English  

كتاب د محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني الطغراء المغربية العلامة السعدية أنموذجا مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثماني

حقوق النشر محفوظة

لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة

حقوق النشر محفوظة
د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي
Qr Code د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي

د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي

مؤلف:
قسم: العلاقات الدولية [تعديل]
اللغة: العربية
ترتيب الشهرة: 272,726 رقم 1 هو الأشهر !
رابط مختصر: نسخ
المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب
مراجعات ( 0 )
اقتباسات ( 0 )
التحميل غير متوفر

باحث

الناشر والمؤلف كتاب د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي .
باحث

وصف الكتاب

د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، "الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي"، مطبوعات أمينة الأنصاري - فـــاس - الطبعـة الأولــى: 2014م.
ملخــــــــــــــص الكتـــــــــــــــاب:
انطلاقا من دراستنا للعلامات السلطانية في المغرب، يمكن القول أن "العلامة السعدية" تُعدّ بحق أبرز مثال "للطغراء المغربية"، إذ كانت تتميز بشكلها الخاص، ورسمها المأثور الذي استُخدم في الدواوين السلطانية منذ أواخر العصر الوسيط وبداية العصر الحديث، حيث لاحظنا أن خطاطي الديوان السعدي، كانوا يقومون بتحوير الخط الفاسي (المجوهر) الذي اشتهرت أقلامه بالتعمية والتشفير، وذلك لملاءمته وتكييفه مع المسارات المتاهية والمتناهية للعلامة المذكورة، التي كان يُراد تشفيرها وتعميتها إلى حد الإلغاز تبعا للقلم الذي كُتبت به للحيلولة دون تزييفها أو تزويرها، ومردّ ذلك راجع إلى خطورة هذه العلامة السلطانية ودلالتها المتعلقة بسيادة الدولة.
وإثر حديثه عن العلامات السلطانية المستعملة في المغرب، قام أبو الوليد إسماعيل بن الأحمر (725 - 807هـ/1325 - 1405م)، بتحديد نصوصها من خلال كتابه: "مستودع العلاَمة ومستبدع العلاَّمة"، وهو الكتاب الذي ألّفه للمرينيين، وتحديدا لصاحب العلامة المرينية: "يحيى بن الحسين بن أبي دلامة" كاتب علامة السلطان المريني أبي العباس أحمد المستنصر(ت.796هـ/1393م).
وعلى غرار ابن الأحمر، تحدث ابن خلدون (732 - 808هـ/1332 - 1406م) - هو الآخر- عن تلك العلامات السلطانية انطلاقا من توليه لمنصب الكتابة عند كل من الحفصيين في تونس والمرينيين في المغرب، فأكد لنا أن ما كان يُطلَق عليه: "علامة" في المغرب هو عين "الطغراء" في المشرق، ويؤخذ ذلك من قوله: "..الطغري.. هي: العلامة..".
والتعبير عن العلامة بالطغراء أو العكس، هو أمر أكدته حتى بعض المصادر والمعاجم اللغوية في المشرق، ونخص بالذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ "تاج العروس" للزّبيدي (1145 - 1205هـ/1732 - 1790م) الذي ورد فيه أن: "طُغْرَى.. كلمة أعجمية استعملتها العرب، ويعنون بها: العلامة".
وما يسترعي الانتباه، هو أن مصطلح: "علامة" العربي الذي كان مستعملا في كل من المغرب والمشرق، ظل حاضرا عند العثمانيين الأتراك - الذين تزامن تأسيس دولتهم مع أواخر الدولة المرينية وبداية الدولة الوطاسية - وذلك للتعبير عن "الطغراء" التي استُخدمت عندهم بشكل صريح وواضح مكتمل الهيئة.
وقد أكد هذا الأمر؛ السفير المغربي علي بن محمد التمكروتي (941 - 1003هـ/1534 - 1594م)، من خلال سفارته التي بعثه على رأسها السلطان السعدي: أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، إلى السلطان العثماني: مراد الثالث (982 - 1003هـ/1574 - 1595م)، حيث لم يورد في كتابه: "النفحة المسكية في السفارة التركية" ما يدل على أن "الطغراء" كانت تُعرف - عند العثمانيين - بهذا الإسم لذلك العهد، بل أشار إلى أنها كانت تُعرف عندهم تارة باسم: "علامة السلطان". وتارة أخرى تُعرف باسم: "النِّشان". ويُستنبط ذلك من قوله: كان "رئيس الكتّاب..[عند العثمانيين هو المكلف بـ] كتْب العلامة .. فما قَبِله السلطان، أمره أن يضع فيه علامة السلطان، يقولون لها بلسانهم: النِّشان. ويقولون للكاتب الذي يضعها: النِّشانجي". وأضاف التمكروتي أن "الجيم عندهم [في كلمة: نِشانجي] بمنزلة ياء النسب عند العرب". ونحن نتفق معه في هذا التأويل، بل ونؤكد صحة المقارنة التي قام بها، بدليل أن العرب كانوا يطلقون على الموظف الموكل بـ: "النياشين" في الدواوين السلطانية؛ تسمية: "النِّشاني" كما يشير إلى ذلك محمد بن فضل الله المحبي (1061 - 1111هـ/1651 - 1699م) في: "خلاصة الأثر"، حيث يقول: "والنِّشاني نسبة إلى النِّشان، وهو: الطرة التي ترسم في أعلى الأوامر والبراءات السلطانية، ويقال لها: الطغرى أيضا..".
وتشير بعض المصادر العثمانية إلى أن مصطلح: "النشان"؛ هو مصطلح فارسي انتقل إلى القاموس التركي المتعلق بالتنظيمات الإدارية للإمبراطورية العثمانية، ولعل هذا الرأي، هو ما دفع بعض الباحثين للتأكيد على أن لفظ: "طغراء" التركي مرادف - من الناحية اللغوية - للفظ: "نِشان أو نِيشان أو نِشانة" الفارسي، ومعناه: "علامة"، وهو مرادف - أيضا - للفظ: "توقيع" العربي.
ومن خلال اطلاعنا على بعض الفرمانات العثمانية، تأكد لدينا أن "الطغراء" كان يُشار إليها باسم: "علامت شريف" بالتاء المبسوطة، أي: "علامة شريفة" وهي التسمية التي أوردها القلقشندي (756 - 821هـ/1355 - 1418م) في كتابه: "صبح الأعشى"، وبسط التاء في تسمية الأعلام ونعوت الصفات، كان معروفا لدى الأتراك الذين لايقفون على التاء المربوطة بالهاء بسبب عجمتهم، بل يحققونها كما في الكلمات التالية: ("حكمة = حكمت". "عبرة = عبرت". "جودة = جودت". "رأفة = رأفت"...)، وقس على هذا.
