التحميل مجاناً لكن نقدم بعض الخدمات المدفوعة ادعمنا بالإشتراك فيها
حذف الإعلانات وتسريع تصفح المكتبة.
يبدأ التحميل بضغطة زر دون انتظار تجهيز الكتاب.
لا حدود لمرات التحميل.
يمكنك رفع كتب بلا حدود بالمكتبة.
تمكين القراء من تحميل كتبك دون إنتظار.
حذف الاعلانات على الكتب التي تنشرها.
لا مشاكل في روابط التحميل لكتبك المرفوعة.
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
| مؤلف: | محمد عبد الحفيظ |
| قسم: | صناعات [تعديل] |
| اللغة: | العربية |
| ترتيب الشهرة: | 833,459 رقم 1 هو الأشهر ! |
| رابط مختصر: | نسخ |
| المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب | |
الناشر والمؤلف
كتاب د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، الزليج الفاسي المغربي. .
باحث
د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، الزليج الفاسي المغربي. مستخرج من كتاب: "الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي"، مطبوعات أمينة الأنصاري، فاس، الطبعة الأولى: 2014م.
ملخــــــص الكتـــــــاب:
عند حديثنا عن مفهوم "السيادة المغربية" نجدها ترتبط تاريخيا بـ: "نظام المخزن"، الذي تعود أصوله إلى "مرحلة الدعوة الموحدية" وتحديدا عهد (مهدي الموحدين) محمد بن تومرت (ت.524هـ/1130م)، الـذي ربــط هــذا (النظــام السيــاسي) الخــاص فــي المغـرب بشـرعيـة "الخلافـــة" و"إمــارة المومنين".
وبعد سقوط الدولة الموحدية سنة: 668هـ/1269م، تطور "النظام المخزني" من خلال تعاقب الدول التي حكمت بلاد المغرب بعدها، حتى أصبح نظاما ذا "خصوصية مغربية" ارتبطت - فيما بعد - بالدول التي أتت بعد الموحدين؛ بدءا بالمرينيين، ومرورا بالوطاسيين، ثم انتهاء بكل من السعديين والعلويين الذين سعوا لترسيخ تقاليد "النظام المخزني" - بحمولته التاريخية والسياسية - في دواليب الدولة ومؤسساتها.
والجدير بالذكر أن "التقاليد المخزنية" لطالما كانت تتعلق في المغرب - ولاتزال - بـ: (استمرار) "الدولة المغربية". واستمرار الدولة المغربية، هو ما أفضى - عبر التراكم التاريخي المتواتر و المتسلسل - إلى تبلور مفهوم: (أصالة) "التراث المغربي"، الذي ستترسخ عوائده بشكل أكبر في المغرب بعد صعود المرينيين (الزناتيين)، الذين قاموا بإحياء مدينة "فاس الإدريسية" (فاس البالي)، فاتخذوها عاصمة لهم، وذلك قبل أن يقوموا ببناء (فاس الجديد)، الذي سيجعلون منه - في مراحل لاحقة - "مدينة مخزنية" شكلت مركزا لسلطتهم خارج أسوار المدينة القديمة لفاس.
ويُعزى سبب اختيار المرينيين لمدينة فاس - دون غيرها - إلى كون هذه المدينة تُعدّ المنطلق (الزماني والمكاني) للدولة المغربية، وذلك منذ تأسيسها سنة: 192هـ/808م على يد الأدارسة (الحسنيّين) المستقلين بالمغرب عن التبعية للخلافة المشرقية (العباسية).
فضلا عن ذلك؛ تميّز هذه المدينة بمكانة روحية و دينية في المغرب، حيث كانت - ولا تزال - هي مناط (الفاعل الديني)، بسبب احتوائها على "جامعة القَرْوِيِّين"، التي تُعدّ مجمعا فقهيا لأهل "الحل والعقد"، وذلك منذ تأسيسها سنة: 245هـ/859م خلال عصر الدولة الإدريسية، مما جعل منها أقدم جامعة في العالم على الإطلاق، وجعل من "حاضنتها" فاس (مدينة مالكية)، أوبالأحرى عاصمة "للمذهب المالكي" في شمال إفريقيا برمته.
