اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
علم النفس السريري (أو علم النفس الإكلينيكي) هو ذلك العلم الذي يدمج بين العلوم والنظريات والمعرفة السريرية بهدف فهم طبيعة القلق والضغوط والاضطرابات أو الأمراض النفسية والخلل الوظيفي الناتج عنها ومحاولة التخفيف من حدتها والتغلب عليها من خلال الفحص والتشخيص والعلاج، كما أنه يهدف إلى تعزيز السعادة الذاتية لدى الفرد مما يحقق له التقدم على المستوى الشخصي. وعلاوةً على ذلك، فإنه يركز بصورة أساسية على كل من التقييم النفسي والعلاج النفسي والدوائي في الممارسة العملية "النفس الطبي".
في كثير من الدول، يعتبر علم النفس السريري العمود الفقري في العلوم النفسية، ومن المهن الطبية المعنية بالصحة النفسية المعتمدة والمهمة، والتي يحكمها عدد من القواعد والقوانين والمعايير الدولية.
على الرغم من أن تاريخ علم النفس الحديث باعتباره علمًا مستقلاً بذاته يرجع غالبًا إلى إنشاء أول معمل متخصص في الأبحاث النفسية في عام 1879 على يد عالم النفس الألماني فيلهلم فوندت، فإن محاولات إيجاد العديد من الوسائل لتقييم وعلاج الضغوط والاضطرابات النفسية كانت موجودة قبل ذلك بفترة طويلة. كما أن الأساليب والوسائل المسجلة في بادئ الأمر كانت تجمع بين وجهات النظر الدينية و/أو الطبية و/أو وجهات النظر المبنية على السحر والشعوذة. ومن أمثلة هؤلاء الأطباء الأوائل في هذا المجال الطبيب Padmasambhava وباتانجالي وأبو بكر الرازي وابن سينا وجلال الدين الرومي.
وفي بداية القرن التاسع عشر، أصبح من الممكن فحص رأس الفرد عن طريق علم فراسة الدماغ - أو ما يعرف بعلم الفرينولوجيا - وهو دراسة شخصية الفرد ومعرفة سماته ودرجة قواه العقلية من خلال شكل الجمجمة. وهناك عدد من الطرق العلاجية الأخرى الشائعة والتي شملت علم فراسة الوجه أو ما يعرف باسم علم الفيزيونوميا - وهو دراسة شكل الوجه وملامحه وتعبيراته - والمسمرية (التنويم المغناطيسي) - وهو إحدى طرق العلاج النفسي التي توصل إليها العالم الألماني مسمر من خلال استخدام المغناطيس. ومن الطرق الأخرى التي شاع استخدامها في العلاج النفسي حينذاك أيضًا فكرة الروحانية والشفاء العقلي الذي يرجع إلى العالم الأمريكي فينياس كويمبي.
وعلى الرغم من أن الأوساط العلمية أعلنت في نهاية المطاف رفضها لجميع هذه الأساليب السابقة، فلم يبدِ علماء النفس الأكاديميون أيضًا أي اهتمام بالحالات الخطيرة من الأمراض النفسية والعقلية. وكان قد تم التعامل مع مثل هذه الحالات بالفعل من خلال مجالات الطب النفسي وطب الأعصاب داخل مصحات ومستشفيات الأمراض النفسية والعقلية. ولم يزل ذلك حتى نهاية القرن التاسع عشر، وتقريبًا حتى قام سيجموند فرويد لأول مرة بتقديم طريقة العلاج بالكلام في فيينا، وهذه كانت البداية الأولى للتطبيق العملي السريري لعلم النفس بصورة علمية.
بحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أصبحت الدراسة العلمية في علم النفس راسخة بصورة جيدة في معامل الجامعة. وعلى الرغم من أن هناك أصوات قليلة كانت تنادي بعلم النفس التطبيقي، بدأ عامة العلماء لا يبالون بهذه الفكرة ويصرون على دراسة العلوم البحتة باعتبارها المجال الجدير بالدراسة فحسب. ولكن تغيَّر هذا الموقف عندما وافق لايتنر ويتمر، أحد تلاميذ فوندت ورئيس قسم علم النفس في جامعة بنسلفانيا، على علاج طفل صغير كان يعاني من صعوبات في النطق. وسرعان ما دفعه علاجه الناجح إلى افتتاح أول عيادة نفسية له في جامعة بنسلفانيا في عام 1896، حيث كان اهتمامه ينصب على مساعدة الأطفال الذين يعانون من صعوبات في التعلم. وبعد مضي عشر سنوات وتحديدًا في عام 1907، كان من المقرر أن يؤسس ويتمر أول مجلة علمية متخصصة في هذا المجال الجديد؛ وأسماها مجلة The Psychological Clinic، حيث طرح مصطلح "علم النفس الإكلينيكي" وعرَّفه بأنه "العلم الذي يُعنى بدراسة الأفراد عن طريق الملاحظة أو التجربة بهدف تعزيز التغيير في حياة الفرد". غير أنه كانت هناك استجابة بطيئة للسير على نهج نموذج ويتمر إلى حد ما، ولكن بحلول عام 1914، كان هناك 26 عيادة نفسية مماثلة في الولايات المتحدة الأمريكية.
ومع تطور علم النفس الإكلينيكي، فلا يزال التعامل مع المشكلات الناجمة عن الاضطرابات النفسية والعقلية الخطيرة يندرج ضمن مجال اختصاص كل من الأطباء النفسيين وأطباء الأعصاب. ومع ذلك، واصل الإخصائيون النفسيون الإكلينيكيون تحقيق التقدم في هذا المجال نتيجة لزيادة مهاراتهم في التقييم النفسي. وجدير بالذكر أن الإخصائيين النفسيين حققوا شهرةً واسعة النطاق وأثبتوا جدارتهم باعتبارهم خبراءً في مجال التقييم النفسي خلال فترة الحرب العالمية الأولى وذلك عن طريق وضع اثنين من اختبارات قياس الذكاء؛ وهما اختبار الجيش ألفا واختبار الجيش بيتا (وذلك لاختبار المهارات اللفظية وغير اللفظية على التوالي)، والذين يمكن استخدامهما مع مجموعات كبيرة من المجندين لقياس ذكائهم وقدراتهم العقلية. ونظرًا لنجاح هذين الاختبارين إلى حد كبير، كان من المقرر أن يصبح التقييم النفسي أساس دراسة علم النفس السريري على مدى ربع قرن فيما مضى، ولكن عندما اندلعت حرب أخرى تغيَّر الوضع مما دفع هذا المجال إلى دراسة العلاج النفسي.
بدأ تنظيم هذا المجال تحت اسم "علم النفس الإكلينيكي" في عام 1917 مع تأسيس جمعية علم النفس السريري الأمريكية. واستمر ذلك حتى عام 1919 فحسب، وهو العام الذي عقبه تأسيس جمعية علم النفس الأمريكية (التي أنشأها جرانفيل ستانلي هول في عام 1892) لقسم علم النفس السريري الذي ظل يمنح شهادات متخصصة في هذا الفرع من علم النفس حتى عام 1927. وتطور هذا المجال بصورة تدريجية فيما بعد على مدار السنوات القليلة التالية وذلك عندما اتحدت مؤسسات علم النفس المختلفة معًا لتشكل الجمعية الأمريكية لعلم النفس التطبيقي في عام 1930، والتي كانت تعد بمثابة المنتدى الرئيسي لعلماء النفس حتى بعد الحرب العالمية الثانية عندما تمت إعادة تنظيم جمعية علم النفس الأمريكية. وفي عام 1945، أسست جمعية علم النفس الأمريكية القسم الثاني عشر لها - وهو قسم علم النفس السريري- الذي ظل مؤسسة رائدة في هذا المجال. وعلاوةً على ذلك، قامت رابطات وجمعيات علم النفس في الدول الناطقة بالإنجليزية بتأسيس أقسام خاصة بعلم النفس السريري وذلك على غرار ما قامت به جمعية علم النفس الأمريكية، ومن بين تلك الدول بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا.
عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية، قام الجيش مرة أخرى باستدعاء العديد من الإخصائيين النفسيين الإكلينيكيين. ذلك، حيث إنه بمجرد عودة الجنود من المعارك الحربية، بدأ الإخصائيون النفسيون ملاحظة إصابة الجنود بأعراض الصدمة النفسية التي يطلق عليها "صدمة القنابل" (والتي عُرِفَت فيما بعد باسم اضطراب ضغط ما بعد الصدمة) والتي تم علاجها بأفضل الطرق وفي أسرع وقت ممكن حينذاك. ونظرًا لأنه تم زيادة عدد الأطباء (بما في ذلك الأطباء النفسيين) لعلاج الحالات التي تعاني من إصابات بدنية وجروح ناتجة عن الحرب، فإنه قد تم استدعاء العديد من الإخصائيين النفسيين للمساعدة في علاج هذه الحالات. وفي الوقت نفسه، قامت الإخصائيات النفسيات (اللاتي تم استبعادهن من المساهمة في علاج حالات الإصابة الناجمة عن الحرب) بتشكيل المجلس الوطني للإخصائيات النفسيات وذلك لمساعدة المجتمعات التي تعاني من الاضطرابات والضغوط النفسية الناجمة عن الحرب ودعم الأمهات الشابات بالنصائح والتوجيهات الخاصة بشأن تربية الأطفال. وبعد انتهاء فترة الحرب، قامت إدارة شئون المحاربين القدامى بالولايات المتحدة الأمريكية بتخصيص استثمار هائل لوضع برامج لتدريب الإخصائيين النفسيين الإكلينيكيين الحاصلين على درجة الدكتوراه للمساعدة في علاج الآلاف من المحاربين القدامى ممن هم في حاجة إلى رعاية خاصة. ونتيجةً لذلك، تحولت الولايات المتحدة الأمريكية من دولة لا يوجد بها أي برامج جامعية رسمية في علم النفس السريري في عام 1946 إلى دولة تمتلك ما يزيد عن نصف جميع شهادات دكتوراه الفلسفة التي يتم منحها في علم النفس السريري في عام 1950.
جدير بالذكر أن الحرب العالمية الثانية قد ساعدت في إحداث تغييرات جذرية في علم النفس الإكلينيكي، ولم يقتصر ذلك على أمريكا فحسب بل امتد ليشمل العالم أجمع. فقد بدأت الدراسات العليا المتخصصة في علم النفس تشمل العلاج النفسي وذلك بإضافته إلى دراسة علم النفس والبحث العلمي استنادًا إلى نموذج العالِم الممارس الصادر عام 1947، الذي يُعرف اليوم باسم نموذج بولدر، والذي تعتمد عليه برامج دكتوراه الفلسفة في علم النفس الإكلينيكي. وإضافةً إلى ذلك، فقد تطور علم النفس السريري في بريطانيا بدرجة كبيرة مثلما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية، ولا سيما في إطار جهود هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، وذلك من خلال شروط التأهيل والمعايير والرواتب التي أقرتها جمعية علم النفس البريطانية.
بحلول فترة الستينيات من القرن العشرين، أصبح العلاج النفسي جزءًا لا يتجزأ من علم النفس الإكلينيكي، ولكن بالنسبة لكثيرين فإن النموذج التعليمي الخاص بالحصول على درجة دكتوراه الفلسفة لم يقدم التدريب اللازم لهؤلاء الأفراد المهتمين بالممارسة العملية بدلاً من البحث العلمي. كان هناك جدل دائر ومستمر حول كون تطور مجال علم النفس في الولايات المتحدة الأمريكية إلى درجة تضمن التدريب الواضح في الممارسة العملية الإكلينيكية. ونوقش مفهوم منح درجة الممارسة العملية في عام 1965 وتمت الموافقة بصعوبة على برنامج رائد في هذا الصدد في جامعة إلينوي وذلك ابتداءً من عام 1968. وسرعان ما وُضِعَت عدة برامج أخرى مماثلة بعد مضي فترة زمنية وجيزة، وتحديدًا في عام 1973 عندما تم عقد مؤتمر فيل للتدريب المهني في علم النفس فقد نتج عن وضع نموذج الباحث الممارس في علم النفس السريري- أو ما يُعرف باسم نموذج فيل - أنه تم التصديق على منح درجة الدكتوراه في علم النفس. وعلى الرغم من أن التدريب قد استمر ليشمل مهارات البحث والإدراك العلمي لعلم النفس، فإن الهدف من ذلك كان يتمثل في تقديم إخصائيين نفسيين على درجة عالية من التدريب، وذلك على غرار البرامج المنتهجة في الطب البشري وطب الأسنان والقانون. وتجدر الإشارة إلى أن أول برنامج اعتمد بصورة واضحة على نموذج الدكتوراه في علم النفس قد تم وضعه في جامعة روتجرز. وفي الوقت الحالي، فإن ما يقرب من نصف جميع طلاب الدراسات العليا الأميركيين المتخصصين في علم النفس السريري قاموا بتسجيل أنفسهم في برامج الدكتوراه في علم النفس.