بالإضافة إلى اسم: "علامت شريف"، وردت أيضا تسمية الطغراء في الفرمانات العثمانية بنعوت مختلفة مثل: "طغرائي صميم مكان خاقاني"، "توقيع رفيع همايوني" أو"توقيع همايون" ، "نِشان شريف عالي الشان.. سلطاني.." أو "نِشان همايون".
ومن الأسماء الأخرى التي نُعتت بها العلامة السلطانية أو الطغراء، تسمية: "طُرّة"، وفي هذا الشأن، يكاد المؤرخون العرب يجمعون على أن "الطغراء" هي: "الطرة"، ومردُّ ذلك - حسب رأيي المتواضع - مرتبط بكون الطغراء كانت ترسم في طرر الوثائق باعتبارها توقيعا أوشعارا سلطانيا تُوشّح به الوثائق الرسمية، ومن ضمن المؤرخين الذين أطلقوا عليها تسمية: "الطرة" على سبيل المثال لا الحصر: ياقوت الحموي، ابن خلكان، الصفدي، المقريزي، المحبي، الزّبيدي، وغيرهم.
وحتى نؤصل لكلمة: "طغراء" تأصيلا تاريخيا ولغويا، نشير إلى أن الروايات المصدرية اختلفت في أصلها بين نسبتها إلى العرب أو الفرس أوالتّرك، حيث وردت بتسميات مختلفة في المصادر التاريخية والمعاجم اللغوية، وهي من جذر واحد يتمثل في الحروف: "طـ - ـغـ - ــر"، التي تفرعت عنها عدة مسميات من قبيل: "طغرة"، "طغراة"، "طغري"، "طغرى"، "طغرا"، "طغراء". وذلك بالرغم من كون تلك المصادر قد نقل بعضها عن بعض، حيث يُحتمل أن يكون المؤلفون هم من تصرفوا في الكلمة بعد النقل، كما يُحتمل أيضا أن يكون المحققون هم من تصرفوا فيها بداعي التحقيق من خلال الاعتماد على المقابلة (أي: مقابلة النُّسخ بعضها ببعض وإثبات التسمية الأصح منطوقا ومفهوما).
ومن خلال تتبعنا للروايات المصدرية حول الجذور التاريخية واللغوية للطغراء، وجدنا معظم المصادر المشرقية وبعض المصادر المغربية التي تعرضت لذكر هذا التوقيع السلطاني، إنما تعرضت لذكرها في سياق التعريف بالوزير - الشاعر؛ "مؤيد الدين الحسين بن علي الطغرائي" (455 - 513هـ/1063 - 1120م) ، وهو صاحب قصيدة "لامية العجم"، التي عارض بها قصيدة "لامية العرب"، للشاعر "الشَّنْفَرى" (ت.70 ق.هـ/525م) أحد أبرز شعراء الصعلكة في العصر الجاهلي . ويعد الحسين بن علي هذا؛ أشهر من عُرف بلقب: "طغرائي"، وهو اللقب الذي يحيلنا مباشرة على وظيفته في الدواوين السلطانية السلجوقية بالموصل في العراق خلال أواخر العصر العباسي. وأول مصدر أورد ذكره، وعرّف بخبره، هو كتاب: "تاريخ دولة آل سلجوق" المسمى: "نصرة الفترة وعصرة القطرة في أخبار الدولة السلجوقية"، للعماد الأصبهاني (519 - 597هـ/1125 - 1201م). وعنه أخذت ذلك سائر المصادر من كتب التاريخ والتراجم والمعاجم، التي استخرجنا منها بعض الشواهد والقرائن التي تؤصل لمفهوم الطغراء، ودلالاتها التاريخية والفنية والوظيفية.
وقد اشتهر استعمال العلامة أو الطغراء في المغرب بشكل كبير في الوثائق خلال عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م) للتدليل على سيادته، حيث كان لها من الضخامة ما يجعلها تشغل الامتداد العرضي للوثيقة من اليمين إلى اليسار، وهي تختلف عن الطغراء العثمانية من حيث الشكل والنص، رغم أن وظيفتهما واحدة.
ولا يمكننا الحديث عن الطغراء السعدية - المغربية التي جعلناها إشكالية لهذا الكتاب، إلا إذا ربطناها بخصوصية "التراث المغربي" الذي يحيلنا على "السيادة المغربية" في كافة تجلياتها التاريخية والسياسية والاجتماعية، ومعلوم أن "السيادة" كمفهوم؛ ترجع - من حيث ظهورها - إلى بداية العصر الحديث، وتحديدا إلى القرن الخامس عشر تقريبا، وكلمة: "السيادة" (souveraineté) مشتقة من الأصل اللاتيني: (superamus)، وهي في الأصل مفهوم فرنسي أطلق على جوهر السلطة السياسية في الدولة منذ القرن الخامس عشر، وذلك من خلال تعريفها و تحديد خصائصها و بيان مصدرها وصاحبها، وأصبحت هذه الأفكار تكوّن ما يعرف بـ: "نظرية السيادة". ويعتبر المفكر السياسي الفرنسي "جان بودان" (936 - 1004هـ/1530- 1596م) أول من نادى بمبدأ السيادة مستهدفا بذلك إثبات حق الدولة في البقاء. وذهب أغلب المفكرين المعاصرين إلى القول بأن نظرية السيادة هي نظرية معروفة في الفقه الإسلامي، وأنها مشروحة في كتابات بعض قدماء فقهاء السياسة الإسلامية، و رغم اتفاقهم على ذلك، إلا أنهم اختلفوا عند الحديث عن مصدر هذه السيادة أو صاحبها، وخلافا للفكر الغربي، فقد ظهرت نظرية السيادة في الفكر الإسلامي المعاصر؛ حين صاغ أسسها لأول مرة - في تاريخ الفكر الإسلامي - المفكر السلفي: "أبو الأعلى المودودي" (1321 - 1399هـ/1903 - 1979م) في كتابه المعروف بـ: "تدوين الدستور الإسلامي" تحت اسم: "نظرية الحاكمية". حيث وضع المودودي قواعدها على شرح معين لعقيدة التوحيد. إلا أن نظرية الحاكمية أو السيادة في الفكر الإسلامي بعد تأسيسها من قِبل المفكر المودودي، لم تبق على حالتها الأصلية، حيث تم نقدها من طرف بعض المفكرين الإسلاميين، الذين قاموا بصياغة نظرية السيادة في الإسلام خلافا للأسس التي وضعها المفكر الإسلامي المذكور.
