التحميل مجاناً لكن نقدم بعض الخدمات المدفوعة ادعمنا بالإشتراك فيها
حذف الإعلانات وتسريع تصفح المكتبة.
يبدأ التحميل بضغطة زر دون انتظار تجهيز الكتاب.
لا حدود لمرات التحميل.
يمكنك رفع كتب بلا حدود بالمكتبة.
تمكين القراء من تحميل كتبك دون إنتظار.
حذف الاعلانات على الكتب التي تنشرها.
لا مشاكل في روابط التحميل لكتبك المرفوعة.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
| مؤلف: | عبد الله خليفة |
| قسم: | روايات خيالية مترجمة [تعديل] |
| اللغة: | العربية |
| الناشر: | وكالة الصحافة العربية |
| تاريخ الإصدار: | 01 يناير 2015 |
| الصفحات: | 165 |
| ترتيب الشهرة: | 416,513 رقم 1 هو الأشهر ! |
| رابط مختصر: | نسخ |
| المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب | |
المؤلف كتاب رسائل جمال عبد الناصر السرية والمؤلف لـ 62 كتب أخرى.
خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1975. اعتقل من سنة 1975 إلى 1981 .عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية ، ونشر في العديد من الدوريات العربية . عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب ، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة خريج المعهد العالي للمعلمين بمملكة البحرين في سنة 1970، وقد عمل في سلك التدريس حتى سنة 1975. اعتقل من سنة 1975 إلى 1981 .عمل منذ سنة 1981 في الصحافة الاجتماعية والثـقافية في الصحف البحرينية والخليجية ، ونشر في العديد من الدوريات العربية . عضو اتحاد الكتاب العرب بسوريا. ساهم في مؤتمرات اتحاد الكتاب العرب ، وأول مؤتمر أشترك فيه كان سنة 1975 الذي عقد بالجمهورية الجزائرية وقدم فيه بحثاً عن تطور القصة القصيرة في البحرين ، وشارك في مؤتمر اتحاد الكتاب العرب بتونس سنة 2002 ، ببحث تحت عنوان «التضامن الكفاحي بين المسلمين»، وشارك في مؤتمر بجمهورية مصر العربية سنة 2003 ، وببحث تحت عنوان «المثقف العربي بين الحرية والاستبداد» وذلك باتحاد الكتاب المصريين . والعديد من المؤتمرات الادبية العربية. كتب منذ نهاية الستينيات في عدة أنواع أدبية وفكرية ، خاصة في إنتاج القصة القصيرة والرواية والدراسة الفكرية. منذ سنة 1966، مارس عبدالله خليفة كتابة القصة القصيرة بشكل مكثف وواسع أكثر من بقية الأعمال الأدبية والفكرية التي كان يمازجها مع هذا الإنتاج ، حيث ترابطت لديه الكتابة بشتى أنواعها : مقالة، ودراسة، وقصة، ونقد. ولكن في السنوات الأولى حظيت القصة القصيرة بشكل خاص بهذا النتاج ، وقد نشر عشرات القصص القصيرة في سنوات «1966 – 1975» في المجلات والصحف البحرينية خاصة، ومنذ الثمانينيات من القرن الماضي قام بطبع نتاجه القصصي والروائي والفكري في دور النشر العربية المختلفة ونتاجه الأدبي والفكري. توفى في أكتوبر 2014عن عمر يناهز 66 عاماً بعد صراع مع المرض.
النتاج الروائي:
• “اللآلئ”، 1981
• “القرصان والمدينة”، 1982
• “الهيرات”، 1983
• “أغنية الماء والنار”، 1989
• “مريم لا تعرف الحداد”، 1991
• “الضباب”، 1994
• “نشيد البحر”، 1994
• “الأقـلف”، 2002
• “ساعة ظهور الأرواح”، 2004
• “الأعمال الروائية الكاملة – المجلد الأول”، 2004
• “رأس الحسين”، 2006
• “عمر بن الخطاب شهيداً”، 2007 .
• “التماثيل”، 2007
• “عثمان بن عفان شهيداً”، 2008
• “علي بن أبي طالب شهيداً”، 2008
• “محمد ثائراً”، 2010
• “ذهب مع النفط” ، 2010
• “عنترة يعود الى الجزيرة”، 2011
• “الينابيع” (الطبعة الكاملة)، 2012
• “عقاب قاتل”، 2014
• “اغتصاب كوكب”، 2014
• “خليج الارواح الضائعة”، 2015
• “رسائل جمال عبدالناصر السرية”، 2015
• “ألماس و الأبنوس”، 2016
• “ابنُ السيد”، 2016
• “ثمن الروح”، 2016
• “الأرض تحت الأنقاض”، 2017
• “حورية البحر”، 2017
• “طريق اللؤلؤ”، 2017
• “بورتريه قصاب”، 2017
• “مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني”، 2018
• “شاعرُ الضياء”، 2018.
• “هُـدهـُد سليمان”، 2018
النتاجات الأخرى:
• “لحن الشتاء” (قصص)، 1975
• “الرمل والياسمين” (مجموعة قصصية)، 1982
• “يوم قائظ” (مجموعة قصصية)، 1984
• “سهرة” (مجموعة قصصية)، 1994
• “دهشة الساحر” (مجموعة قصصية)، 1997
• “جنون النخيل” (مجموعة قصصية)، 1998
• “سيد الضريح” (مجموعة قصصية)، 2003
• “الراوي في عالم محمد عبد الملك القصصي” (دراسة)، 2004
• “الاتجاهات المثالية في الفلسفية العربية الإسلامية ” (صدر الجزء الأول والثاني معاً بمجلد واحد)، 2005
• “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية – الجزء الثالث”، 2005
• “نجيب محفوظ من الرواية التاريخية إلى الرواية الفلسفية” (دراسة)، 2007.
• “تجارب روائية من الخليج والجزيرة العربية” (دراسة)، 2008
• “صراع الطوائف والطبقات في المشرق العربي وإيران” (دراسة)، 2015
• “الاتجاهات المثالية في الفلسفة العربية الإسلامية – تطور الفكر العربي الحديث” (الجزء الرابع)، 2015
• “إنهم يهزون الأرض” (مجموعة قصصية)، 2017
• “ضـوء المعتـزلة” (مجموعة قصصية)، 2017
• “الكسيح ينهض” (مجموعة قصصية)، 2017
• “أنطولوجيا الحمير” (مجموعة قصصية)، 2017
هو هنا يمضي على عرش النيل الخالد، قلوب الجماهير. يرى جمال أصابعه تشق الجبلَ، وتنهمرُ المياه، ومن الزقاقِ الضيق والباعةِ الصغار راح يطيرُ في الفضاء قرب السحب، يمسك جذورَ النهر ويحولُها عن صخورِ الطحالب، يقربُهَا من منازل الصيادين والخدمِ وعمالِ التراحيل، يكسرُ أحجارَ الجبال ويضرب بها العمالقةَ الطالعين من القبورِ والكهوفِ ويركضُ السحرةُ حولَهُ ويمسكون ساقيهِ الضخمتين المتشبثتين بتاج فرعون، يفضهم كورقِِ الشجرِ نحو الزنزانات والفيافي، يتطلعُ للأزقةِ المزدحمةِ الخانقةِ فيجدها لم تتبدل، والفولُ هو نفسُهُ صغيرٌ صغيرٌ حتى كأنه لا يُرى، لكنه صامدٌ أبدي في الشوارع مع الدخانِ والبخار والذبابِ، يهجمُ جمالٌ على السحبِ والغبار والأموالِ وتعلو المداخنُ توزعُ الأرغفةَ على الجائعين، وتملأُ رئتيهِ رماداً فيحولُهَا لسجائرَ ثم غليوناً وتتغلغلُ في خريطةِ ظهره.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
عبـــــــدالله خلــــــــيفة:
رواية ــ رسائلُ جمـال عبدالناصر السـريةِ
«هو الاسطورةُ الغائبةُ الحية، له أسرةٌ واسعة من الطمي والتاريخ والرموز، ما زال يرقبُ الثورةَ المغدورة، يمشي بين الجمهور، يرسلُ رسائلَهُ عبر الزمن».
هو هنا يمضي، على عرشِ النيل الخالد، قلوبِ الجماهير.
يرى جمالٌ أصابعَهُ تشقُ الجبلَ، وتنهمرُ المياهُ، ومن الزقاقِ الضيقِ والباعةِ الصغار راح يطيرُ في الفضاء قربَ السحب، يمسكُ جذورَ النهر ويحولُها عن صخورِ الطحالب، يقربُهَا من منازلِ الصيادين والخدمِ وعمالِ التراحيل، يكسرُ أحجارَ الجبال ويضربُ بها العمالقةَ الطالعين من القبورِ والكهوفِ ويركضُ السحرةُ حولَهُ ويمسكون ساقيهِ الضخمتين المتشبثتين بتاجِ فرعون، يفضهم كورق الشجرِ نحو الزنزانات والفيافي، يتطلعُ للأزقةِ المزدحمةِ الخانقةِ فيجدها لم تتبدل، والفولُ هو نفسُهُ صغيرٌ صغيرٌ حتى كأنه لا يُرى، لكنه صامدٌ أبدي في الشوارع مع الدخانِ والبخار والذبابِ، يهجمُ جمالٌ على السحبِ والغبار والأموالِ وتعلو المداخنُ توزعُ الأرغفةَ على الجائعين، وتملأُ رئتيهِ رماداً فيحولُهَا لسجائرَ ثم غليوناً وتتغلغلُ في خريطةِ ظهره.