لقد واصل علم النفس السريري منذ فترة السبعينيات من القرن العشرين مسيرة تقدمه وتطوره إلى أن أصبح مهنة قوية ومجالاً للدراسة الأكاديمية. وعلى الرغم من أن العدد الفعلي للإخصائيين النفسيين الإكلينيكيين الممارسين لا يزال غير معروف بالتحديد، تشير التقديرات إلى أن عددهم في الولايات المتحدة الأمريكية ارتفع من 20,000 إلى 63,000 إخصائي نفسي إكلينيكي وذلك في الفترة ما بين 1974 و1990. كما استمر الإخصائيون النفسيون الإكلينيكيون في عملهم باعتبارهم خبراء في مجال التقييم والعلاج النفسي وذلك على الرغم من توسيع دائرة اهتمامهم لتشمل معالجة قضايا الشيخوخة والرياضة ونظام العدالة الجنائية، وهذا على سبيل المثال لا الحصر. ويعد علم نفس الصحة أحد المجالات المهمة، حيث أصبح المجال الأسرع تقدمًا وتطورًا الذي يحظى باهتمام الإخصائيين النفسيين الإكلينيكيين في العقد الماضي. وهناك تغييرات رئيسية أخرى في مجال علم النفس السريري تشمل تأثير الرعاية الموجهة على رعاية الصحة النفسية وزيادة إدراك الفرد لأهمية المعرفة المرتبطة بتنوع السكان وتعدد الثقافات وظهور الامتيازات الخاصة بالنسبة لوصف الأدوية النفسية.
يقوم الأخصائيون النفسيون السريريون بأدوار مهمة في مجالات أخرى منها البحث العلمي والتدريس في الجامعات وتقديم الاستشارات النفسية في عياداتهم الخاصة أو المستشفيات العامة، وكذلك العمل في الجيش وعمليات النفسية الحربية والخدمات الطبية العسكرية، والشرطة والاستخبارات من حيث متطلبات البحث الجنائي أو التحقيقات وغسل الدماغ. والمشاركة في تقارير وشهادات الطب الشرعي أو الاستقلالية في تقديم تقارير النفس الشرعي والجنائي، ووضع برامج جلسات العلاج النفسي وتطويرها وإدارتها. استطاع الإخصائيون النفسيون الإكلينيكيون تقديم مجموعة من الخدمات المتخصصة في مجال علم النفس الإكلينيكي، ومنها ما يلي:
على مدار العقدين الماضيين، كان هناك اتجاه متزايد نحو الجمع بين طرق العلاج النفسي المختلفة، ولا سيما مع زيادة فهم المشكلات المرتبطة بالثقافة ونوع الجنس والروحانية والتوجه الجنسي. لذا، بدأ الإخصائيون النفسيون الإكلينيكيون في البحث عن نقاط الضعف ونقاط القوة المختلفة التي يتميز بها هذا الاتجاه، هذا إلى جانب العمل في المجالات الأخرى ذات الصلة مثل علم الأعصاب وعلم الوراثة وعلم الأحياء التطوري وعلم الأدوية النفسية. وكانت نتيجة ذلك أن تزايد تطبيق مبدأ الانتقائية في العلاج النفسي من قِبَل الإخصائيين النفسيين الذين درسوا العديد من النظم والأساليب الأكثر فاعلية في العلاج النفسي وذلك بقصد تقديم أفضل حل لأية مشكلة نفسية تواجه مرضاهم.
قالب:Globalize/USA يخضع مجال علم النفس السريري في معظم الدول لرقابة مشددة من خلال تطبيق قانون أخلاقيات المهنة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، ينص قانون السلوك الصادر عن جمعية علم النفس الأمريكية على أخلاقيات المهنة، والذي يتم تطبيقه في الولايات الأمريكية لتحديد شروط إصدار التصريح بالممارسة العملية الإكلينيكية.