وبعد صعود "الدولة السعدية" أو(الدولة الزيدانية)، قامت - هي الأخرى - بإحياء عاصمة المرابطين والموحدين: "مراكش"، كما أحيى المرينيون - قبلهم - عاصمة الأدارسة: "فاس"، لما لذلك من بعد رمزي يؤكد على تواتر وتسلسل الدولة المغربية بشكل يدعو إلى الإعجاب، فصارت كل من فاس ومراكش - تبعا لهذا التسلسل الذي تؤكده كل الشواهد المادية - مصدرا للتراث المغربي، بصفتهما أعرق مدينتين مغربيتين؛ بهما، وفيهما، ومعهما، حُفظت "الدولة المغربية" كما حُفظ وجهها الآخر الذي يجسده "التراث المغربي" الذي لا يعدو أن يكون سوى صورة مجسمة للدولة المغربية و(تقاليدها المخزنية)، وهو التراث الذي ما كان له أن يظهر ويتميز بل ويتطور، لولا استمرار "الدولة المغربية"، ومعها "الأمة المغربية" إلى اليوم دون انقطاع.
فقد حافظ السعديون على استمرار الدولة المغربية واستقرارها بحضورهم السياسي والديني الوازن، حيث استطاعوا القيام بترسيخ سيادة المغرب وتأكيد استقلاله، بل ووقفوا في وجه القوى المتوثّبة كالإيبيريين (اسبانيا والبرتغال) في الشمال، والعثمانيين في الحدود الشرقية للمغرب (إيالة الجزائر العثمانية).
وحتى نؤصل تاريخيا ومفهوميا (أومفاهيميا) لخصوصية "التراث المغربي" الذي اقترن تبلوره أوّلا بتأسيس الدولة السعدية، وثانيا بصراع هذه الدولة مع الدولة العثمانية - التي كانت تروم فرض (ثقافتها التركية) على الإيالات التابعة لها - نشير إلى أن السعديين استطاعوا المحافظة على "سيادة" المغرب واستقلاله عن التبعية للدولة العثمانية. ليكون بذلك المغرب (الأقصى)؛ هو الناقل الحضاري الوحيد لتراث الغرب الإسلامي، والوارث الشرعي لعوائده وفنونه، خاصة بعد سقوط الأندلس سنة: 897هـ/1492م، ودخول كافة دول (شمال إفريقيا) - عدا المغرب - تحت سلطة العثمانيين منذ سنة: 922هـ/1516م، حيث تفرّد المغرب بمهمة تطوير تراث الغرب الإسلامي، وذلك بالنظر إلى الاستقرار السياسي الذي كان يعرفه.
وهو الاستقرار الذي كان متذبذبا في كل من المغربين الأوسط والأدنى (الجزائر وتونس) بسبب القلاقل السياسية، التي طالت الأندلس أيضا بعد تفرق حكامها طرائق قددا، وتكالب (العدو المسيحي عليهم تكالب الأكلة إلى قصعتها).
فلا مراء؛ أن عدم الاستقرار يعقبه ضمنيا عدم الاستمرار (السياسي والبشري والاقتصادي والثقافي)، ولأن هذا الاستقرار كان حاصلا في المغرب الأقصى (المغرب) منذ ما قبل السعديين، كان من البديهي أن يكون المغرب هو المدرسة التاريخية المحورية في تلك المرحلة، التي أخذت على عاتقها مسؤولية تطوير هذا التراث وبلورته، من خلال اختزال التجارب الفنية الإقليمية السابقة لدول "الغرب الإسلامي" (شمال إفريقيا والأندلس)، وبالتالي الإعلان عن ولادة ما يسمى في وقتنا الحاضر بـ: "التراث المغربي" بكافة تجلياته الحضارية، وحينما نستعمل مُسمّى: "التراث المغربي" فإننا نحدده بالمفهوم الإقليمي الضيق، الذي يحيلنا على المغرب الأقصى (المغرب حاليا)، وليس كما يحاول البعض تسميته في وقتنا الحاضر بـ: "التراث المغاربي".
ونحن إذ نردّ هذا الإدعاء، نشير إلى أن التراث المغربي بدأ يعرف خصوصيته الإقليمية بشكل بارز منذ العصر السعدي، الذي سيشهد طفرة نوعية على جميع المستويات، وخاصة في عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م) الذي يعد أقوى سلطان سعدي على الإطلاق، حيث استطاع بحنكته السياسية تأسيس دولة مركزية قوية طبعت بظهور نظام حكم جديد في المغرب تعود جذوره الأولى إلى العصر الموحدي، ألا وهو: "النظام المخزني"، الذي أصبح نظاما ذا "خصوصية مغربية".
