اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
عندما طلب الإمام إبراهيم بأن يظهر أبو مسلم الخراساني الدعوة العباسية علانية في خراسان، دخل أبو مسلم خراسان في أول يوم من رمضان فرفع الكتاب إلى سليمان بن كثير الخزاعي وفيه أن أظهر دعوتك ولا تتربص.
فقدموا عليهم أبا مسلم الخراساني داعيا إلى بني العباس، فبعث أبو مسلم دعاته في بلاد خراسان، وأمير خراسان الأموي نصر بن سيار الكناني مشغول بقتال جديع الكرماني، وشيبان بن سلمة الحروري.
ثم لبس أبو مسلم وسليمان بن كثير وزعماء الدعوة العباسية لباس السواد، وصار شعارهم، وأقبل الناس من كل جانب، وكثر جيشهم، ثم بعث نصر بن سيار خيلا عظيمةً لمحاربة أبي مسلم، وذلك بعد ظهوره بثمانية عشر شهرا، فأرسل أبو مسلم إليهم مالك بن الهيثم الخزاعي، فالتقوا فدعاهم مالك إلى الدخول في دعوتهم فأبوا ذلك، فجاء إلى مالك مدد فقوي فظفر بهم مالك، وكان هذا أول موقف اقتتل فيه جند بني العباس وجند بني أمية، ثم بعد ذلك بعث أبو مسلم خازم بن خزيمة التميمي على مرو الروذ، وقتل عاملها الأموي بشر بن جعفر السعدي، ثم بعث أبو مسلم إلى هراة النضر بن نعيم، فأخذها من عاملها الأموي عيسى بن عقيل الليثي، وجاء عاملها إلى نصر هاربا، ثم وجه أبو مسلم أبا داود إلى بلخ فأخذها من عاملها الأموي زياد بن عبد الرحمن القشيري.
ثم في سنة 131 هـ وجه أبو مسلم قحطبة بن شبيب إلى نيسابور لقتال نصر بن سيار، فالتقوا مع تميم بن نصر بن سيار وقد وجهه أبوه لقتالهم في طوس، وكان أبو مسلم بعث إلى قحطبة مدد أخر نحو عشرة آلاف فارس، عليهم علي بن معقل، فأقتتلوا في معركة طاحنة قتل فيها تميم بن نصر ومعه من جيشة سبعة عشر الف رجل، ثم إن يزيد بن عمر بن هبيرة والي مروان على العراق بعث سرية مددا لنصر بن سيار، فالتقى معهم قحطبة، فاقتتلوا قتالا شديدا فانهزم جند بني أمية، وقتل من أهل الشام وغيرهم عشرة آلاف، منهم: نباتة بن حنظلة الكلابي عامل جرجان، فبعث قحطبة برأسه إلى أبي مسلم.
ثم وجَّه قحطبة بن شبيب أحد دعاة بنو العباس ولده الحسن بن قحطبة إلى قومس لقتال نصر بن سيار، وأمده بالأمداد، ثم ارتحل نصر إلى الري، فأقام بها يومين ثم مرض فسار منها إلى همدان، فلما وصل مدينة ساوة توفي فيها لمضي ثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول في سنة 131 هـ، وعمره خمس وثمانين سنة.
لما مات نصر تمكن أبو مسلم وأصحابه من بلاد خراسان كلها، وسار قحطبة من جرجان، وقدَّم أمامه، زياد بن زرارة القشيري، وكان قد ندم على اتباع أبي مسلم، فترك الجيش وأخذ جماعة معه وسلك طريق أصبهان ليذهب إلى القائد الأموي عامر بن ضبارة المري، وكان ابن ضبارة شجاعا فاتكا، فبعث قحطبة وراء زياد بن زارة جيشا فقتلوا عامة أصحابه، ثم فتح الحسن بن قحطبة قومس، ثم بعث قحطبة ابنه إلى الري، فافتتحها، فأقام بها قحطبة.