من هنا يمكن القول أن "التراث المغربي" وخصوصيته، يرتبطان ببداية العصر الحديث الذي طبعته "الدولة السعدية" أو (الدولة الزيدانية) بحضورها السياسي الوازن، حيث استطاعت هذه الدولة أن تحافظ على استقلال المغرب عن التبعية للدولة العثمانية، لتكون بذلك؛ الناقل الحضاري الوحيد لتراث الغرب الإسلامي، والوارث الشرعي لعوائده وفنونه، خاصة بعد سقوط الأندلس سنة: 897هـ/1492م، ودخول كافة دول (شمال إفريقيا) - عدا المغرب - تحت سيادة العثمانيين منذ سنة: 922هـ/1516م، حيث تفرّد المغرب بمهمة تطوير تراث الغرب الإسلامي، وذلك بالنظر إلى الاستقرار السياسي الذي كان يعرفه. وهو الاستقرار الذي كان متذبذبا في كل من الجزائر وتونس بسبب القلاقل السياسية، التي طالت الأندلس أيضا بعد تفرق حكامها طرائق قددا، وتكالب العدو المسيحي عليهم تكالب الأكلة إلى قصعتها.
فلا مراء؛ ان عدم الاستقرار يعقبه ضمنيا عدم الاستمرار (السياسي والبشري والاقتصادي والثقافي)، ولأن هذا الاستقرار كان حاصلا في المغرب منذ ما قبل السعديين، كان من البديهي أن يكون المغرب المدرسة التاريخية المحورية في تلك المرحلة، التي أخذت على عاتقها مسؤولية تطوير هذا التراث وبلورته، من خلال اختزال التجارب الفنية الإقليمية السابقة لدول الغرب الإسلامي بما في ذلك الأندلس، وبالتالي الإعلان عن ولادة ما يسمى في وقتنا الحاضر بـ: "التراث المغربي" بكافة تجلياته الحضارية، وحينما نستعمل مُسمّى: "التراث المغربي" فإننا نحدده بالمفهوم الإقليمي الضيق، الذي يحيلنا على المغرب الأقصى وليس كما يحاول البعض تسميته في وقتنا الحاضر بـ: "التراث المغاربي". ونحن إذ نردّ هذا الادعاء، نشير إلى أن التراث المغربي بدأ يعرف خصوصيته الإقليمية بشكل بارز منذ العصر السعدي، الذي سيشهد فيه طفرة نوعية على جميع المستويات، وخاصة في عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م) الذي يعد أقوى سلطان سعدي على الإطلاق، حيث استطاع بحنكته تأسيس دولة مركزية قوية طبعت بظهور نظام حكم جديد في المغرب تعود جذوره الأولى إلى العصر الموحدي، ألا وهو: "النظام المخزني"، الذي أصبح نظاما ذا "خصوصية مغربية". وقد ساهم هذا النظام في تطور الدواوين السلطانية التي ستعرف قفزة نوعية كبيرة خلال العصر السعدي، حيث ستتميز الرسائل السلطانية السعدية عن نظيرتها العثمانية بكونها كانت تكتب بالخط المغربي، الذي تفرع منه خط ديواني مغربي سيُعرف فيما بعد بالخط الفاسي أو (المجوهر)، وهو خط (مخزني) ارتبط منذ العصر السعدي - دون غيره من الخطوط - بـ: "المراسلات المخزنية"، حيث تأكدت نسبته إلى المغرب الأقصى، خاصة بعدما فرضت الإمبراطورية العثمانية على سائر الإيالات التابعة لها، استعمال خطوطها الديوانية (الهمايونية) في تدوين الدواوين وتحرير المراسلات الرسمية، فضلا عن استعمال الطغراء العثمانية في إنفاذها، ليكون بذلك مسمى: (الديوان الهمايوني) العثماني في تركيا العثمانية، مقابلا لمسمى: (الديوان المخزني) في المغرب السعدي، من حيث الوظائف السلطانية.
من هنا يمكن القول أن هذا الإجراء، ساهم بشكل صريح في تهميش الخط المغربي في دول شمال إفريقيا. ففي تونس مثلا، تم التخلي عن الخط القيرواني كما يشير إلى ذلك هوداس بقوله: "وإن ما كان من ثقل التأثير التركي الطويل المدى، قد أكسب شؤون تونس العاصمة دورا أكثر شرقية، وحلت الكتابة النسخية محل الخط القيرواني في قسم كبير من أشكاله".
أما في الجزائر - فيشير الباحث نفسه - إلى أن الخطوط المستعملة فيها كانت تتأرجح بين التأثير الفني للخط الفاسي والخط القيرواني تارة، وبين تأثير الخط الأندلسي تارة أخرى ، بل إن مدن الغرب الجزائري، وتحديدا مدينة وهران؛ كان أهلها يذهبون "إلى فاس للدراسة، ويرجعون منها بنوع الكتابة المتخذ في جامعة هذه المدينة [أي جامعة القرويين]". ونوع الخط الذي كان مستعملا في جامعة القرويين بمدينة فاس وعموم بلاد "المغرب الأقصى .. [حسب هوداس هو]: الخط الفاسي.. [الذي] فقدَ، فقط، قليلا من أشكاله المتحررة، وكسب أكثر بساطة لمّا اقتبس من الأندلسي رتابة تناسق الحروف".
ولا شك أن هذه الإشارة التي أوردها هوداس في بحثه حول الخط المغربي، يُستفاد منها أن الخط الذي كان مستعملا في جامعة القرويين، كان يسمى بالخط الفاسي نسبة إلى مدينة فاس التي توجد بها الجامعة المذكورة، كما يستفاد منها أيضا أن نوع الخط المستعمل كان خطا علميا - تعليميا لارتباطه بمؤسسة تعليمية، تعتبرها الموسوعات الدولية أقدم جامعة في العالم، وهو الخط الذي جرت العادة باستعماله في نسخ الكتب العلمية عند الطلبة المقيمين بالمغرب، والطلبة الآفاقيين الذين كان يشدون الرحال من كل حدب وصوب لطلب العلم بجامعة القرويين، مما سمح - دون أدنى شك - بانتشار هذا الخط في عموم بلدان الغرب الإسلامي، حتى صار خطا متميزا عن غيره بصور حروفه التي كان يغلب عليها التليين والاستدارة، بدليل ما ذهب إليه عبد الفتاح عبادة، وهو من أقدم الباحثين المشارقة الذين ألفوا في تاريخ الخطوط العربية، حيث أكد أن "الخط الفاسي.. يمتاز صريحا عن غيره باستداراته". والخط الفاسي هو ما يصطلح على تسميته حاليا بالخط المجوهر، وهو الخط الذي حُرّرت به معظم المراسلات السلطانية، ونسخت به جُلّ الكتب العلمية حتى صار خطا رسميا (مخزنيا) بالمغرب، وقد كان هذا الخط أهم صنف يعبر عن المغرب؛ وتحديدا مدينة فاس مهد جامعة القرويين التي استُعمل فيها خطا دراسيا تعليميا، يستخدمه الطلبة في تقييداتهم ومدوناتهم العلمية ، حتى ان عبد الكريم سكيرج - الذي نعته خلال العصر العلوي بـالمجوهر - يقول عنه: "وهو ما تحرّر به الرسائل الخصوصية والعمومية، وتُكتب به الظهائر الملوكية، وهو أكثر خطوطنا استعمالا، وبه طبعت الكتب بالمطبعة المحمدية أيام السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمن، وانتشرت وعمّ النفع بها".