من خلال ما سبق، يمكن القول إن ما قام به أحمد المنصور الذهبي الذي يعود له الفضل في توطيد أسس ومظاهر "النظام المخزني"، يبين الجهود التي بذلها السعديون في الحفاظ على (خصوصية) "التراث المغربي" وإقليميته وتفرّده وتميّزه عن "التراث العثماني" الذي فُرض على سائر الإيالات العثمانية، ولعلّ السعديين فعلوا ذلك؛ من منطلق استقلالهم السياسي أولا، وثانيا من منطلق تكوينهم لدولة قوية ذات سيادة، لها خصوصياتها التاريخية، وعوائدها الحضارية التي تميزت في كافة المجالات الأخرى التي ترتبط بمفهوم التراث وماهيته.
وإثر حديثنا عن "التراث العثماني"، لا بد أن نشير إلى أن صعود العثمانيين في المشرق تزامن مع أواخر عصر الدولة المرينية في المغرب، حيث لم تظهر الدولة العثمانية إلا في حدود سنة: 699هـ/1299م على يد مؤسسها عثمان بن أُرطغرل (699 - 726هـ/1300 - 1326م) الذي يتزامن جزء من عهده مع عهد خامس سلاطين بني مرين: أبو سعيد عثمان (710 - 731هـ/1310 - 1331م)، في وقت كانت فيه الدولة العثمانية لا تزال فتية تبحث عن توطيد أركانها لمواجهة التحديات الخارجية في المشرق.
ويسجل لنا التاريخ أن أول اتصال دبلوماسي بين المرينيين والعثمانيين يرجع إلى سنة: 793هـ/1391م، وتحديدا إلى عهد السلطان المريني أبي العباس أحمد المستنصر ابن أبي سالم إبراهيم (ت.796هـ/1393م) الملقب بذي الدولتين، الذي حكم لفترتين مختلفتين تمتدان بين سنتي: (776 - 786هـ/1374 - 1384م) وأيضا؛ سنتي: (789 - 796هـ/1387 - 1393م).
ومعلوم أن المرينيين استطاعوا بتدخلاتهم العسكرية - قبل ظهور العثمانيين - تأخير كارثة سقوط الأندلس بنحو قرنين من الزمن. لكن هزيمة طريف في: 7 جمادى الثانية 741هـ/28 نونبر 1340م، خلال عهد السلطان أبي الحسن المريني (731 - 749هـ/1331 - 1348م)، أجهضت كل أحلام المرينيين في استرجاع السيادة المغربية على الفردوس المفقود، خاصة بعد تواطؤ كل من بني الأحمر حكام غرناطة، الذين تدخل المرينيون لحمايتهم من الخطر المسيحي، وبني زيان حكام المغرب الأوسط (الجزائر) مع القشتاليين لقطع الطريق على المرينيين لاسترجاع الأندلس. وقد كانت هذه المعركة فاصلة - ليس في تاريخ المغرب فحسب - بل حتى في تاريخ دول الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط، وذلك لأنها غيرت "ميزان القوى" بين الشمال والجنوب، حيث انتقل "مركز الثقل" إلى الإيبيريين، لاسيما وأنها كانت آخر معركة يشارك فيها المغاربة بشكل رسمي ومباشر في الأندلس، حتى قال عنها أحمد المقري (986 - 1041هـ/1578 - 1631م) في كتابه: "نفح الطيب": "واشرأبّ العدو الكافر لأخذ ما بقي من الجزيرة ذات الظل الوريف، وثبتت قدمه إذ ذاك في بلد طريف، وبالجملة فهذه الواقعة من الدواهي المعضلة الداء، والأرزاء التي تضعضع لها ركن الدين بالمغرب، وقرّت بذلك عيون الأعداء".