ـــ 1 ـــ
يتدفقُ حشدٌ غريبٌ في الشوارع، أسمالٌ تخرج من النهر، ومن لحاءِ الشجر، ومن الكساراتِ المليئة بالغبار ومن الأقمار وشظايا الحجر، ومن بين الورق الأصفر الذي داستُهُ الأحذيةُ في كلِ مواسم الخريف، ومن داخل الأكشاك التي حُشرت فيها الهياكل العظمية والدائخون من الذبحات الصدرية والسل وخواء العقول والجيوب.
هذا الجمهورُ لا يعرفه، هذا النمل البشري لم يُعدْ من قبل، في ظل الاحتفالات المهيبة، إنه يتغلغلُ في بدلتهِ العسكرية، ويشوي الضفادع في الليل، النهرُ صمتَ فجأة، وظهرتْ التماسيحُ تضحك، الشعبُ يزحفُ مثل النمل الكثيف، يملأُ الأرصفةَ ويقعدُ على الأسفلت ويعطلُ الباصاتَ والسيارات والحفلات في الليالي الباردة المملة.
يحدقُ بمنظارهِ المُقَرِب، المياهُ الحارةُ تتدفقُ فوق أجساده، تصليه بنيران مُحولةً من النهر، مطرٌ ساخنٌ وهو يتناثرُ ويعودُ يتكون ويتمسك بالأحجار. أهو نفسُهُ الذي كان يزحفُ في الأرياف والشوارع ويجري وراء قطارهِ أو سيارته؟
– ما هذا يا محمود؟ كيف خرج كل هؤلاء من سمح بهذه الفوضى؟ لم أقل شيئاً من ذلك! من وراء هذا العصيان والتسيب الغريبين؟
– سيدي نحن لم نأمرهم. نقاومهم في كل لحظة. لكنهم متشبثون بهذا الخروج والتجمهر، نضرب، نضرب بقسوة، ولكنهم يعودون لأماكنهم. هل نستخدم الرصاص؟
– لا! هم أولادي، أعرفُ طلبةَ الجامعات يتحمسون للوطن ويزايدون علينا.
– ليسوا هم طلبة جامعات، بل عامة غرباء، ورثاث خلق طَلعوا من المقابر.
– من المقابر؟ ماذا تقول؟
– ضاقتْ بهم الأرض.
– ألم أحررْ الأرضَ، ماذا يريدون أكثر؟
– لا يا سيدي. لم تحررْ الأرضَ بعد!
– ماذا تقول؟ في أي سنة نحن؟!
يتأملُ قامتَهُ في المرآة، يرى أكثر من وجه.
موسى بشعرهِ الكثِ السائبِ وثوبه الأبيض القذر المغسول برملِ الصحارى يتقدمُ إليه وينحني:
-ألم أقلْ إنك إلهٌ؟
– كفْ عن هذا الكفر!
– لماذا تنكرُ نفسكَ يا أخي؟ لماذا تتفعى وتندسُ في الورق الأصفر والأبيض وأنت شمسٌ طالعةٌ من وراءِ الكثبان السوداء؟ أنظرْ إلى أصابعك كيف تلدُ الكفورَ والمصانع والآلات المزهرة، كيف يرتفعُ الطوبُ من بين الأجداثِ والمقابر وتلالِ التراثِ الملأى بجثث العفونة من نفحِ يدك؟
– لكن أن أكون إلهاً؟
– لم لا؟ غادرتْ سماءكَ الفارغة، المملة، بين الملائكةِ والعفاريت، الثنائي الغرائبي، وبدأتَ التاريخَ المختلفَ، الإلهُ في الناسِ، والنورُ ليس في الإهرام بل في صكوكِ الأرضِ تُعطى للمعدمين، والآلاتُ رفيقةٌ بالعاملين، والأشجارُ المثمرةُ تنهمرُ عنباً ولوزاً وخوخاً على الجائعين، جاءَ زمنُ قيامة الإنسان!
– خذوه!
يجلسُ مسترخياً، وعصاهُ تتمددُ وتصيرُ ظلاً طويلاً، يلتفُ على موسى، الذي يتأوه، ويُخرجُ من يديهِ دوداً ينتشرُ على البساط الفارسي المنمنمِ بالأشكالِ الهندسية الراقدة. يتجمعُ الدودُ على العصا، تمشي نحو أنفهِ الضخم، تدخلُ فيه طوابير، وتنطلق صفاراتُ الإنذار، وتمشي القطاراتُ المحملةُ بالجنود، أسلحتُهم تلمع، يطلقون النارَ على الظلال، يدخلون أنفاقاً ولا يخرجون. مصانعٌ كثيفةُ الدخانِ تتوهجُ بنيران، وموسى يُربطُ ببدلةِ المجانين، يُجرُّ بقوة، وهو يصرخ: لا إلهَ إلا أنت!
يقتربُ من نعيمةَ الراقدةِ على السرير، هذا الجسدُ أصبح في خطر، وهذا الوجهُ هادئٌ مثل صخور الفراعنة يتفتت، يجلس ويتأملُ البهاءَ والجمال والمُطلقَ، شعرُهَا أسود يرفضُ الاعترافَ بالزمن، وثدياها هضبتان، وتنطلق موسيقى هادئة، كانت تعيدُهُ للطينِ وقوارب المجدفين في النهر.
يتحسسُّ حرارتَها. يضعُ كمادةً أخرى، تفتحُ عينيها:
– ألا تزال ساهراً. أنا بخير!
تقبلُ يدَه.
تلاحظُهُ كائناتُ العمارةِِ زوجاً هادئاً، وامرأةً ساكنة، وشقةً لا ينبعثُ منها صراخٌ ولا بكاء، عسكري تحت أبطه جرائد وكتب دائمة، تطيرُ فراشاتٌ من عينيه، فجأةً رأوا صورتَهُ في الورق المبهر.
يصطخبُ السكانُ قربَ المصاعدِ وداخله وفي إنتظارهِ وتعطله، وجمالٌ يصعدُ بهدوء، كأنه يحذرُ أن يصطدم بزهور نابتةٍ بين ثغراتِ البلاط الشائخ.
الصبي يطالعُ حذاءَهُ الأسودَ الضخمَ الذي يقبلُ البلاط.
– ماذا حدث لك يا سمير؟
– سقطتُ وأرى حذاءك القوي.. القوي!
يحمله ويقبلُ الفتى الضئيلَ في خده.
يأتي حاملاً ورقاً: سلسلةُ همومٍ منتشرةٍ في الحروف، كتبٌ ومجلاتٌ طالما خدعته، يتذكرُ كيف نامَ أخواه على مخداتِ كتبهما الضخمة، وهو يجري في أوردةِ الأرض.
يعودُ لغرفته، أبٌ مهموم، في زمنِ الملكِ صديق الراقصات.
– نعيمة هل نمتِ؟
– كيف يأتيني النوم وأنتَ قلقٌ تهزُّ السرير كما لو كنتَ تهز العرش؟
– لن أهزَ العرش، بل سوف أسحقه.
– لا تتكلمْ بذلك فلست سوى ضابط صغير.
– بل عقيد، سكتُّ طوالَ عقدين من السنين، قرأتُ كتباً بعددِ موجات النهر، فآن لهذا الرقص الداعر أن يتوقف في القصور.
– أتكفي قراءة الكتب لتغير أرضَ البراكين والطمي وكهوف السحرة؟
ينحني رأسُهُ على الكتاب. يغفو. يرى كائناً غريباً يتقدم. يسمع أصواتاً تملأُ الفضاء.
(إنهضْ يا أوزريس، أنا ولدكَ حوريس. جئتُ أعيدُ إليك الحياةَ لم يزلْ لكَ قلبك الحقيقي، قلبك الماضي)،(1).
النافذةُ تصهلُ بقوة، تنفتحُ ويهب أعصارٌ.
يصحو، والكتابُ يطيرُ ويضربُ الزجاجَ، وتنهضُ نعيمة خائفة.
السماءُ تتفجرُ ببروق، زوجتُهُ تحضنه.
في كلِ خميس يأتي حاملاً وردةً لها. كانت تضجُ وتصرخ وتبكي حتى هدأت، عرفَ مفعولَ الياسمين، من العنابر والثكناتِ ومن بين فوهاتِ الدباباتِ يأتي هادئاً، يطيرُ من السماء وينغمرُ بالطين، يشيعُ الحبُ في السلالم الضاجةِ بالصراخِ والأسئلةِ والشتائم. النسوةُ أول من إنبهر به. الرجالُ ضجوا بالغيرة:
– ما هذا العسكري؟
لم يروا عسكرياً جميلاً، لم تعاشرْهم بدلةٌ ذاتُ نجمةٍ ولم تنزل مطرَها الناري.
– ماذا بك يا جمال يا حبيبي؟
– أنا بركان.. أعذريني، أعماقي تتفجر.
– أنت لا تنام، لا تشبع، وتجري لهذا الجيش .. الحثالة!
– لا تقولي ذلك!