فلا غرْو أن ما قام به أحمد المنصور الذهبي - إذن - يبين الجهود التي بذلها السعديون في الحفاظ على خصوصية التراث المغربي و إقليميته وتفرّده وتميّزه عن التراث العثماني الذي فُرض على سائر الإيالات العثمانية، ولعلّ السعديين فعلوا ذلك؛ من منطلق استقلالهم السياسي أولا، وثانيا من منطلق تكوينهم لدولة قوية - ذات سيادة - لها خصوصياتها التاريخية، وعوائدها الحضارية التي تميزت في كافة المجالات الأخرى التي ترتبط بمفهوم التراث وماهيته.
ولأن العثمانيين كانوا ينعتون المغرب السعدي بـ: "دولة فاس"؛ فقد تم وسْم التراث المغربي خلال هذا العصر بتسمية التراث الفاسي، وذلك لتمييزه عن التراث العثماني. وإذا كان ذكر مدينـة: "فاس" في المصادر والوثائق المغربية، يرتبط بالدورين الديني والسياسي لهذه المدينة خلال العصر الوسيط. فإن تسمية: "فاس" أو"فاسي" في المصادر والوثائق العثمانية، كانت ترتبط منذ بداية العصر الحديث بالصراع العثماني - السعدي الذي أفضى إلى ظهور "الخصوصية المغربية" في كافة المجالات، مقابل عملية "التتريك" أو بالأحرى "العثمنة" التي خضعت لها سائر الإيالات الشمال - إفريقية إلى حدود الجزائر.
وفي هذا السياق، نشير إلى أن المصادر والمراجع العثمانية كانت تطلق على "المغرب" خلال الفترة المذكورة تسمية: "فاس"، وهذا معناه أن كل شيء مغربي؛ هو من منظور العثمانيين: "فاسي" بما في ذلك العادات والتقاليد التي ستتأكد نسبتها منذ مستهل العصر الحديث إلى المغرب الأقصى أو"مملكة فاس" كما كان يسميها الأتراك ولازالوا إلى اليوم. وذلك قياسا على كل ما يتصل بالتراث المغربي - الفاسي وتجلياته الحضارية التي تشمل كافة مناحي الحياة.
ويُعزى سبب إطلاق العثمانيين على المغرب تسمية: فاس؛ إلى كون هذه المدينة ظلت عالقة بأذهانهم بعدما دخلوها مرتين اثنتين دون أن يستطيعوا السيطرة على بلاد المغرب. كما يُعزى أيضا إلى كون مدينة فاس تعد رمزا حضاريا للدولة المغربية، وذلك منذ تأسيسها سنة: 192هـ/808م من طرف الأدارسة (الحسنيين) المستقلين بالمغرب عن التبعية للخلافة المشرقية (العباسية)؛ حيث كان تأسيسها إعلانا عن تأسيس "الدولة المغربية" التي ستستمر طيلة 12 قرنا إلى يومنا هذا دون انقطاع.
وقد عبّر عن هذا المعطى؛ خير الدين بربروس (875 - 953هـ/1470 - 1546م) من خلال مذكراته التي أملاها على رفيقه المرادي بأمر من السلطان سليمان القانوني (926 - 974هـ/1520 - 1566م) ، والتي يمكن اعتبارها مصدرا عثمانيا يؤرخ لمرحلة توسع الدولة العثمانية خلال القرن 16م، حيث شهد بوجود دولة عريقة في المغرب سماها تارة بـ: "مملكة فاس"، وتارة أخرى بـ: "مملكة المغرب"، وهي المملكة التي كان يحكمها - على حد تعبيره - "سلطان ينتمي إلى أسرة ملكية عريقة".
وقد علّق بربروس على المغرب - بعد فتحه لبلدان شمال إفريقيا في سنة: 922هـ/1516م - قائلا: "ولم يكن في شمال إفريقيا دولة أخرى ذات أهمية غير مملكة المغرب، أما تونس وتلمسان اللتان كان يحكمهما الحفصيون وبنو عبد الوادي فلم يعد لهما أهمية على الإطلاق"، ولا شك أن هذه الشهادة شهادة قوية لا تقبل التأويل أوالتعليل، لأنها من مصدر عثماني مؤلفه أحد قادة الأسطول العثماني، الذي يرجع له الفضل صحبة أخيه عروج في ضم بلدان شمال إفريقيا - عدا المغرب - إلى الإمبراطورية العثمانية في عهدي: سليم الأول (918 - 926هـ/1512 - 1520م)، وابنه سليمان القانوني (926 - 974هـ/1520 - 1566م)، حيث يشهد باستقلال المغرب من منطلق واقعي رآه بأمّ عينه، وساهم فيه بنفسه، مما يحيلنا - دون أدنى شك - على قوة الدولة المغربية التي صنّفها الباحث التركي اوزتونا ضمن: "الدول الكبرى.. التي حكمت.. في الأندلس"، وذلك في إشارة منه إلى تاريخ المغرب المَجيد، حينما كانت الأندلس ولاية تابعة للمغرب خلال عصر الدولتين المتعاقبتين: المرابطية والموحدية، بل إن هذا الباحث ذهب إلى أبعد من ذلك حين وصف فاس بالإمبراطورية، إثر حديثه عن دول شمال إفريقيا، حيث يقول: "كانت إمبراطورية فاس في هذه المنطقة دولة كبيرة، وكانت تشمل أقصى غرب المنطقة بين الأبيض والأطلسي.. [وهي]: بالعربية: المغرب الأقصى". وإثر حديثه عن معركة وادي المخازن الشهيرة (986هـ/1578م)، تحدث الباحث نفسه عن "اتحاد إمبراطورية فاس مع الدولة العثمانية".