ثم ارتحل أبو مسلم من مرو فنزل نيسابور، وبعث قحطبة بعد دخوله الري ابنه الحسن أمامه إلى همدان، فلما اقترب منها خرج منها مالك بن أدهم وجماعة من أجناد الشام وخراسان، فنزلوا نهاوند، فافتتح الحسن همدان ثم سار وراءهم إلى نهاوند، وبعث إليه أبوه بالأمداد فحاصرهم حتى افتتحها.
بعد سقوط مدن خراسان بيد العباسيين، كتب يزيد ابن هبيرة والي العراق الاموي إلى عامر بن ضبارة المري أن يسير إلى قحطبة وأمده بالعساكر، فسار ابن ضبارة حتى التقى مع قحطبة في عشرين ألفا، فلما تواجه الفريقان رفع قحطبة وأصحابه المصاحف ونادى المنادي: يا أهل الشام ! إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموا المنادي وشتموا قحطبة، فأمر قحطبة أصحابه أن يحملوا عليهم، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أصحاب ابن ضبارة، واتبعهم أصحاب قحطبة فقتلوا منهم خلقا، وقتلوا ابن ضبارة في العسكر لشجاعته حيث إنه لم يهرب، وسئل ابن ضبارة عن داوود بن يزيد بن هبيرة، فقالوا هرب، فقال لعن الله شرنا منقلبا، فقاتل حتى قتل.
ثم حاصر قحطبة نهاوند حصارا شديدا حتى طلب أهل الشام الذين فيها أن يفتحوا له الابواب، ففتحوا له وأخذوا من قحطبة منهم أمانا، فقال لهم قحطبة من بها من أهل خراسان؟ - يقصد أهل خراسان الموالين لبنو امية - ثم غدر قحطبة بأهل خراسان الموالين لبنو أمية في نهاوند بعدما خرجوا ظانين أنهم في أمان، فقال قحطبة للأمراء الذين معه: كل من حصل عنده أسير من الخراسانين فليضرب عنقه وليأتنا برأسه، ففعلوا ذلك ولم يبقى ممن كان هرب من أهل خراسان من أبي مسلم إلى جيش الأمويين أحد، وأطلق الشاميين وأوفى لهم عهدهم وأخذ عليهم الميثاق أن لا يمالئوا عليه عدوا، ثم بعث قحطبة أبا عون إلى شهر زور، عن في ثلاثين ألفا فافتتحها، وقتل نائبها الأموي عثمان بن سفيان.
ثم جاز قحطبة بن شبيب الفرات ومعه الجنود، ويزيد بن عمر بن هبيرة رجل بنو امية القوي مخيم على فم الفرات مما يلي الفلوجة، وقد أمده مروان بجنود كثيرة، وانضاف إليه كل من انهزم من جيش عامر بن ضبارة، ثم إن قحطبة أتجه إلى الكوفة ليأخذها، فاتبعه ابن هبيرة، ثم اقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل في الفريقين، ثم ولى أهل الشام منهزمين واتبعهم أهل خراسان، وفقد قحطبة من الناس فأخبرهم رجل أنه قتل وأوصى أن يكون أمير الناس من بعده ولده الحسن، ولم يكن الحسن حاضرا، فبايعوا أبنه حميد بن قحطبة، وكان الذي قتل قحطبة في المعركة هو معن بن زائدة، ويحيى بن حضين.
عندما جاء الحسن بن قحطبة سار نحو الكوفة، وقد خرج بها محمد بن خالد بن عبد الله القسري، ودعا إلى بني العباس وسوَّد، وأخرج عاملها الأموي زياد بن صالح الحارثي، وتحول محمد بن خالد إلى قصر الإمارة ثم سار لقتال القائد الأموي حوثرة بن سهيل الباهلي، فلما اقترب حوثرة من الكوفة ذهب أصحاب حوثرة إلى محمد بن خالد يبايعون لبني العباس، فلما رأى حوثرة ذلك ارتحل إلى واسط عند يزيد بن هبيرة.