– في لحظةٍ كان كارثةً. تذكرْ المماليك، تذكرْ محمدَ علي، تذكرْ هزيمةَ عرابي!
– لا، لا! سيكونُّ هذه المرة فجراً جديداً.
– دَرّسْ في الكلية العسكرية، أكتبْ مقالات، كتباً، لكن لا تمشي بين الأسراب المجهولة المنقضة في الليل!
– لا أعرفُ الكتابة، بقدر ما قرأتُ تنامُ السطورُ تحت قلمي. ثمة إتصالاتٌ غريبةٌ بيني وبين الأبطالِ والشهداء والأموات. تمتدُ أفاعي الحياةِ في أحلامي من بين السافانا والبردى، يظهر صناعُ الأهراماتِ يكلمونني.
– خذْ أقراصاً مهدئةً قبل النوم.
يصرخُ في البريةِ الخالية من العاشقات، المليئةِ بنسوةٍ يسجدنَّ للمخابزِ ورياضِ الأطفال وفساتينِ السهرةِ وهو يدخلُ جوفَ دبابةٍ ويقتحمُ القلاع.
فتاةٌ جميلةٌ هادئةٌ هامَ بها في المدينة، الوحيدةُ التي دخلتْ في زقاقِ فقرهِ وقَبَلته. النسوةُ الأخرياتُ ضحكنَّ على ثوبه، والحقيبةِ المهترئةِ التي يحملها.
حبسَ كلَ عفاريت القرية وأضاءَ لمبةً في روحه.
يتأملُ القلاعَ المملوكيةَ وكيف يقتحمها.
أدمنَ الشطرنج.
أخواه هارون وإبراهيم يفترقان منذ أن لعبا الكرة. كبرَ وأحدهما يدوامُ في المسجد والآخرُ في الخلية. هذا يذهبُ لمكتبةِ الأزهرِ والآخر مكتبة الهلال. هذا يبيعُ وذاك يشتري، وهو يطلعُ على الحروف الميتةِ التي يقرآنها ويفضلُ النزولَ للجداولِ الحية حيث الترعُ تضجُ بأجسادِ الفلاحين والنسوة المتلفعاتِ بالأغاني وخلاخيل السحر والمياهُ تغيرُ الجلودَ والتضاريس.
يشتبكان ويفضُ نزاعَهما، يطردُ هارونُ إبراهيمَ وهو يسهرُ معه في العراء.
حتى جاءتْ نعيمتهُ وأسكنتهُ فسيحَ جناته.
تزوجها. أمتلأتْ عيادتُهُ الحربية بالأشباح، يقتحمون القصور، وبساطُ ذلِ القرون كله تحت حذائه.
أخواه يتسللان إلى جيشه، يتغللان ويتكلمان كلاماً غريباً:
– جمال طول عمره لا يعرفُ الناس.
– منعزلٌ وعسكري مغلقُ الرأس.
– هو بلا بوصلة، بلا عقيدة، مجرد بدلة فارغة!
– يسلمُ مصرَ لضوارٍ جديدة!
حشودٌ من الضباعِ تحيطُ به، الوجوهُ البيضاءُ النازلةُ بالمظلات، الأجهزةُ التي تتنصتُ على إلتصاقهِ بنعيمة، عيونٌ كثيرةُ تحيطُ بدروبه، والقهوةُ قبل أن يشربَها سممتْ عساكرَ قرويين.
يحتضنُ أخويه ويريهما جسدَهُ المثقوب.
هؤلاء رفاق السلاح لا تطلقوا عليهم كلماتكم الجارحة.
يعودان لكائناتِ المستنقعاتِ ويطلقان الورقَ والجرادَ في السماءِ الواعدة بشم النسيم.
تعودُ الضرباتُ المخيفةُ على الأبواب في منتصف الليالي المقمرة:
تتدفق الشاحناتُ المليئةُ بالنظاراتِ الطبية والأجساد الضامرة متجهةً للصحارى، وتنتشرُ معسكراتُ فراغِ المفكرين المجبرين على الصمت.
تهمسُ نعيمة:
– جمال ليكنْ صدرَك بحراً.
لم يقرأ أخواه الطمي.
هل كانوا وهما الثرثاران يتصوران حياته المغيَّبة بين السنابل والذرة الريفية المغمورةِ بالعتمةِ والكلاب صمتاً وسكوناً وإجازة؟
بدلةٌ عسكريةٌ شاحبةٌ تتقدمُ لأربعين قرناً من الحضارة الدموية لتخترقها بنصلٍ وردي.
رجلٌ شابٌ يمشي بين الحشود المضروبة والنسوة المُخَدراتِ والمقابر الحيةِ قرب الفنادق والماء النقي.
من نسلِ الصحراءِ، من صرخةِ حوريس، من تقطعِ أوزريس، من ذكاءِ عمرو، من بسالةِ خالدٍ، من نقاءِ علي، يطلعُ من حصارِ السيارات المحروقةِ والمدرعاتِ الجائعةِ للحمِ النيليين، ويمشي بين حقولِ الجثثِ المزهرةِ حقداً وخططاً.
يحركُ البدلات العسكريةَ للقرويين المليئةِ بالأشباح والتمائم فيحصدُ غباراً.
ينغمرُ في الحاراتِ والحقولِ يصافحُ المجندين والشهداءَ والأمهات الثكالى.
كلما مشى مع أحدهم رأى كبشاً أو نعجة. تعرفَ بودٍ على برميلِ لحمٍ فوجدهُ يحلمُ أن يكونَ ملكاً.
إستعانَ بضابطٍ عتيق أخذهُ واجهةً فأنتفخ الكهلُ وغدا بالونةً تجذبُ كلَ الغربان.
نعيمة تهدهدهُ وتنزعُ الشوكَ اليومي وحراشفَ الحيات السامة وتهمس:
– لا تحاولْ طريقَ الشوك والقبضات والخناجر.
كلما غضبَ هدأته، كلما ثار دمُهُ أخذتَهُ لزهرِ التراث، وزهد الرهبان والصوفيين والشهداء.
حين صادقَ ناجياً وتعرف على قبيلةٍ كاملة، ودخلَ في مجالسِها وحكاياتها، التي تعودُ لإخناتون، رجعَ إلى العمارة مثل تمساحٍ طافح نحو الخصب.
ليقولَ لهُ فكرتَهُ المخيفةَ إحتاجّ لدوي مخيفٍ من القطارات وضجيجِ سهراتٍ خادعة وتبادل كتبٍ عن ممثلي السحر والنجوم.
صرخَ ناجي في الكون وقلقلَّ النجومَ:
– ماذا تريد أن تفعل؟ أي عمل مخيف هذا؟
– لأولِ مرة منذ بدءِ التاريخ سيصعدُ فلاحٌ للعرش!
أين التيجانُ والقنابلُ المتساقطة وقوافلُ المدرعاتِ المحترقة في سيناء؟ كلها تلامسُ جسمَهُ وتتشطى بعيداً.
كلما فاتحَ ضابطاً إنهارتْ عمارة، وجاء حشدٌ من أطفالٍ يتامى لذاكرته، حتى أخذت عروقُهُ تنسجُ حديداً، ومضى إلى شقتهِ متوقعاً قيوداً تنقضُّ على معصميهِ وتمزقهما، وزوجتُهُ تصرخُ تحت التعذيب.
شجرةُ الوردِ الصغيرة المزروعةِ بين الكثبان والمسامير والقنابل راحتْ تنمو.
عساكر طلعوا من بين أشجارِ الشوكِ وحفرِ المدرعاتِ وكهوفِ السحرة وحقولِ الذرة المحروقة.
هؤلاء رجالٌ كلما وضعَ أحدُهم يدَهُ في يدِ الآخر لبسَ كفنه.
الرجلُ الذي يصنعُ طبخةَ الموتِ للقصر يلتفُ بالأسماء المستعارةِ ولا يغرقُ في البحيراتِ المرة.
هؤلاء سيقتحمُ بهم مملكةَ الموت.
بين الحشود، أمام الملايين يصرخ، يحركُ الشجرَ العتيقَ البالي، يهزهُ فيخضرُ ويثمر، إستطاعَ أن يكتشف أهراماتٍ جديدة، وأوراق بردي مخيفة.
راتبٌ زهيد، بدلاتٌ ثلاث، سيارةٌ من مخلفات المَلكية، أسرةٌ تندفعُ للمال فيتركها، وعيونُهُ تحفرُ بقعَ القرى الضارية الجوع، ويمشي بروحهِ بين الأزقة، لكن سربَهُ الكثيف السيوف يتهالك على المتع والبيوت والأراضي، وتضجُّ الطبولُ حولَ رأسه، وتنتزعُهُ السواعدُ والإشاعاتُ والأكاذيب، ودخل صحراءَ هائلةً تمتدُ من الماء إلى الماء، وجاءتْ التنانينُ الكثيرةُ وأطلقتْ نيرانَها في وجهه.
ينفضُ الوزغَ من حوله، يحطم معابدَ قديمة، يَخرجُ سحرتُها يضجون بالبكاءِ ومعهم نسوةٌ عمياواتٌ يكذبنَّ بالنبؤات.