وما نستغربه في هذا الشأن، هو تسمية العثمانيين للمغرب بمملكة فاس في عصر الدولة السعدية، وذلك بالرغم من كون هذه الدولة قد اتخذت من مدينة مراكش قاعدة لملكها و(عاصمة سياسية) لها، قبل أن تنقسم في مرحلة ضعفها إلى مملكتين متناحرتين - يفصل بينهما نهر أم الربيع - هما: "مملكة فاس" و"مملكة مراكش". وهذا يدل على أن المصادر والمراجع المغربية لم تستعمل تسمية: "مملكة فاس" إلا في إطار المقارنة بينها وبين: "مملكة مراكش"، كما أنها لم تستعمل التسمية نفسها إلا في سياق الإشارة إلى المراحل النهائية للدولة السعدية التي تحيلنا على التمزق السياسي الذي كان يعيشه المغرب في أواخر هذه الدولة، حيث كانت مدينة فاس نفسها تنقسم إلى مدينتين اثنتين - منذ العصر المريني - هما: "فاس البالي"، و"فاس الجديد" الذي كان يسمى أيضا: "المدينة البيضاء".
وفي هذا المضمار، يشير المؤرخ دييغو دي طوريس، إلى أن المغاربة أنفسهم كانوا يطلقون "على المملكة كلها اسم هاتين المدينتين"، ويقصد دي طوريس بـ: "المملكة": المغرب. أما: "هاتين المدينتين"؛ فيقصد بهما: "فاس البالي، و..فاس الجديد، ومعناه.. فاس القديمة وفاس الحديثة". ومعلوم أن "فاس الجديد" قد أُسِّس من قِبل المرينيين الذين سبقوا الوطاسيين والسعديين، ليكون دار ملكهم وقاعدة حكمهم، وبعد ذلك أسسوا إلى جانبه "الملاّح"، وهو الحي الذي خُصِّصت سكناه لليهود، ولا تزال هذه الأحياء شاهدة على ذلك إلى يومنا هذا.
فما من شك أن شهادة دي طوريس حول مسألة التسمية لها دلالة قوية ووزن كبير، وذلك بالنظر إلى كون هذا المؤرخ الإسباني ذي الأصل القشتالي ألّف كتابه: "تاريخ الشرفاء"، ليجعل منه وثيقة تؤرخ للفترة السعدية منذ سنة: 908هـ/1502م؛ وهي المرحلة التمهيدية التي سبقت مرحلة التأسيس إلى غاية وفاة عبد الله الغالب سنة: 982هـ/1574م. وبالتالي فهذا الكتاب يعتبر شهادة حية؛ من أجنبي سلط الضوء على بعض الجوانب الدقيقة المتعلقة بالمغرب السعدي من خلال ما عايشه باعتباره شاهد عيان، حيث دخل المغرب في عهد السلطان السعدي: محمد الشيخ المهدي (947 - 964هـ/1540 - 1557م)، وبالضبط في سنة: 953هـ/1546م، ومكث فيه ما يقارب ثلاثين سنة، أي إلى ما بعد وفاة عبد الله الغالب السعدي (964 - 982هـ/1557 - 1574م). وتعتبر هذه الفترة التي أرخ لها دي طوريس، هي المرحلة التي شهدت الاصطدام بين كل من السعديين والعثمانيين، وهي تقريبا المرحلة نفسها التي تحدث عنها بربروس في مذكراته، وعبّر من خلالها عن رغبته الأكيدة في ضم بلاد المغرب للسلطة العثمانية، رغم اعترافه بأن "سلطان المغرب يعتبر أكبر ملوك العرب في إفريقيا.. [و] ما لم يتم إخضاعـ[ـه].. فإنه من المستحيل بسط سيطرة الأتراك على إفريقيا".
وهذا يستفاد منه، أن بربروس كان يمنّي النفس بالسيطرة على المغرب دون أن يبلغ ذلك المرام، بل إنه اعترف أن الجزائر - حتى وبعد دخوله إليها سنة: 922هـ/1516م، خلال عهد سليم الأول ونجاحه في إخضاعها للعثمانيين - إلا أنها كانت لا تزال تضرب النقود باسم السعديين بمباركة الزيانيين من "بني عبد الوادي"، وهو الشيء الذي أثار حفيظة القائد العثماني "بربروس" الذي استنكر ذلك على الجزائريين بقوله: "..كيف تسنى لكم أن تتركوا خليفة المسلمين، وسلطان العالم [سليم الثاني]، وتقرؤون الخطبة وتضربون النقود باسم سلطان المغرب؟!". ولا شك أن النقود كانت - ولاتزال - رمزا "للسيادة المغربية"، خاصة وأنها من الحوامل الصلبة التي كان يُنقش عليها "شعار" الدولة المغربية منذ تأسيسها خلال العصر الإدريسي إلى اليوم، وهو الشعار الذي سيتطور ليصبح توقيعا مُشفّرا (الطغراء السعدية) يُستعمل في الوثائق السعدية كـ: "علامة سلطانية" ترمز إلى سيادة السعديين، وخاصة خلال عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، بخلاف الوثائق العثمانية التي كانت تُستعمل فيها (الطغراء العثمانية) كـ: "علامة سلطانية" ترمز إلى سيادة العثمانيين على الإيالات التابعة لهم بما في ذلك الإيالات الشمال - إفريقية إلى حدود الجزائر.
من هذا المنطلق، يمكن القول أن "العلامة" التي كانت صورتها بسيطة في المغرب منذ العصر المرابطي، تطورت وتدرجت في مدارج التجويد إلى أن أصبحت صورتها "طغراءً" معقدة خلال العصر السعدي، والطغراء هي الصورة المشفّرة للعلامة، ولا شك أن تطور وتنوع صورها - من دولة إلى دولة - كان يرمز إلى "الخصوصية المغربية"، كما كان يرمز أيضا إلى تماسك البنيات السياسة والاجتماعية لهذه الدولة (الأمّة) عبر التاريخ، فضلا عن تسلسل أسرها الحاكمة التي حكمت المغرب منذ 12 قرنا دون انقطاع، وهو التسلسل الذي عبّر عنه الباحث المغربي محمد شقير بـ: "استمرارية الدولة بالمغرب"، بينما عبر عنه المؤرخ والمفكر الجزائري محمد أركون (1346 - 1431هـ/1928 - 2010م) بـ: "أطول استمرارية" للدولة المغربية في شمال إفريقيا، أما مفتي الديار التونسية؛ محمد الفاضل بن عاشور (1327 - 1390هـ/1909 - 1970م)، فقد أشار قبلهما إلى "سعة الحضارة وضخامة الدولة" المغربية، بل وأكد على الدور الكبير للمغرب وفضله على سائر البلدان المغاربية في مختلف الفترات التاريخية، حيث يقول معترفا: "إننا مدينون في هذا الميدان للمغرب بكل شيء، فنحن نقرأ القرآن بوقف الإمام الهبطي الفاسي، ونصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بتلاوة دلائل الخيرات للجزولي، ونفهم فضائل النبي صلى الله عليه وسلم، وما خصه به من مكارم الأخلاق بواسطة كتاب: الشفا للقاضي عياض، كما أن رواية علماء تونس في الحديث كلها تتصل في القديم والحديث بعلماء مغاربة من عهد دراس بن إسماعيل وأبي عمران الفاسيّيْن".
