المسجد هو المبنى الوحيد المُشيَّد من الحجارة (عوضاً عن الطوب والقشّ). وأما في المُدن الكبرى فقد بُنِيَت جوامع ضخمةٌ جداً. ومن السّمات المُميّزة للمساجد السواحليَّة عن غيرها أنها لم تكُن فيها مآذن، حيث لا تُوجد - في الإقليم بأكمله - سوى بضعُ مساجد تاريخيَّة بجنوب الصومال لها مئذنة. وللتّعويض عن ذلك، كان الأئمة يؤذّنون في أوقات الصلوات من على سقف المسجد، حيث يصعدُون إليه بأدراجٍ خاصّة.. كما لم يكُن - عادةً - في مساجد السَّاحل فناء مفتوحٌ بوسطها، بل كان الجامع بأكمله مُغطّى بسقفٍ واسع، واتَّخذ من داخله شكلاً مُستطيلاً قسَّمتهُ أعمدة مُتراصَّة ومتقاربة إلى صفوفٍ يقفُ فيها المصلّون. وقد اهتمَّ السواحليُّون بتزيين محراب المسجد (حيث يقفُ الإمام) بصورة خاصَّة، حيث صنعوا حوله أقواساً زيَّنوها بالمرجان وغطّوها بالحجر الجيريّ الأملس، وكانت هذه العادة الفريدة خاصَّةً بشرق أفريقيا، حيث لم يُبنَى المحراب بهذا الأسلوب في أي مكان آخر.

وكانت إحدى السّمات المُهمّة الأخرى المُميِّزة للمدن السواحلية أنَّ فيها كثرةً من المقابر تحظى باهتمامٍ خاصّ. فقد كان من المُعتَاد بناء المقبرة بالقُرب من مسجد المدينة أو البلدة، وكانت تُشيّد القبور والأضرحة في الكثير من الأحيان بأي جزءٍ من المدينة. وقد صُمِّمَت هذه القبور بأساليب معماريَّة مُختلفة، فمنها ما كان مُغطّى بقبّة أو قنطرة (قوس)، ومنها ما أضيفت إليه أقواسٌ وزخارف محفورةٌ في المرجان، وكانت تبنى فوقها - أحياناً - أعمدةٌ مُزيَّنة أيضاً. ومن المُحتَمل أن السَّبب في أن الأضرحة صُمِّمَت بطريقة مُميَّزة أنها تعود لأشخاصٍ كانوا ذوي شأنٍ في المجتمع السواحليّ، ولا زالت بعضُها تُقدَّس اليوم ويتبرَّكُ بها الناس لأنها تعود إلى شخصيَّات دينية أو تاريخية مُهمّة.

ومُنذ القرن الرابع عشر أصبحت القُصور العظيمة والفارهة صفة لمُعظم مدن السَّاحل الأفريقي. ومثَّلت هذه القُصور كيفية تطوّر الرخاء الاقتصادي وتنامي ثراء الطبقة الغنية في هذه المدن، بحيثُ أصبحت قادرةً على تشييد مبانٍ عظيمة من الحجارة. ومن أكبر هذه القصور قصرُ حُسُني كوبْوَا في مدينة كيلوا، الذي كان مُزوَّداً بمسابح للاستحمام وفناءٍ عُرِضَت فيه البضائع التجارية. وكانت للقصور السواحليَّة بوَّاباتٌ ضخمة تجتمعُ عندها الوفود القادمة لمقابلة السلطان، وكانت البوابة تقودُ إلى قاعة جانبيَّة ينتظرُ فيها الزوار فُرصة الدخول إلى السلطان أو يجتمعونَ فيها للتداوُل بعد انتهائهم من مُقابلته، ووُجِدَت قاعة كبيرةٌ قريبة منها استُخِدمَت لعقد اللقاءات مع السلطان واستضافة الاحتفالات الملكيَّة. وأُقيمت في الأجزاء الداخلية من القصر غرفٌ خاصة صغيرة عديدة جداً، وكان يلتجأ السلطان إلى هذه الغُرَف عندما يضطجرُ من مُقابلة الزوَّار، وعندها يتولى أميرٌ أو وزيرٌ أو قاضٍ مُتابَعة مهامه والحديث مع الوفود بالنّيابة عنهُ حتى عودته، ولم يكونوا يزعجونه إلا في حال وُحود مسألةٍ طارئة.

المصدر: wikipedia.org