يحرقُ الورقَ وتتطاير الأسماء. لم يتحرك شيءٌ لولا(أعدوا لهم من قوة)، ثم جرتْ السيوفُ والخيلُ تغيرُ الخرائطَ وتعطي الأنهارَ والبساتينَ للبدو. غلبَ محمدُ علي المماليكَ الزبالةَ الأخيرةَ للقرونِ الرثةِ، وغلبهُ الأنكليز. وجاء الفلاحُ ليغلب الجميع!
وبعد ذلك فلتشدو نعيمة بالمحبة!
أخواه يقرآن وينغمران في الخلايا المنتجة للعسل أو للخل فيما هو يتوجه للكليةِ الحربيةِ وريثةِ البداوةِ العريقة، يَتسللُ لذروةِ أعصابِ الرأس، ووحدُهُ لا يستطيعُ أن يُدخلَ شعرةً.
عرفَ أسرارَ الصحراء وخطى البدو والقوافل لاحتلالِ مدن العنب والخبز والجواري، وصارت عضلاتُهُ من الدباباتِ والطائرات وزحفَ بعد عالم من الحرائق والأنتظار والكوارث، وأزاحَ في يومٍ واحد سلالةً وقملاً كثيفاً في شَعرِ الفتاةِ الحوريةِ العبدةِ المجلودةِ على شاطئ النيل.
القوةُ غيرتْ كلَ شيء، فلتستمر تنشرُ المداخنَ والمزارع في كل مكان. وهارون وإبراهيم يُقصيان، والأمُ تأتي من أعماق الطين، لا يزالُ دخانُ الخبزِ في ثوبِها، ووجبةُ الجرادِ في لسانِها، تخترقُ صفوفَ الجندِ والشجرِ والعيون.
– جمال ماذا تفعل؟ أتسجن أخاك، هذا العابد المصلي الطاهر الذي لم ينسَ فرضاً؟
– لقد إستخدم بلطجياً لقتلي. أستأجر مثل العتاة رجلاً للقتل، وقتل من؟ قتل أخاه الذي يعمل للناس خيراً!
– ثمة من يفرقُ بينكم. حلمتُ بثعبان يشربُ النيل.
– أتريدين زيارته؟ أنصحيه أن يعتذر.
لكن الأمَ غطتُهُ بعباءةِ شجرِ السدرِ والحبِ ولحافِ الأمومةِ الذي أغفى عيونَ الحراس، ليهربَ ويمضي في طريقِ الصحراءِ والشياطين وهامان وفرعون.
وجاءتُهُ الأمُ مرةً أخرى، كلما فاضَ البحرُ بالغضبِ أمتلأ جسدُهَا بالندوب، تتحركُ التربةُ النوبيةُ من صندلِها الخافت، وتمشي الأشجارُ في معيتِها وهي تنزف.
– جنودك قتلوا ابنَ أخيك هشاماً هذا الذي كانَ مثل ابنك!
– ثمة خطأ، خطأ فظيع!
– يا جمال لماذا تسجن إبراهيم؟ هذا الذي يرعى المساكين.
– أخافُ على المساكين منه!
– لم يؤذِ أحداً، يوزعُ ورقاً وكتباً على التلاميذ، مرة مشى بصعايدة إلى قصر الباشا.
– زوريه وإذا هربَ ستأكلُهُ ثعالبُ الصحراء.
يضيءُ خلاياهَم بمصابيح الرهبان والقرامطة والصعاليك فلا يجدُ من عسكرهِ سوى أكلِ لحمِ الناس. يُحضرُ الحمرَ والصفر ويوزعهم على المصانع والدواوين فلا يرى سوى حشراتٍ ضارة.
هل يداهُ خائنتانِ للطين؟ يدققُ في أسعارِ الفساتين النادرةِ لنعيمة ويتبرعُ برواتبهِ فلماذا يحيطهُ المتهالكون على المتع والأشياءِ؟ يبحثُ عن الزهادِ فيجدهم غائصين في الأديرة والمكتبات المثرثرة ووراء أسوارِ الكلماتِ الشائكة والمكاتب الفاخرة والنظريات المتصحرة.
أغلبُ أعضاءِ الخلية الكبرى من الوزراء والقادة صاحبة مفاتيح الخزائن والبساتين والشركات تسكرُ وتلهو ليلاً وبعضها حتى نهاراً، ويخضهم ويكاد حليبُ أمهاتِهم أن يظهرَ منهم فلا يجد سوى الانحناء والابتلاء.
جسدُهُ ينطلقُ رصاصةً بين الجموعِ والأدغال والثلوج، منذ أن قررَ أن يركبَ الدبابةَ ويطيحَ بكلِ شيء، وها هي الجموعُ تقتربُ منه، تخرجُ من أقبيتِها، وغيرانِها، ومخاوفها، وتصرخُ ضده!
بعد أن غيّرَ السجادةَ الأرضية المليئة برسوم الكهنة والسلاطين والمجانين تقول له أمه:
– ماذا فعلتَ يا جمال؟ الذين حولك كلهم لصوص!
ـــ 2 ـــ
في بهاءِ الشباب، في ضوءِ الفجرِ السياسي، حيث تتألقُ النجومُ الصغيرةُ لتصيرَ إنفجاراً سماوياً، يجلسُ جمالٌ والعتمةُ حوله، ومصباحٌ صغيرٌ يكشفُ سطورَ حلمه، هنا أسطورتُهُ تتحركُ على قضبانِ أوربا العجوز وتدهسُ القلاعَ النخرة، النَقاشُ الذي يلونُ القارةَ بالدم فتزهرُ قمصاناً سوداء، أيها الأئمةُ الكبارُ ساعدونا في تجليةِ الأبصار.
نعيمة تقترب بخفوت، شبحٌ أنثوي مسموحٌ له بالاقتراب من العقرب الذكوري الذي يرفعُ ذيلَه، الغاراتُ الليليةُ هدأتْ وما زالتْ إنفجاراتُها تدوي في سمعهما.
– ماذا تقرأ في هذه الساعة؟
تقتربُ كأنها في أولِ المجرةِ الرُبانية، تمسحُ على رأسه وكأنها تسقطُ القبعةَ العسكرية.
شبحُ إبتسامةٍ على شفتيها:
– إنه نفسُ الكتاب المهترئ؟!
– ليس مهترئاً إلا من أصابع المحبين.
– (كفاحي؟!)، لو أنك سألتَ أرضنَا لفاضت.
– لم يكن من السهل العثور على هذا الكتاب في ظل هذا الحصار.
– وباللغة الأنكليزية أيضاً، أي تعبٍ هذا؟
أخرجتْ له صورةَ راقصةٍ مذهلة! إنتفض!
– أنظرْ يا سِيدي وجدتُها تحت فراش عبدالحميد!
التفَّ الكرسي، وحدقَ بإنبهار بساقي فتحية، الخلخال في الأسفل، كما رنَّ مراراً بين عظامِ رأسهِ الفارغة، إلا من الهوى والهوس وقطف النجوم في الظهيرة، ولم يستطع أن يكورَ الصورة ويعجنها بأصابعهِ القاسيةِ التي غدتْ حنونة فجأة.
– سوف أعاقبه بشدة!
– لا داعي لذلك إنه مجرد ولد!
– أنت تقولين ذلك وتشجعين هذه الشهوةَ الرعناء!
– أية شهوة لديه.. ما بك يا جمال؟
عبدالحميد لا يتقدمُ في دراسته، علاماتُهُ متدنية. أي معلمين أفاضل هؤلاء الذين لا يأبهون بمركز والده الخطير؟ ليبحث عنهم. منى تغوصُ في الورق وتحترق.
تأتي نعيمة مأخوذة، وبدأتْ شعيراتٌ بيضاءُ تغزو ليلَها الفاحمَ، فيتألم، تقولُ برعب:
– عبدالحميد ألفَّ رسالةَ الماجستير، ونصفُ دستة من الدكاترة ساعدته!
– أحضريه.
يتقدم عبدالحميد بكبرياء وشموخ، هيكلُهُ النحيفُ وقصرُهُ يطلقان طاقةَ خيلاءٍ غريبة.
– أتستعين بآخرين لصياغة عملك؟
– معاونة محدودة جداً.
– أنسَ هذه الرسالةَ وأبدأ من جديد!
الشابُ مأخوذ، يتفككُ إلى أجزائهِ الصغيرة الدنيا، يعول:
– دعني آخذُ كلَ المعرفة والشهادات، أصيرُ عملاقاً بين هؤلاء الأقزام، أكونُ وريثاً لك!
– لا تصلح حتى أن تكون وزيراً أو سفيراً. أذهبْ وأدرسْ من جديد!
ومنى تحرثُ في أرضِ المعرفة، تبعدُ بردى السحرة والكهنة، وتدخلُ التوابيتَ والأنفاق بضوءٍ ساحر. لكنها تتعلثمُ عنده:
– أأنا فرعون جديد؟
– لا تستطيع أن تكون.
– لماذا؟
– لستَ من سلالتِهم.
– أنظري للكتابات على أوراق البردي والرسوم كأني واحداً منهم.
– باللون ربما، بالشكل ربما، ولكن تلك أسراتٌ طويلة.
– دراستك مليئة بالأسئلة والشوك، لكنني أحترمُ رأيك ولا أعرفُ كيف أخرج من هذا الدرب. واصلي الكتابة!
– أعملْ ما تقدر عليه يا أبي، طريقكَ كله ألغام!