ولا شك أن ظهور مثل هؤلاء العلماء الأعلام الذين رسموا تراث الغرب الإسلامي بكافة تجلياته، هو مرتبط - لا محالة - بالاستقرار السياسي الذي كان ينعم به المغرب طيلة مراحله التاريخية، فضلا عن استمرارية الدولة المغربية إلى يومنا هذا.
والملاحظ أن الدولة المغربية استطاعت - ولتحقيق هذه الاستمرارية - الوقوف في مختلف مراحلها التاريخية أمام كل القوى الخارجية المتوثبة، وخاصة خلال عصر السعديين الذين وبعد تحريرهم للثغور المغربية التي سقطت خلال العصر الوطاسي في أيدي الإيبيريين، سارعوا إلى تأسيس دولة مغربية قوية، استطاعت إلى - حد ما - الوقوف أمام تغلغل حركة "الاكتشافات الجغرافية" ذات الأهداف الاستعمارية؛ وهي الحركة التي نظمها الإيبيريون لتقسيم العالم بين إسبانيا والبرتغال خلال مستهل العصر الحديث، حيث افتتحها الإسبان بعد سقوط آخر إمارة إسلامية بالأندلس، ألا وهي: إمارة بني الأحمر (أو بنو نصر) بغرناطة سنة: 897هـ/1492م، بينما دشنها البرتغاليون قبل ذلك باستيلائهم على مدينة سبتة المغربية سنة: 818هـ/1415م منذ أواخر العصر المريني.
فلا شك أن انتصار السعديين على البرتغاليين في معركة وادي المخازن الشهيرة (986هـ/1578م)، أعطى انطباعا صريحا بقوة المغرب واستماتته في حماية حدوده وتحصين ثغوره أمام سائر القوى العسكرية في "البحر الأبيض المتوسط"، بما في ذلك الإمبراطورية العثمانية التي كانت تروم بسط نفوذها على المغرب أو (دولة فاس) حسب تعريفهم إياها، وذلك للحصول على منفذ استراتيجي على "المحيط الأطلسي"، لكن حضور السعديين عسكريا ودبلوماسيا، حال بين العثمانيين وبين تحقيقهم لهذا المطلب المُلِحّ.
من خلال هذه القناعة بالذات، أبى السعديون إلا أن يرسموا "طغراواتهم" الرسمية، بشكل مستقل - من حيث الصورة الفنية والدلالة النصية - عن الطغراء العثمانية، كتعبير ضمني عن ذلك الاستقلال الذي يرمز إلى "سيادة" دولتهم، وقوة سلطتها المركزية، خاصة وأن الطغراء كانت تعتبر آنئذ ذلك التوقيع الرسمي للدولة، وتلك الشارة أو العلاَمة المميِّزة، التي تُستفتح بها الرسائل والمكاتبات الرسمية بين السلاطين، فهي "رمز السيادة"؛ بحكم احتواء تلك الرسائل أو المكاتبات الموشّحة بها لقرارات السلطان، ومواقفه تجاه القوى السياسية الأخرى المزامنة لفترة حكمه، وذلك في إطار ما يمكن تسميته: "بالعلاقات الدبلوماسية". أما نقشها على المدافع أو "الأنفاط" حسب تسميتها عند السعديين والوطاسيين من قبلهم، فهو لا يُعبّر عن مفهوم "السيادة" فحسب، بل يتعداه ليعبر عن مفهوم "التغلب"، أو - على الأقل - الظهور بمظهر القوة والمنعة، بينما يُعبّر نقشها على النقود عن استقرار الدولة وقوتها الاقتصادية.
وحينما نتحدث عن هذه الطغراوات، فإننا نتحدث - ضمنيا - عن "الشعارات" التي تتميز بها دولة عن دولة، وذلك من حيث رمزيتها السياسية التي نجدها حاضرة في كل ما يتعلق بمفهوم الدولة ذات "السيادة" من نُظم وثوابت وخصوصيات. كما نجد آثارها في وثائق الدولة ورسومها ودواوينها السلطانية، بل ونجد آثارها أيضا في أحوال خُدّام الدولة ورجالاتها حسب مراتبهم ووظائفهم التي تحددها - كما جرت بذلك العادة - أزياؤهم الرسمية، وعلى رأس تلك الأزياء؛ نجد "اللباس الملكي"، أو"الزي السلطاني" الذي كان في حد ذاته "شعارا" يجسده السلطان، بدءاً بعمامته أو قلنسوته التي كان يعتمرها، ومرورا بخلعته السلطانية التي كان يلبسها، ثم انتهاء بحذائه أو نعله الذي كان ينتعله، إلى درجة وصفت معها بعض المصادر العثمانية السلطان من خلال لباسه الذي يلبسه من أم رأسه إلى أخمص قدميه، بوصف: "السلطان الطُّغراء الغرّاء"
بل إن هذا الوصف (أي وصف السلطان بالطغراء)، قد انتقل إلى المغرب بشكل أو بآخر، وظل مستعملا فيه إلى تاريخنا المعاصر كما تشهد على ذلك بعض الوثائق المغربية المتأخرة التي تنتمي إلى العصر العلوي، ونذكر منها - على وجه الخصوص - رسالة مؤرخة في: يوم الجمعة 2 من ذي القعدة 1355هـ/14 يناير 1937م، بعثها السلطان العلوي محمد الخامس (1346 - 1380هـ/1927 - 1961م) إلى صاحب المملكة التونسية (الحسينية): أحمد باشا باي الثاني (1347 - 1361هـ/1929 - 1942م)، حيث وصفه فيها بــ: "طغراء العائلة الحسينية" كناية عن علو شأنه ورفعته، باعتباره رأس هذه العائلة وسيدها وحاكمها - شأنه في ذلك شأن - الطغراء التي تعد رأس الوثيقة وطرّتها، بل وأشرف عناصرها رسما وتجليلا، لاسيما وأنها التوقيع الرسمي للسلطان الذي يرمز إلى نفوذ أمره وسيادته. فضلا عن ذلك؛ يدل هذا التعريف أن المغاربة كانوا يفرقون بين العلامة المغربية التي ترمز للسيادة المغربية والطغراء العثمانية التي ترمز للسيادة العثمانية، لذلك فتعريف أمير العائلة الحسينية في تونس بالطغراء يحيلنا على عهد البايات الذي كانت فيه تونس مجرد إيالة عثمانية تابعة لاستانبول.