وتجدر الإشارة إلى أن من أبرز تجليات هذه الهزيمة؛ سقوط مدينة سبتة المغربية لاحقا في يد البرتغاليين سنة: 818هـ/1415م، والتي يُعتبر سقوطها - حسب بعض المؤرخين - الحدث الأنسب لبداية التحول من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، عوض تاريخ سقوط القسطنطينية في أيدي العثمانيين سنة: 857هــ/1453م.
ومعلوم أيضا أن سقوط سبتة كان في عهد السلطان المريني أبي سعيد عثمان الثاني (800 - 823هـ/1398 - 1420م) الذي سيُقتل غيلة سنة: 823هـ/1420م، مما سيسرّع بسقوط الدولة المرينية، لاسيما بعد انتقال الحكم إلى ابنه أبي محمد عبد الحق الثاني (823 - 869هـ/1420- 1465م)، وهو آخر سلاطين الدولة المرينية، الذي تزامن عهده مع فتح العثمانيين لمدينة القسطنطينية (استانبول لاحقا) سنة: 857هــ/1453م على يد محمد الثاني (الفاتح).(855 - 886هـ/1451 - 1481م)، حيث هنّأ السلطان المريني السلطان العثماني بالفتح، ليكون بذلك هذا السلطان المريني هو: "فاتح علاقات المغرب مع الدولة التركية العثمانية" على حد تعبير المؤرخ المغربي محمد المنوني.
وحتى نوفي الدولة المرينية حقها، نشير إلى أنها هي الدولة التي يعود لها الفضل في "ترسيخ" مظاهر الهوية المغربية، وذلك قبل أن يقوم السعديون "بترسيمها"، بل وأثرت الدولة المرينية في محيطها، حيث انتقلت التأثيرات الحضارية إلى الغرب الجزائري المتاخم للمغرب، وذلك بحكم الارتباط الثقافي والحضاري، بل وحتى البشري، لاسيما وأن الغرب الجزائري وتحديدا عاصمته تلمسان؛ لطالما تأثرت بعوائد الحضارة المغربية، بل وكانت تابعة للمغرب في بعض مراحلها التاريخية خاصة بعدما استولى عليها السلطان أبو الحسن المريني (731 - 749هـ/1331 - 1348م)، وبنى مشوارها السعيد المزين "بالزليج الفاسي"، المستلهم من المشوار السعيد للقصر المريني بفاس الجديد وهي (العاصمة المخزنية للمرينيين).
ولم يقتصر تأثير الحضارة المرينية على غرب الجزائر فحسب، بل شمل حتى مدينة غرناطة، وهي آخر معقل إسلامي بالأندلس، حيث إن ملوك بني الأحمر (بنو نصر) كانوا يقلدون المرينين في تقاليدهم المخزنية حسب ماذكره مارمول كربخال (926 - 1009هـ/1520 - 1600م) في كتابه: "وقائع ثورة الموريسكيين"، حيث يقول: "ولطالما قلد ملوك غرناطة نظراءهم من ملوك فاس [يقصد المرينيين]، فأضحت المدن محل الوصف وأجواءها ومبانيها و حكامها وكل ما هو دون ذلك على قدر كبير من التشابه".
بل وأشار مارمول إلى أن أمراء غرناطة قلدوا حتى "فاس الجديد" الذي بناه المرينيون خارج أسوار المدينة القديمة التي أضحت تسمى: "فاس البالي". يقول مارمول: ".. ماحملهم [ملوك غرناطة] على جعل بداية ذلك الحصن ونهايته خارج أسوار المدينة وعلى مقربة منها، اقتداء بملوك فاس الذين أقاموا حصنا آخر للغرض ذاته قبل سنين قليلة، حيث تركوا وراءهم ما يملكونه من قصور قصبة فاس القديمة [فاس البالي] ليشيدوا حصن فاس الجديد الذي لقبوه بالبيضاء، وعاشوا فيه أكثر أمنا في منازلهم مع ذويهم".
ولعل هذا التأثير سيترسخ في الغرب الجزائري بشكل كبير في مرحلة "الهيمنة المرينية"، وهي المرحلة التي لقب فيها السلاطين المغاربة بـ: "ملوك المغرب"، كما تؤكده بعض الوثائق والمراسلات السلطانية الصادرة من خصومهم، وعلى رأسها؛ وثيقة مؤرخة في: 9 محرم 716هـ/3 أبريل 1316م، يصف فيها أبو يحيى زكرياء الأول الحفصي، السلطان أبا سعيد المريني (710 - 731هـ/1310 - 1331م) بـ: "ملك المغرب أعزه الله".