في الشارعِ المضيء، المزهرِ ضوءً وفرحاً، تأتي الدرابكُ والصنجاتُ والطبولُ تجعلُ للمقعدين والموتى أجنحةً، وحتى الأشجار الجامدة من عهد الأيوبيين تضحكُ وتنتشي، وورقُهَا يمطرُ حناناً شتائياً وربيعاً مبكراً، وناجي يأخذهُ من ساعده ويمشيان ويريد أن يدخله للمرقص الحانة، وهو يسحبُ ترددَه.
بعد أن مشى عنه صاحَ بناجي:
– ألا تريد أن تصحو ليلةً واحدة؟
– ماذا ستجدُ في هذا البلد، الضجرُ يأكلُ ارواحَنا. تعالْ طالعْ الراقصةَ الفاتنة، لتخفف من خطط الشطرنج.
هؤلاء هم صحبه، من أين يحضرُ أبطالاً؟ لم تعدْ الملائكةُ تنزلُ لتقاتل مع المؤمنين. متى سيتحولُ النوبيون إلى مخترعين؟
يُعّرفهُ ناجي بضابط مسيحي.
– هو أحمر يا جمال!
الشارعُ المموسقُ الراقص، تتحركُ أشياؤهُ في روحه، حتى النهر لم يستطع أن يختلي بفؤادهِ هكذا، ويحدق ناجي في ساقي فتحية الورقية المسيطرة على الأفق، ويدغدغهُ:
– لمرةٍ واحدةٍ ندخل الحانة. جرّبْ مرة، لن تخسر شيئاً، لن تظهرَ العفاريت، وهي علبة أو علبتان ثم نحلقُ على الشجر الطائر.
– أذهبْ وأستمتع! لكن أنا لا أحب الشراب، أفضل القهوة، وأحبُّ الروايةَ وأغاني أم كلثوم. لكن لن أجلس في هذه الحانات الضاجة برقص الأجساد. ليس ثمة سوى شخصية واحدة في نفسي. لن أزدوج، وأغدو زجاجةً ومصلياً، لن أجمعَ بين الإله والشيطان أبداً!
على السجادةِ يحلق، يغتسلُ بمطرٍ سماوي راعش، كلُ الأوشاب وذرات الغبار وقلق نعيمة وصور فتحية وخلاخيلها وأحذية الأنكليز وقبح الملك كلها تتساقطُ تحت أصابعهِ عند بوابةِ المسجد، كلُ الغاباتِ الشوكيةِ والحسدُ والخرزُ الشيطاني والنمائمُ تترنحُ منصهرةً كأنها طيورٌ تحترقُ ولهبها وراءه، ودخانها لا يحرقه.
ناجي لا يتغير، يصادفان لويس، ناجي يقلبُ وجهَهُ، وجمال يحضنه، يعزمه على كأس شاي متفجر بالحمرة والأعشاب السحرية والسكر يتصاعد في نشوة.
– كيف ثكنتك، وأهلك في الزمالك، لماذا تكره هتلر؟ إنتصار الألماني العظيم مؤكد، تلك قارةٌ رثةٌ، ونحن قرب النهر العظيم سوف نمدُّ حبالاً للنجوم، وتتساقطُ في أيدي صبيتنا قلائدُ الأحلامِ والكواكبُ الصغيرة النحاسية، لن تكونَ الأهراماتُ سوى أكذوبةِ الموتِ البخيل، وبناتنا لهن الخلود!
حاول ناجي أن يقطعَ الحبال، أن يصنعَ دعايةً ضد الشاي، ويقاربَ بين الصليبِ والصليبِ المعقوف، لكن لويس كان يبحثُ عن ترابِهِ والمسيح.
– ماذا بك يا جمال؟ كيف تعقدُ مثل هذه العلاقة مع هذا؟ ألم تحذرنا منه؟ ماذا جرى لك، ليست سوى بضعة ساعاتٍ قليلة، وتنقلبُ هذا الانقلاب؟!
– نعم، إنقلاب. روحي إنقلابٌ يا ناجي.
في الروح هناك بقعةٌ غريبة، هناك الإخوانُ، هناك المسجدُ الذي ينهضون له ثلاثتهم سوية، هناك الفجرُ المشعشعُ في القرية بالياسمين والجمر، تتحدُّ الفراشاتُ والوريقاتُ البيضاءُ فيه، وتمشي سطورُ القرآنِ حليباً ودواءً وحباً، الأشواكُ المزروعةُ قبل أيام، تصيرُ عظامَ سمكٍ لذيذ، وشبكاتُ الليلِ والخيلِ والخوف تذوبُ في الكف مرايا وزهرات.
حين يمسكُ جمالٌ هارونَ وإبراهيمَ يمشي معهم الحبُ، تتوزعُ على الأراضي الصغيرةِ المجدبة الحبوبَ، والسمادَ، وتُخربُ الأكاذيبُ بالحلوى، ولا يعود الأطفالُ يبكون أمهاتهم وآباءهم بمرارة.
الانقلابُ يأتي في الصحراء، والقنابلُ تتساقطُ قربَ جلده.
يجثمُ مع أقرنائهِ في سيارةٍ تقتحمُ الصحراءَ برعب. اللورياتُ المليئةُ بالجنود والقطعِ الصفراء من الشاحنات والدبابات تحبو على الرمال.
الخيمةُ والضابطُ الإنكليزي والخريطة وأصابعُهُ البيضاء تحشرُهم في الخطوط والجبال والخيام ومستنقعات العظام. في الخيمةِ يكونُ الليلُ والنجومُ والسجائر والكتب وأضواءُ المدنِ البعيدة والحانات والصحف والبرلمانات ولكن لا تزالُ الأصابعُ البيضاءُ تقتحمُ أنفه، والرتلُ مغمورٌ بمطر من القذائف، وأجزاؤهُ المعدنيةُ الهشةُ تتفتت، لم يسعدْ من قبل بهزيمة، والجنودُ الغرباءُ السود يتحولون إلى قطع محروقة.
ثيابهُ ممزقةٌ، والدماءُ تغسلُهُ، وهو يمشي في البرية، النباتاتُ الشوكيةُ والأزهارُ الصفراءُ الطالعةُ بجسارةٍ من التُربِ الصخريةِ واليابسة تذهله.
يأخذهُ البدو مع أبلِهم، يطالعُ سياقانهم المبتورة، رجالٌ يمشون بخشبٍ وعصي وأسربة، والحيواناتُ ذواتُ أربعٍ سليمةٌ، في الخيمةِ تتلاصقُ أجسامُهُم السمراءُ وروحه، وخبزُهم اليابسُ ينغمسُ بسوائلٍ وخضارٍ وأعشاب وكتابٍ وأسئلة نارية.
يحضنُ الصبيَّ معمر ويراهُ يصغرُ ويتحدُ بالتلال.
يضعون بصماتهم على جلده، ويأخذُ هياكلَ أطفالِهم المدفونة في السراب لأزقته، وزملاؤه وُشموا بالطين والتراب والدماء والنصر الفاجع، والضابطُ الأنجليزي يدعوُهُ لشقتهِ ويرى الزجاجاتَ المبهرات السعيدات بإفتضاضهن والأعلامَ المنتصرة والصليبَ المعقوف المحطم والصليبَ المتألق في رقبةِ لويس، وناجي يشربُ متألماً ويبتسم ببلاهة، يشربُ بغزارةٍ كأنه يغرق، والضابطُ الغريبُ يقول عنه إنه بطلٌ عبرَ الصحراءَ وخرائط الألغام وقبائل اللصوص والأسلاك الشائكة وعاد حياً، وصورتُهُ تألقتْ على الصفحةِ الأولى في الجريدةِ البريطانية ويظهرُ فيها بين رجالِ القبيلة والصبي معمر منفرجُ الفمِ والإبلُ عابرةٌ للتاريخ.
لكنه يعودُ للحاراتِ والأزقة والدروب كئيباً، يتسللُ لشعيراتِ نعيمة، يدققُ في ملامح الرجال الذين ربما مروا بين الخصلات، وفي الجيرانِ الذين ربما خانوا، يزور أخويه، مرةً في أعماق الريفِ ومرةً في أعماقِِ الحارات، يركبُ الدبابةَ السحريةَ ويعبرُ النيلَ والشوارعَ المضاءة ويضعُ نجوماً كثيرة على كتفيه، ويأخذُ أولادَ القبيلةِ الذين يمشون بلا أرجل، معه، وأصحابَ الجلابيب الزاحفين بين شجيراتِ القطن أصابعهم محاصرة بين الشوك والحرير الأبيض، تظهرُ الأيدي الممزقة السمراء كخرائط الأرض.
ـــ 3 ـــ
ما زالوا يزحفون نحو قلعته. يخرجون من حفرِهم وأزقتِهم المليئةِ العتمة، من مقاهيهِم المضيئةِ المليئةِ بالدخان، يمشون فوق ورق الجرائد المنشورة للذبابِ والطعام، أصابعُهُم إمتلأتْ بحبرِها وكتبتُهُ على الحيطان والزمانِ الغريبِ العاهر.
حدثَ الإنفجارُ.
في فيلتهِ البكرِ المذهلة بعد الزمان العسير، يأتي أخوهُ يرقصُ من الفرح، كأنه هو الذي ركبَ الدبابةَ، وأقتحمَ الأسلاكَ التاريخية الشائكة!