وتعريف "السلطان" بـ: "الطغراء"، مرده إلى كونها توقيعه الرسمي الذي يعبر عن سيادته ونفوذ أمره، مما يؤكد صحة الجمع بين الطغراء كرسم، والسيادة كفعل، والسلطان كحاكم. له "شعارات" تعبر عن سيادته التي نجد مظاهرها في أحواله ومأكله وملبسه.
وأهم "شعار" ملبوس كان يعبر عن "الأزياء السلطانية" في المغرب:
1 - القفطان المغربي:
وكان ينعته العثمانيون بـ: "القفطان الفاسي" (Fas Kaftanlar / Fas Kaftanı / Fas Kaftanları). نسبة إلى "المغرب" الذي كانوا يسمونه: "دولة فاس".
وأقدم إشارة لتسمية القفطان، وردت في رحلة ابن بطوطة (703 - 779هـ/1304 - 1377م) خلال العصر المريني. وفي العصر السعدي أصبح القفطان لباسا سلطانيا "مخزنيا"، ذا "خصوصية مغربية"، وتحديدا خلال عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، الذي نُسب إليه بعدما أضاف له قطعة أخرى فوقية، فأضحى يسمى باللباس (المنصوري) أو(المنصورية) حسب صاحب "المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور". والمنصورية هي ما يعرف اليوم بـ: (التكشيطة) عند النساء.
من هنا يمكن القول أن الطغراء هي صورة محورة وتجريدية (بالخط) ترمز في مدلولها إلى السلطان، ولم يكن لها أن تتطور لولا إعمال الحرف العربي في تركيب أشكالها وصورها المعلومة، تلك الأشكال والصور التي تم تجاوزها منذ مستهل العصر الحديث، وبالتالي اختزالها في صورة فنية أكثر تعقيدا تتصف بالتشفير والتعمية؛ مثلتها على وجه التحديد: العلامة السلطانية الخاصة بالعثمانيين، والتي تُعتبر حسب رأيي؛ أول علامة أُطلق عليها - بشكل رسمي عند الباحثين - إسم: "طغراء".
وقد كانت العناصر الفنية للطغراء، ترمز إلى العناصر السيادية للسلطان. أما الدعاء له بالنصر والتمكين بعبارات من قبيل: "أعز الله نصره"، و"خلّد ملكه"، و"ضاعف اقتداره". و"المظفر دائما"، فقد كانت ترمز إلى شرعية حكمه.
ولا يخفى علينا أن الطغراء العثمانية تتألف من خمسة عناصر فنية، حددها العثمانيون فيما يلي:
- الطوغ.
- السرأة (السرّة أو الكرسي).
- بيضتا الطغراء.
- القول.
- الزخرفة والتذهيب.
وما يهمنا في هذه العناصر الخمسة ويحيلنا على "الخصوصية المغربية"؛ عنصران أساسيان؛ هما: الطوغ والقول.
وحتى نربط هذين العنصرين بالسيادة المغربية من جهة، وبخصوصية التراث المغربي من جهة أخرى، لا بد أن نسلط عليهما الضوء، لنتعرف على دلالتهما المصطلحية وخلفيتهما التاريخية فضلا عن بعدهما الوظيفي.
2 - الطــــــــــــــوغ:
إذا كان السلطان يتميز بعمامته أو قلنسوته، فإن الطغراء كانت تتميز بوجود "أطواغ" أو "طوغات" تشكل رأسها، و الطوغ في الرسم الطغرائي هو الألف أو اللام أو رقبة كل من الطاء والظاء، ومن هذا الحرف اقتبست تسميته التي تم تحريفها من طرف العثمانيين بسبب عجمتهم (طاء = طوغ أو طغ) (Tug). وهناك تفسير آخر للطوغ في القواميس التركية التي جعلت منه مرادفا للكلمات التالية: "لواء"، أو"راية"، أو"علم". وكان الطوغ يُروّس ويُتوّج عند الأتراك بخصلة أو ذؤابة من ذيل الفرس.. وهي عادة قديمة عندهم تشير إلى سيادة الدولة التي تستمد قوتها من خلال التوسع والفتح الذي كان يرمز له الفرس عند الأتراك منذ عصر السلاجقة.
وقد ورد في المعجم الموسوعي للمصطلحات العثمانية التاريخية، أن الطوغ معناه: "ذؤابة من وبر الخيول تُعلق على العمامة التي يلبسها أركان الدولة، وهي علامة مميِّزة لهم حسب مكانتهم".
أما المراجع العثمانية، فقد أوردت أن التتار والمغول كانوا يستعملون الطوغ المأخوذ من شعر ذيل الحصان، كشارة للسيادة، حيث كانت الجيوش ترفع ذؤابة منه على عُمد أو رماح منتصبة في المقدمة. ويُطلق الطوغ أيضا على خصلة الشعر التي تُشبك في دبوس مرصع يرشق في عمامة (الخاقان) العثماني، وذلك قبل استبدال العمامة الخاقانية بالطربوش الأحمر ذي الذؤابة السوداء.
ومعلوم أن كلمة: "طربوش" ذات جذر تركي ترتبط بكلمة: "سربوش" أي: "غطاء الرأس"، ثُم حُرفت إلى "شربوش". وورد في "النجوم الزاهرة": "فركب وعليه خلعة أطلس، بطرز زركش أو شربوش مكلل مزين". وقد وردت الكلمة أيضًا في شعر ابن النبيه، الذي قال:
ترى قُندس الشربوشِ فوقَ جبينِهِ
كأهدابِ أحداقٍ بُهِتنَ من البدر
ويُنعت الطربوش الأحمر ذو الذؤابة السوداء في اللغات الأوروبية بكلمات: FEZ أو FES أو FAS نسبة إلى فاس، وفي هذا الشأن، نشير إلى أن أصل هذا الطربوش، يرجع إلى المغرب الذي كان يصطلح العثمانيون على تسميته بـ: دولة "فاس"؛ نسبة إلى العاصمة التاريخية لهذا البلد كما ذكرنا ذلك آنفا، وذلك لأنه انطلق من مدينة فاس المغربية إلى غيرها من المدن والأقطار، وذلك بعدما تبناه العثمانيون الذين سيطلقون عليه: "الطربوش الفاسي"، أو"طربوش الفاس"، أو"فسس"، وهي التسمية التي وردت في معجم الدولة العثمانية الذي ذُكر فيه أن "(فسس) بكسر الفاء الممالة [وهي] غطاء للرأس يُصنع في مدينة فاس من صوف أو لباد أحمر اللون.. وأصبح (فسس) الغطاء الرسمي للرأس عند العثمانيين بعد إلغاء فرقة الانكشارية. وكان ذلك بمقتضى قانون صدر عام: [1140هـ] 1728م. وفي عام: [1251هـ] 1835م أُقيمت في استانبول (فسس خانه).. [لكن ما لبث أن] ألغي لبسه رسميا عام: [1343هـ] 1925م". أي: بعد سقوط الخلافة العثمانية.