ومعلوم أن أبا زكرياء الأول الحفصي، انتقلت إليه "الخلافة" من أجداده الحفصيين بتونس الذين ورثوها بدورهم عن أسلافهم الموحدين في مراكش، وأبو زكرياء هذا هو الذي سيوحد الدولة الحفصية من جديد حيث أصبح (الخليفة) الحفصي بدون منازع في تونس بين سنتي: (718 - 747هـ/1318 - 1346م)، حيث سيتحالف مع المرينيين ضد أمير تلمسان أبي تاشفين ابن أبي حمو موسى الزياني (718 - 737هـ/1318 - 1337م) لإيقاف هجوماته التي بدأها منذ سنة: 719هـ/1319م على مدينة بجاية الحفصية، وهو التحالف الذي انتهى بمقتل أمير تلمسان أبو تاشفين ابن أبي حمو موسى الزياني (718 - 737هـ/1318 - 1337م)، وسقوط تلمسان في يد أبي الحسن المريني (731 - 749هـ/1331 - 1348م) في: 27 رمضان 737هـ/29 أبريل 1337م. الذي سيثبت لنفسه - بعد ذلك - لقب: "ملك المغرب"، كما نلاحظه - على سبيل المثال لا الحصر - من خلال خواتم أجزاء ربعته المصحفية الشهيرة التي كتبها بخط يده سنة: 745هـ/1345م، وحبّسها على بيت المقدس الذي لا تزال بعض أجزائها محفوظة به إلى اليوم، وهي الربعة التي قمنا بدراستها في أطروحتنا لنيل الدكتوراه حول: "المصاحف والكتب والوثائق المخطوطة في المغرب".
وبعد سيطرة أبي الحسن المريني على تلمسان سيق أحد أمراء بني زيان وهو: أبو حمو موسى الثاني إلى مدينة فاس عاصمة المرينيين فأقام بها مدة طويلة، حيث تأثر بمظاهر الحضارة المرينية كما يذكر ذلك ابن الأحمر (725 - 807هـ/1325 - 1405م) في كتابه: "تاريخ الدولة الزيانية بتلمسان". حيث يقول عنه: "..أدركته بفاس وهو يسكن بها في عين أصليتن [وهو حي بعدوة القرويين بفاس يعرف اليوم بعين أزليتن] يتعيش برد الفك للمفكوكين، وذلك في دولة المولى أمير المسلمين أبي الحسن المريني، ورأيت بفاس؛ أباه يوسف بن عبد الرحمن - بعد الهزيمة عليهم بأنجاد - وهو في حانوت بالسقاطين يبيع السقط، فكيف يضاهي هذا الخامل الملوك الكرام بني مرين؟ وآل مرين أهل العزة والقهر لمن سواه من الملوك..".
ورغم التحامل الذي يظهر في لهجة ابن الأحمر تجاه أبي حمو موسی الثاني (760 - 791هـ/1359 - 1389م)، إلا أن هذا الأخير نجح في إعادة إحياء الدولة الزيانية من جديد بعد استرجاعه لمدينة تلمسان سنة: 760هـ/1359م، مستغلا بذلك وفاة السلطان المريني أبي عنان سنة: 759هـ/1358م، فنقل "الحضارة الفاسية" المغربية معه حتى صارت "تلمسان" تدعى بـ: "الأخت الصغرى لمدينة فاس".