إبراهيم كان معه دائماً، في نارِ القرية وألعابِها والبحث عن آثارها والتغلغل في غيطانها، في السهراتِ النظيفة، وكان له طريقُهُ المغاير عنه!
يختفي في كفورٍ ومدن، ويأتي محملاً بزادٍ من الورق. أنعشَّ روحَه، ورأى دبابيسَ النورِ في الشوارع، والأسماءَ المبهرة القادمة من الشمال. دائمُ الذهابِ للمحلة الكبرى، وحين بدأَ الحديدُ يتوهجُ في المعسكرات أرتعشَّ وحدثهُ عن ميلادٍ جديد.
في أصابعهِ كانت الخريطةُ ولكنه لم يعرفها وذهبَ لآخرين.
– من أنتَ يا جمال؟ مجرد بعوضة!
– تعالْ معي، سأفتحُ فتحاً.
– ماذا لديك؟ من يعرفك؟ من رآك تتكلم أمام حشد؟ رأسك فارغة من النظريات والأفكار والخطط!
– لدي القوة والذكاء والسمو.
لكن إبراهيم يمشي لحشودٍ وأناس يحضرون له الاشتراكات والكتب المجانية ويزيحُ الغبارَ عن أصابعِهم المثخنةِ بالكدماتِ والدماء.
يسمعُهُ يتكلمُ بينهم عن معادلاتٍ رياضية وهم يغفون.
وهارون المنزوي عنه يراه في العيدين، أحتضنهُ مراراً ورأى النجومَ على البدلة تطيرُ في شم النسيم.
أخواي سيكونان معي. سيلتحقان بي، لكنهما لم يلتحقا، وأكفهر وجهاهما.
يا للهول، الغيرةُ هي من بعثتْ رأسَها من بين الحشائش الشقيقة السامة!
يحدقُ إبراهيم فيه مذهولاً:
– أهذا أنت يا جمال؟ أليس هنا رجل آخر، أسطوري، أأنت نفسكَ الصامت القارئ، الراهب، تصيرُ فوق الحشود؟
– كلا لستُ فوق الحشود.
بتواضعٍ رهيبٍ أذهله، أطفأ ناراً غريبةً تتغلغلُ داخله، وجعله يتجمدُ فجأة، ويجلسُ مرتبكاً.
– كنتَ لا تنبسُّ بحرف. أراك شمعةً وتتكلمُ بإشارات غريبة، سرك في تنور!
إبراهيم يتجمدُ ويتأمل.
من فراغِ التاريخ، من حقولِ القريةِ الراقدةِ على الورق والأعشاب والدود والنارجيلات والخبز، من الحوش الذي ينزلُ عليه الندى وتغتسلُ به الأسَّرةُ وما تغتسلُ العيون، والترابُ يتحدُ بالعجين، والطيورُ بالرصاص، والفتيةُ بالحقول والخلايا والثكنات، والحَمامُ بالسماءِ والأنام، مشى وجهُ جمالٍ بين الجموعِ العادية، لا يفرقُهُ عن الملايين، ضائعٌ في الحشود، والبحثُ عن الأبِ وزيارةِ الأم، والفتى الهادئُ الخجولُ يصعدُ نسراً فوق السُورِ والعظام، كان كالترابِ فإذا به شهاب، الآن كيف سيتعاملُ معه؟ أحبهُ كثيراً، الآن سوف يختلطُ الحبُ بالبدلاتِ العسكرية وبالحرسِ والقصورِ المفتوحة لأولادِ الوجه القبلي.
هؤلاء الذين يُصَلونَّ يثورونّ أيضاً ويصعدون لمسرحِ التاريخ المبهر، وهم يتكلمون في الخلايا الغارقة في العتمةِ والشرارةُ ورقةٌ وفراشة!
– لماذا لا تتكلم يا إبراهيم؟
– مرتبكٌ، حائرٌ يا أخي!
ينهضُ مرة أخرى ويعانقه.
لم يعد جمال له، لم تعدْ شقتُهُ الصغيرةُ مأواهُ في لحظاتِ الحزن والشوق، لن يستطيعَ أن يأخذ عيالَهُ ببساطةٍ ويدخلون هذا البيتَ الواسع الجديد المحاطَ بالحراس والمزروع والمُرَاقب. حدثت هوةٌ جميلةٌ مخيفة!
إبراهيم يعودُ لزقاقه، هنا الدربُ الترابي، وعرباتُ الفول والبطاطس، والأمهاتُ العائداتُ من الشغل، والرجالُ الذين لا يفترقون عن الحصى الأثري وأعشابِ المقابر التاريخية، والآلاتِ الصدئة، كأنهم آلةُ عصيرِ القَصبِ وقد صاروا يُعصرونَّ فيها ويظهرونّ عظاماً وملحاً ونوراً.
لكن الناس تعرف إنه أخو جمال الرجل الذي صار مبهراً فجأة!
حشدٌ إقتحمَ عمارتهم. الترابيون مذهولون، ثمة زلزالٌ في نفوسِهم وعظامهم، والكلامُ يُعرشُ شعراً، تهطلُ النجومُ على أكتافِ أهله، وجدوا لهم صلاتٍ بالصحابةِ والأئمة والمشايخ وأصحابِ الكرامات، أعداؤهُ قَبلوا رأسَهُ مراراً، أصحابُ الحوانيت تناسوا ديونَهُ الكثيفة، أصحابُ الخمارات إحتضنوه وإنهالت المقبلاتُ على طاولاتهِ المثخنةِ بالجراحِ والفواتير والصخبِ والكلام الذي قيل!
والرفاقُ إنتبَهوا إليه!
صارَ صعباً عليه أن يتحركَ في مساحاتِ الحشود، راح يطالعُ سيرتَهُ المغبرةَ الكثيفةَ بالمسامير والغبار والوعود، كلَ لحظةٍ يصرخُ: جمال أهذا أنت؟
يتحسسُّ يدَ زوجتهِ فاطمة ذاتِ العروقِ التي تصلُ للنهر والقواربِ والحقولِ البعيدة، التي تمشي كالسككِ المفتوحةِ بالنهارِ في الصعيد، يتذكرُ كلَ أمطارِها الغاسلةِ لغابته، كلَ صمتِها في حالاتِ رجوعهِ الكثيفة في آخر الليالي، صاخباً، مودعاً صحبَهُ أو صاحباته، تقارنُهُ بأخويه الناجحين، تضعُ مرايا أمامه وهي التي ترى الظلام، ويظهرُ أولادهما خارقين مصنوعين من نار، كلُ كوكبٍ في مدار قاتل، وأجرامُهم تنهالُ عليهما من كل علوٍّ خرافي على جبالٍ من الورق البكر.
لاحظَ أهلُ الحي الشبهَ الرهيبَ بينه وبين أخيه جمال، لو أنه لبسَ بدلةً عسكرية لأختطفَ الحكم! أو صارَ بديلاً عنه أو له! وحين تمكنَ من شراءِ بدلةٍ بعد صيف العمر تقاطرَ عليه الناسُ في شارع قصر النيل مرحبين مزغردين!
حياةُ القائدِ الغيبي الغامضِ في الأفق تغلغلتْ إلى روحه.
كل هذه السنوات الطوال ماذا فعلَ في نفسه، غير أن يوزعَ المنشورات وينجبَ ويحرضَ وينهضُ للغَزل والنسيج فجراً وهو غمامٌ ويَغزلُ الخلايا وهي تمطر؟
كان يقول لتوأمهِ: أذهبْ للجامعة، أحصلْ على شهادة كبيرة، بعد ذلك أصدرْ الكتبَ وإخترقْ هذا المجتمعَ الصوان!
لكن جمالاً ينعزل وهو يقرأُ مجلدات العسكريين، ويخترقُ الثكنات، والمدرسة الحربية، ويعودُ من معاركٍ مخيفة حياً موشوماً بشوكِ الصحارى وسموم الحيات وذكريات البدو!
يتذكرُ حسدَهُ الذي مضَّ في نفسه، وجعلَهُ يلبسُ مثل أخيه ويمضي للفتاةِ الفلاحةِ المعجبة بجمال المؤدبِ ابن الناس، وتتطلع فيه بدهشة:
– فيك شيء متغير!
– ما بكِ، تعالي قربي!
– حتى صوتك تغير.
وضمَها بقوة فصفعته!
يدبُ بين عائلةِ جمال الصغيرة يفتحُ ذراعيه كلما دخل عليه، ويغرقُهُ بالنكات وقفشات السكارى والعمال وأضواء المنشورات، وجمالٌ الرقيقُ الهادئ يزدادُ صلابةً وخشونة وقسوة، ذُهل حين وقفا على شاطئ وجاء كلبٌ واقترب منهما فرفع جمالٌ رجلَه وظهر حذاؤه ضخماً وضربَ رأسَ الكلب الذي نبح وتلوى مذعوراً باكياً!
ذُهل منه والحاراتُ تبكي وتنزف، وتضعُ الشهداءَ المحتفلين في الشوارع، ولم تعد لديه دمعة.
– شبعنا من البكاء والدماء، جاءَ زمنُ الخلاص!