بلغت مروان كل هذه الاحداث عن أبو مسلم الخراساني في خراسان والعراق، ومقتل جل قادتة الكبار أمثال عامر بن ضبارة وسلم بن أحوز ونباتة بن حنظلة الكلابي وغيرهم، وكانت الكارثة الأخرى التي حلت بمروان هي محاصرة العباسيين لواليه على العراق يزيد بن هبيرة وجيوشة في واسط، فأتجه مروان من عاصمته حران إلى نهر الزاب القريب من الموصل من أرض الجزيرة الفراتية، ثم بلغه أن أبو العباس عبد الله السفاح بويع خليفة بالكوفة والتفت عليه الجنود، شق ذلك عليه جداً، فجمع مراون جنوده، ثم سار إليه أبو عون بن يزيد في جيش كثيف وهو أحد أمراء السفاح، فنازله على الزاب، ثم قال السفاح من يتولى قتال مروان من أهل بيته، فأنتدب له عمه عبد الله بن علي.
فسار عبد الله بن علي في جنود كثيرة، فتنازل له أبو عون عن القيادة، وجعل عبد الله على شرطته حياش بن حبيب الطائي، ونصير بن المحتفز، ووجه أبو العباس، موسى بن كعب في ثلاثين رجلاً على البريد إلى عبد الله بن علي يحثه على مناجزة مروان، والمبادرة لقتاله قبل أن تبرد نيران الحرب.
فتقدم عبد الله بن علي بجنوده حتى واجه جيش مروان، ونهض مروان في جنوده وتصافَّ الفريقان في أول النهار، وكان مع مروان جيش ضخم.
فقال مروان لعبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: إن زالت الشمس يومئذ ولم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم أرسل مروان إلى عبد الله بن علي يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل، إن شاء الله.
وكان ذلك يوم السبت لإحدى عشر ليلة خلت من جمادى الآخرة عام 132 هـ ، فقال مروان: قفوا لا تبتدئون بقتال، وجعل ينظر إلى الشمس، ولكن خالفه ابن عمه الوليد بن معاوية بن مروان بن الحكم وهاجم جيش العباسيين - والوليد هو : ختن مروان على ابنته - فغضب مروان فشتمه فقاتل الوليد بن معاوية أهل الميمنة فأنحاز أبو عون إلى عبد الله بن علي، فقاتل موسى بن كعب لعبد الله بن علي، فأمر الناس فنزلوا ونودي: الأرض الأرض.
فنزلوا وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب وقاتلوهم، وجعل أهل الشام يتأخرون كأنما يدفعون، وجعل عبد الله يمشي قدماً، وجعل يقول: يا رب حتى متى نقتل فيك ؟
ونادى يا أهل خراسان ! يا لثارات إبراهيم الإمام، يا محمد يا منصور، واشتد القتال جداً بين الناس، فلا تسمع إلا وقعاً كالمرازب على النحاس، فأرسل مروان إلى قبيلة قضاعة يأمرهم بالنزول فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا.
وأرسل إلى قبيلة السكاسك من كندة أن احملوا فقالوا: قل لبني عامر أن يحملوا.
فأرسل إلى قبيلة السكون من كندة أن احملوا فقالوا: قل إلى غطفان فليحملوا.
فقال لصاحب شرطته: انزل، إلا أن صاحب الشرطة رفض.
ثم انهزم أهل الشام واتبعتهم أهل خراسان يقتلون ويأسرون، وكان من غرق من أهل الشام أكثر ممن قتل وكان في جملة من غرق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع، وقد أمر عبد الله بن علي بعقد الجسر، واستخراج من غرق في الماء، وجعل يتلو قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [البقرة: 50].
وأقام عبد الله بن علي في موضع المعركة سبعة أيام، وقد قال رجل من ولد سعيد بن العاص في مروان يعيره في فراره:
ثم احتاز عبد الله على معسكر مروان ومافيه من الأموال والأمتعة والحواصل، ولم يجد فيه امرأة سوى جارية كانت لعبد الله بن مروان، وكتب إلى أبي العباس السفاح بما فتح الله عليه من النصر، وما حصل لهم من الأموال.
فصلى السفاح ركعتين شكراً لله عز وجل، وأطلق لكل من حضر الوقعة خمسمائة خمسمائة، ورفع في أرزاقهم إلى ثمانين، وجعل يتلو قوله: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ}.