وبعد سقوط الدولة المرينية سنة: 869هـ/1465م، وقيام الدولة الوطاسية (العابرة) على أنقاضها؛ حافظ الوطاسيون - على غرار سابقيهم - على الخصوصية المغربية في سائر مناحي الحياة. وخاصة العمارة التي عرفت بطرازها المغربي المتميز، حيث يسترعي انتباهنا فخامة "الرّْيَاضات" (بتسكين الراء وتشديدها وتخفيف الياء كما ينطقها المغاربة وهي جمع روض)، والتي كانت كالقصور المكنونة - ولاتزال إلى اليوم - معروفة بباحاتها المزينة بالزليج الفاسي (الزليج البلدي)، ونوافيرها المائية البديعة. ولعل هذه "الخصوصية" هي ما عبر عنه عبد الكريم سكيرج (1318 - 1403هـ/1900 - 1983م) في معرض حديثه عن "الخط المغربي" الذي يعد هو الآخر من محددات ومظاهر "الخصوصية المغربية"، حيث أكد أن "الخط المغربي يلزم أن يبقى مغربيا، ما دام المغرب معروفا بجمال الزليج في تزويقه، ونقش الجبس في تنميقه، وبالقرمود الأخضر في تنسيقه، وماء الفوارات في تدفقه، وما بقيت الجلابة والكساء والحياء في النساء، ومادامت فاس بجنّاتها وقصورها وشموسها وبدورها، والرباط بحسّانه وشالته ومرسى الفلك وبحارته، والحمراء [يقصد مراكش] بنخيلها وكتُبيتها، وجامع الفناء وضجتها".
فلا شك أن عبد الكريم السكيرج قد تحدث في هذا النص عن المحددات الأساسية التي عرف بها التراث المغربي سواء في الخطوط أو العمارة أواللباس، كما تحدث أيضا عن مراكز الحضارة المغربية وتراثها المادي واللامادي كمدينة فاس ومراكش والرباط، وهي المدن التي تُحيلنا على استمرار الدولة المغربية - دون انقطاع - عبر التاريخ.
ومعلوم أن عبد الكريم سكيرج (1318 - 1403هـ/1900 - 1983م) كان على دراية بقيمة هذا التلازم الدلالي والسببي بين محددات التراث المغربي، حيث كان خطاطا بارعا مجيدا للخطوط المغربية والمشرقية، علاوة على خطوط مبتكرة اجتهد في وضع أصولها. بل وكان ومن أوائل الخطاطين المغاربة الذين عرّفوا بالخط المغربي وأصنافه من خلال مقاله الشهير: "الخط العربي المغربي". يُضاف إلى ذلك أنه هو من قام بإنجاز الكتابات المنقوشة على جدران ومحراب المسجد الأعظم بباريس الذي شيّده الحرفيون المغاربة سنة: 1345هـ/1926م، بآيات قرآنية وأبيات شعرية من نظم أبيه العلامة القاضي أحمد بن العياشي سكيرج (1295 - 1363هـ/1877 - 1944م).
ومن عجيب الموافقات أن يكون (أبوه) أحمد سكيرج؛ هو أول من افتتح المسجد الأعظم بباريس بأول خطبة جمعة بحضور السلطان العلوي (مولاي) يوسف (1330 - 1346هـ/1912 - 1927م). وهو خطاط أيضا ألف في بعض وظائف الخط المغربي المتعلقة بالعقود الشرعية وحساب المواريث مثل كتابه الموسوم بـ: "إرشاد المتعلم والناسي في صفة أشكال القلم الفاسي".
وما يسترعي انتباهنا هو أن عبد الكريم سكيرج ربط في مقاله المذكور بين الخط المغربي والزليج الفاسي بنص قوله: "الخط المغربي يلزم أن يبقى مغربيا، ما دام المغرب معروفا بجمال الزليج في تزويقه..". بخلاف (الزليج) العثماني الذي كان يسمى بـ: "القاشاني" والذي انتشر في دول شمال افريقيا بحكم التأثير التركي على هذه البلدان.
والظاهر من خلال تسمية: "القاشاني" أنها تنتسب إلى العراق القديم؛ بدليل ما رواه محمد بن علي الراوندي (المتوفى بعد: 600هـ/1203م)، في كتابه: "راحة الصدور وآية السرور في تاريخ الدولة السلجوقية"، حيث أشار إلى أنه كان ينتسب إلى أسرة معروفة بإجادة الخطوط المنسوبة وحذقها؛ إلى درجة عُرفت معها بخط نُسب إليها؛ كان يسمى: "الخط الكاشي" (خط كاشيان)، أو"الخط القاشاني" نسبة إلى مدينة كاشان (أو قاشان) مسقط رأس الراوندي. يقول الراوندي في ذلك: "وصار الحال في سائر أنحاء العراق أنه كلما رُئي خط جميل، قالوا إنه خط الكاشانيين، أو إنه مأخوذ عن الكاشانيين".
حقوق النشر محفوظة
لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
كن أول من يقيم ويراجع ويقتبس من الكتاب
الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".