أين ذهبَ ذلك الشابُ الرقيقُ الشفاف؟
وأقترب منه، تغلغلَّ في شعيراتٍ صغيرةٍ قرب معسكره وخيوطه التي ينسجها حول نعيمة، وقراءاته الغريبة، وإدمانه الصلاة، يتعبدُ في ذلك الهيكل الغرائبي، ويحولُ سطورَ القرآن لنسيجٍ كوني يغزلُ كلَ مدن وغابات العالم، يتكلمُ من خلال كتابِ الأموات الفرعوني ويذهلُ من جمعهِ بين المدن المهدمة وكلمات الرحمة، وأوراقُهُ هو كلها تجثمُ تحت أعوادِ الذرة، لكنه كان يخدعه، فيما كان يغزلُ بدلةً حديديةً ذاتَ مسامير للمجتمع.
أما هو فخيوطُ غزلهِ قوية أو واهية وكلها حارقة، كومةُ لحمٍ تمشي وراءه وتصيرُ شخصياتٍ غريبةً منتفخةً وبالوناتٍ تطيرُ قربَ الكواكب، وكلما إنفجرَّ واحدٌ منها سقطتْ على رأسهِ الحمم.
كلها تتجمعُ حوله كأنه مُخرجُ عرضٍ أو بابا نويل يوزعُ هدايا في القيظ، الأبُ الذي حملَ أطفالَهُ من الكَفر في باصٍ ممتلئ ومعهم أشياؤهم وأسكنهم في شقةٍ وصارَ يمضي من الفجر لعمله، غدا عمهم الآن هو أبوهم ومركز إهتمامهم، وغدوا منتفخين في فصولهم وشارعهم وصرخة(دا عمي!) تثقبُ نافوخه، ماذا فعلَ بنفسه؟ ما هو الآن؟ كان ينظرُ لعائلةِ جمال الصغيرة وقوقعته بدونيةٍ، هو الذي يعيشُ بين الحشود، تفتل الآلةُ خيوطَ دمهِ في النسيج العامي الأرضي، كلَ ليلة يمسكُ ميكروفون جماعته، تتفجر ثرثراتٌ عاصفةٌ حتى إنتحار الليل فجراً، وتتساقطُ الشهبُ والبلاغاتُ فوق رؤوسهم، فيما كانت النجومُ تنحني فوق كتفي أخيه، الورقُ الناعمُ يتغلغل، والآلةُ الأخرى تنظمُ الحروفَ وتضربُهَا على صخور الواقع، والصخورُ لا ينبجسُ منها ماء، ولا الرؤوسَ تتفجرُ بالتضحية والحب، تقبضُ أصابعُهُ على سرابٍ مستمرٍ وخلٍ وقشور، تهتزُ زوجتُهُ فاطمة فرحاً وتدعو:(الشكر لله طاقة القَدر وإنفتحتْ!). هي التي عانتْ في رحلته الطويلة من الكفر لجحيم الزقاق، وراحت تغسلُ الشقةَ القذرة الهرمة، والدرجات الطويلة، والطوبُ الذي يتزحزح هدأّتْ ضجيجَهُ بأصابعِها، هي التي تركبُ المواصلات لتدفعَ الفواتير وتأتي بالأغراضِ والأشياء وأخبار الضنك، هي التي ولدتْ ذلك الطابور من الكائناتِ الخرافية، وكلٌ له أجنحةٌ من شمعٍ يطيرُ نحو علبةِ دخان أو كبريت، وها هي شمسٌ تسطعُ في العائلة، تنبثقُ داخل الحوش الأسري القفر، فكيف لا تهتز فرحاً، وتهمسُّ كلَ لحظة: كلمْ أخاك!
كانا يختلطان بين الناس، يتبادلان مواقعهما بسهولة، وفي عتمةِ الغسق لا أحد يستطيع معرفة جمال أو إبراهيم. لكن يستحيل أن يذهب مصنعُ الغَزْل للقصر.
كان قربَ قميصه، ويكادُ أن يكونَ بين هدبهِ وأصابعه، كلما طلبَ شيئاً عصرَ جسدَهُ من أن أجل أن يكون له، في رحلاتهِ المستمرة من الكفر، في بحثهِ عن مكان وزوجة وأثاث وأدوية كان جمال دائماً هناك. الأخُ المتفجرُ حيويةً وجسداً يضعُ مدخراتِهِ في فخارةٍ يكسرُها حالما يرى خطوط جبين أخيه تتلوى حزناً. كومةُ اللحمِ والليالي الاستعراضيةُ والدخانُ أذلتهُ، جعلتْ توأمَهُ يَكبرهُ عقلاً ورحمة. كم من مرة دخل بيته وفي يده أشياء. لماذا حفظَ ميلادَ أبنائه وهو لا يتذكر متى تزوج نعيمة أو متى ظهرت منى! كيف سلمهُ ابنَه هشاماً آخر العنقود ليعيش في بيته بعض الوقت وأحتضنه وأحبه أكثر حتى من ولده!؟ هشام الحلم والضحية!
يقوم جمال من على السُفرةِ ويقول:
– كُلْ أنت!
ويشبعُ من الأشياءِ ويهمس:
– خذْ البدلة! لم تعدْ من مقاسي!
وهو يسخرُ منه :
– كيف لا وقد إمتلأتَ من خراف الجيش!
الآن يستحيلُ أن ينحني ويتقدمَ إليه ويقول أريد! أعطني أرضاً لأتنفسَ يا جمال! الدولةُ صارتْ في أهلي وأنا أعيشُ في الحارة الزنخة!
الناسُ تزحفُ على وجهِ الأرض إليه، الحشودُ تتغنى به، المذياعُ يهتزُّ مدوياً بذكره، السماءُ تنحني وتغدو شمسيةً في منزله، لكنه لم يفتحْ فمَهُ ليقول خذْ يا إبراهيم! عشْ أنت أيها الشقيق الذي خُنقتَ في الزقاق وتعبتَ من أجل أسرتك! عشْ يا حبيبي إبراهيم أيها المدفون حياً!
تتفجر المارشاتُ العسكرية، وتكاد الأرضُ كلها أن تكونَ على مرمى حجرٍ من عروسِ النيل، لكنه ينهضُ في الفجر ويغتسلُ عن مطرٍ من الحشرات ولعابِ السكارى وخرافاتهم المحلقة قربَ عرش الله، ويصفعُ الشبورةَ الصباحيةَ ويفتحُ له درباً في أشباحِها الباردة، ويستعيرُ بعضَ الدفءِ من أنفاسِ العمال المتجمعين بإنتظارِ الباص وفي داخله، والضوءُ يكبرُ في الدربِ وفي روحه، وحين يجثمُ على آلتهِ يغزلُ الحبَ والدمَ والنار، يدقُ كلَ ضلع أعوج من أبنائه، يمسكُ كلَ رفة نحو الشمس الحارقة، وتتبعثرُ أجزاؤه، وتتكسرُ خطواته كل نهار، ليجثمَ في الليلِ على الزجاجاتِ الباردة والرغوةِ الطائرة نحو القمر، ويصيحُ قلبُهُ كلهُ هذا أخي جمال ناءً عني!
الآن تمتدُ فيلا جمال، تعرشُ، تمتدُ إلى النجوم والصحارى والمدن، ويدخلُ إليه، ويحضنه، ويأكلُ الحلوى ويشرب القهوة ثم تزدهر التحياتُ ويخرجون للشارع الفسيح تحدقُ فيهم عيونُ العساكرِ المحايدةِ الجامدة!
في الدروب والباصاتِ تتساقطُ أحلامُهم، وجوهُهُم صلدة، فاطمة متخشبة، ولدهُ الأكبرُ فتحي يقترب منه ويهمسُّ في أذنه: أهو أخوك حقاً؟ أهذا عمي فعلاً؟ أم أنك تكذب علينا وهو من بلدياتك ومن كفرك المنسي الذائب في وهج الصعيد؟ لكن الشبه بينكما كبير!
مريم تضحك برعونة، إشتغلتْ بضعةَ شهور في المصنع، لكن لم تُطقْ العمل، شعرُهَا الأسودُ الكثيف تداخلَ والخيوط القطنية، تلمَهُ مراراً لكنه يطيرُ ويتعالقُ مع أغصانِ العوسج، مع أحلامِ الليلِ وأضواءِ الكباريهات، كانت تسبحُ فوق مياهِ النهرِ الذهبية، يقودُها القاربُ النبوي العسكري إلى فرعون، والقاربُ يغرقُ والسمكُ النهري يسبحُ قربَ عينيها الكبيرتين ويدخلُ فمَها الواسع المفتوح، وترى البدلاتَ العسكريةَ تمشي في الأعماق منفوخةً بالجنيهات والماء والهواء والأغصان. تطفو على طاولةِ الفطور، تُدخلُ في جسدِها الشُوكُ، وتضربُ باعةَ الحليب الصغار بالأرغفةِ المنتفخة بالتراب.
تتفجرُ الموسيقى في غرفتها، تهزُّ الجدرانَ وهي ترقصُ على أطرافِ أصابعِها، تمشي بجعةً محبوسةً في بركة. تقول:
– كلمْ أخاك، ليجعلني سكرتيرةً له، موظفة، ألا أستحق أن أكون وزيرة؟
أما أحمد فغارقٌ في كتبهِ وورقه، فصنعَ له أجنحةً من رواياتٍ وأعمدةٍ وجداول، يحلقُ من الشباك طائراً نحو الأزقة والجامعةِ وإحتفالاتِ الشعرِ والنجوم والنهر، حين تفجرتْ بالوناتُ العسكرِ في الشوارع صرخَ به: ماذا كنتم تفعلون في الخلايا غيرَ الكلام والسَكر؟ وصارت الكتبُ أكثر ضخامةً وراحتْ تنزلُ على رؤوسِ العائلةِ بمصطلحاتٍ ثقيلة وبمطرٍ من اللغةِ المصابةِ بالإنيميا والاسهال، وكل أسبوع يبدل أحمد قواميسه، تتضخمُ اللحيةُ فجأة، ثم تُحلقُ ومعها الشارب، وتجيءُ كتبٌ غريبةٌ ولوحاتٌ فيها الأفيالُ ترعى العشبَ في السماء، ثم تكبرُ مسبحةُ الدراويش وتتساقطُ منها حبوبُ البَركةِ والدخان الساحر، حتى عاد فتى بقميص وبنطال فقيرين فأغتنتْ الصحفُ من كلماته.
لكن كلَ شيء صار يدور حول جمال، وتتبخرُ الأشياءُ والبشرُ والأفلامُ والغناءُ والميادين والذكرياتُ والأهرامُ وأبوالهول والغيطان والسلاطين..
في منشورٍ أول فرح باللغةِ النارية الصادحة بحب العسكر، صار يوزعها وينفضُ حسدَ الرفاق، وفي منشور آخر هاجمَ الرفاقُ البدلاتَ البنية فبُهتْ للكلماتِ الغاضبة الناقدة لهم، صارت السطورُ تحفرُ الخنادقَ وتكوي اللحمَ، وظهرتْ العيونُ ثانيةً في الحانة وعلى ناصيةِ الشارع تحدقُ في القادمين إليه، والنازلين من تنوره!
صرخَ في خيال جمال:
– لماذا، لماذا نفترق؟ أتذكرُ الكتبَ في الحقل، والحرائقَ الصغيرةَ المضيئة للناس في العتمة القديمة الواسعة؟
ويواصلُ العزفَ المرير:
– ألم تكن صامتاً طوال عمرك؟ من إستطاع أن يعيدَ الحياةَ للناس غيرنا؟
وتكون الضربةُ القاضية:
– ثم إشتغلتْ في العتمةِ طويلاً وغدرتْ بأخوتك!
لكن جمال قالَ بهدوء قاتل على المسرحِ شبه المعتم:
– كانت بدايةُ المصيبة الخلية الأولى؛ أزحْ سعداً، والخليةُ الثالثةُ أزحْ النحاس، ثم أحرقْ الطرابيش ولا تدعْ الطيورَ الحمرَ تخيمُ على الحواري والحقول والعقول!
– أي تفسير منحرفٍ هذا لتاريخنا؟!
دخل الشابُ الهادئُ اللطيفُ المعسكرات ثم خرجَ كائناً آخر!
ــ 4 ــ
ليس لدى إبراهيم سوى نجوم الليل، يعودُ وأشجارُ الدفلى تلقي بأوراقِها الذابلةِ فوق عمره، يحتسي البيرةَ بزجاجاتِها الطويلة الباردة.
ظهرَ موسى من شجيرةِ العُلَّيق،(2). أفزعَهُ بثوبهِ المعتم، وصرخَ فيه:
– يا أخي كيف تظهرُ هكذا؟
القامةُ الشامخةُ وجراحُ الشوكِ والنورُ الطالعُ من البراري والخرافة. العلبُ ساعدتُهُ وحولتْ النشوةَ للقضية.
موسى يستفردُ بخياله:
– ألبسْ بدلةَ جمال، وأولاً عشّْ بين أهلهِ وصحبهِ، وأعرفْ كلَ صغيرة وكبيرة وذات يوم تكونُ مكانه! ماذا فعلَ من نبؤاتِ الأنبياء؟ لا شيء!
– ما هذا الهراء؟
– أنت التالي، هكذا تقولُ الأبراجُ والحتمية!
– الله يسمعُ منك!
– جمال الحيةُ التي ستبلعُ كلَ الثعابين، فرعونُ الجديدُ يعطي الحلوى للأطفالِ ثم يقودُهم للمقابر حين يكبرون. سترى الصحارى مملؤةً بالمشردين! ونحن الغلابة الضائعين.
– أخونا هو؟!
– هو الذي ألقانا في البئر.
– نعم كان المنتظر أن ينتشلنا منه.
– دعْ هشاماً يسمعُ كلَ شيء.
– لا تُدخلْ ابني الجميل في هذا المستنقع!
– هي حربٌ يا أخي.
ومضى موسى يكلمُ الرفاقَ وينشرُ نبؤتَهُ المجنونة.
تدفقوا على إبراهيم، غيروا حانته، قِيدَ إلى مكانٍ واسع، بيانو يدقُ على رأسهِ مثل عامل نحاس، نساءٌ جميلات يُدخنَّ ويشربنَّ المنكرَ ويتكلمن برهافةٍ شعريةٍ كبيرة، يصرخُ موسى في البرية: هذا شعبي ما زالَ ضائعاً، يسكنُ في التراثِ والمقابر، تعالْ خذهم للمصانعِ والمتاحف يا ضابطَ العسف والانضباط!
يتأمل أخاه المجنونَ الساحر الممثل غيرُ المعترفِ به عائلياً، ويرى مشهدَهُ يتغير:
الجماعةُ تحيطُ به وتقدمُ له الزجاجات والمأكولات، ويتحدثون بهدوءٍ وحماس، يخافُ أن يطلبوا منه أن يغتالَ أخاه، خطتُهم أوسع، وأغنى بالتفاصيلِ الخبيثة، المكانُ يزدهرُ في آخر الليل، المدينةُ تَسرحُ في الرغوةِ:
– إقتربْ من أخيك، كنْ في الصف الأول، كنْ مستشاراً، كنْ مُدلكاً، كن رفيقَ صلاة، كنْ منافسه المهزومَ في الشطرنج، دعْ هشاماً يكبرُ في البيت، فلتتداخل الأسرتان، بحميميةٍ أكبر، لم تقمْ بجهدٍ في هذا التقارب، أنتَ في عمق شبرا وهو في الزمالك، الآن المسافةُ إتسعتْ، ليكن وجهك دائم الحضور، حتى في الإفطار لم لا؟ أعرفْ كلَ فرحةٍ ودمعة في الأسرة، ثم ثبْ في إنفجار التغيير!
– كنتُ كذلك!
– لا تكفي المواعيدُ الأسبوعية.
– سوف يُذهل. جمال مرهفُ الحس.
– من قبيل المساعدة والتضحية، أرفضْ كلَ أماني أسرتكَ الصغيرة التافهة، فكرْ بأسرتك الكبرى.
– كأنكم موسى!
– دعكَ من الساحرِ الممثل.
قمْ يا شعبي سوف آخذكَ من وطنِ العبيد، سوف أحرركَ وأمشي بكَ إلى أرضِ الأحلام والشبع، سوف أضربُ البحرَ فينشق الفرعون، وتكونُ أرضُ الأحلامِ وتكونُ أمُ الدنيا تُرضعُ البشرَ علومَ الكون والعصائرَ والمياهَ السحرية.
يهتفون:
– بدلاتٌ مماثلةٌ ثم تأخذُ التاجَ!
– مكياجٌ من أخيك موسى وتصيرُ الساحرُ الأعظم!
– لو أن هشاماً يغدو هو الوريث!
– لكان زيتُنا في وعائِنا!
الأصدقاءُ قَدموا نقوداً كثيرة فجأة، وضعوا الحقيبةَ على الطاولة فذُهل!
– ماذا بكم؟ أنتم أجنُّ من موسى! الناس كلها سوف تفسر أن مصدرَها هو أخي!
– ليكن، سوف يزداد أصدقاؤنا.
– أي أصدقاء يأتون من نقود وتظاهر بالقرب من .. لا!
– أسرتك تتغير، ويكونون جديرين بعمهم.
– هو لم يقدم لهم حتى دراجة هوائية!
– هذا أفضل.
– أفضل؟
– سوف يعرف إنك مُعان وترتكزُ على قوة!
– يا إلهي، أي حمقى! عموماً أشكركم، لم يقدمْ أحدٌ من أهلي شيئاً مثل هذا، لا أخ الدين ولا أخ العسكر، إنني أعتبرها دَيناً.
هنا أشجارُ الدفلى العملاقة، والشارعُ النظيف، والنهرُ يتنفسُ قريباً، وأصصُ النبتاتِ تتجلى والوردُ يحيّ العابرين، وهنا الباعةُ المحترمون، والصحفُ النظيفة، والمقاهي الزجاجية، والبار المُرَاقب، ويدخلُ البيتَ نافضاً الندى من على كتفيه، والأولادُ والبناتُ يهزون طبقاتَ الهواءِ المُحاصَّرة، وفاطمة تنتظره وتحضنه، وتشوش في أذنه سعيدة.
هذا هو العزُّ إذن، الصحو في العاشرة صباحاً، ومائدةٌ عامرةٌ بأطباق شتى، ذهبَ حصارُ الفول، والبيضُ يتكسرُ وتتطاير قشورُه
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".