وقد كان "الطربوش الفاسي" الذي يُلبس مع الجلباب المغربي، يُعرف بلسان المغاربة - منذ العصر المريني - بـ: "الشاشية" نسبة إلى الذؤابة السوداء أو خصلة الشعر التي تشبه شعر ذيل الحصان. وفي هذا الشأن، نستدل بإشارة أوردها ابن الحاج النميري (ولد سنة: 713هـ/1313م) في كتابه: "فيض العباب" الذي ألفه في مناقب أبي عنان المريني (749 - 759هـ/1348 - 1358م)، حيث قدم لنا وصفا وافيا لجيش هذا السلطان المريني الذي كان يتأهب للزحف نحو إفريقية عبر قسنطينة انطلاقا من المدينة البيضاء (فاس الجديد) في: 20 جمادى الأولى 758هـ/11 ماي 1357م، وهو الجيش الذي كان يتكون من عدة أجناس يمكن التمييز فيما بينها من حيث اللباس والعادات والشعارات، فالمغاربة مثلا - حسب وصف النميري - كانوا يضعون فوق رؤوسهم "القلانس والشواشي المذهّبة والمفضّضة"، أما "الأتراك" الذي دخلوا في خدمة المرينيين، فقد كانوا يضعون فوق أعلامهم أطواغا مزينة بخصلات من الشعر، اتخذوها شعارا لهم قبل ظهور العثمانيين. يقول النميري في ذلك: "وتقدم بين يديه - أيّده الله - قواد الأجناد والأعلاج والأتراك والوصفان كل قائد له علم معروف، ولواء إليه مصروف، وترتيب عليه موقوف. ولقواد الترك طبنخالات تحفظ نظامهم الشرقي ومزامير هائلة مما عرفوا بها الملك المصري. وبأعلى أعلامهم الشعر الذي جعلوه شعارا، وزادت به الحروب استظهارا".
وفي معرض حديثه عن الدولة العثمانية، تحدث ابن خلدون (732 - 808هـ/1332 - 1406م) عن خصلات الشعر هذه، واعتبرها شعارا للعثمانيين، حيث يقول في ذلك: "وأمّا دولة التّرك [يقصد الدولة العثمانية التي كانت في بداياتها الأولى] لهذا العهد بالمشرق، فيتّخذون راية واحدة عظيمة وفي رأسها خصلة كبيرة من الشّعر يسمّونها الشّالش والجتر، وهي: شعار السّلطان عندهم، ثمّ تتعدّد الرّايات ويسمّونها السّناجق، وأحدها سنجق وهي الرّاية بلسانهم".
في السياق نفسه، يشير بعض الباحثين إلى أن الأطواغ هي أذيال الخيول، حيث كانت هي "العلامات المميزة للقيادة العسكرية"، فضلا عن كونها "رموز السلطة السلطانية"، وقد كان للإمبراطورية العثمانية موظف خاص بها يدخل ضمن أغاوات الرِّكاب السلطاني، يسمى: "حامل العلم" أو "مير علم"، ودوره هو حراسة الأعلام و"الأطواغ الستة". أما "طوغات الطغراء" التي ينحصر عددها في ثلاثة منتصبات تنتهي في أعلاها بزلفات تزيينية على شكل أشرعة - تشبه أشرعة سفن الأسطول العثماني - فهي تعبر عن "أمير البحر" الذي كان من "ذوي الأطواغ الثلاثة".
وقد ذهب دوسون إلى أن العثمانيين كانوا يستعملون الطغراء كشارة في الأعلام العثمانية إلى حدود القرن التاسع عشر الميلادي، حيث يذكر أنهم كانوا يرفعون في سفنهم أعلاما يميز من بينها علم أمير البحر وهو قائد الأسطول، وكان ذلك العلم عليه "رمز السلطان (الطغرة)". ويشير أيضا إلى أن "..الطرة أو الطغراة..[كانت] تُرى.. مرسومة بالحبر.. داخل الأبنية العامة وعلى المراكب الحربية وعلى بيوت موظفي الدولة".
3 - القــــــــــــــــول:
وهو ذنب الطغراء الذي يتكون من خطين متجاوبين، ويعني في اللغة التركية: (kul) ، أي: "التابع"، أو "العبد"، و"قره قول" أو"قره غول" معناه كما ورد في معجم الدولة العثمانية هو: الجندي أو العبد الأسود.
ويدل "قول" الطغراء في رمزيته على "مماليك السلطان" الذين تلقوا تعليما خاصا في البلاط العثماني، أهّلهم ليكونوا في المراكز العليا للدولة، وقد عُرف هذا النظام باسم: "نظام القول" الذي يمكن اعتباره حجر الأساس للدولة العثمانية، لدرجة أن "ب.جيوفيو" (P.Giovio)، وصف في سنة: 944هـ/1537م "القول" بأنه "ذلك الذي يطيع - طاعة عمياء - رغبة السلطان وأوامره".
ويذكر المؤرخ العثماني إينالجيك أنه كان - في المجتمع العثماني - يعتبر شرفا وامتيازا للمرء أن يكون مملوكا للسلطان، ولذلك فمن الخطأ ترجمة تعبير (قول): kul إلى (عبد): slave، لاسيما وأن تسمية: "القول أوغلية"، أو "الكراغلة" (بالتركية: Alkraglh)‏، (بالإنجليزية: Kouloughlis)،‏ كانت تطلق في كل من الجزائر وتونس وطرابلس الغرب (ليبيا) على المواليد من الزيجات التي كانت بين الانكشاريين وبنات الأهالي في الولايات الشمال إفريقية، عدا المغرب الذي لم يكن تابعا - بالطبع - للدولة العثمانية.
وقد أشار التمكروتي في: "النفحة المسكية" إلى هذه الظاهرة، وذلك من خلال إجراء مقارنة بين السعديين والعثمانيين، حيث ذهب إلى أن: "التُّرك جاروا على أهل تلك البلاد كثيرا وأفسدوها، وضيقوا على أهلها في أرضهم وديارهم وأموالهم حتى استباحوا حريم المسلمين. وحتى أن بنت الإنسان من الأعيان والأكابر إذا كان لهم فيها غرض لا يقدر أحد أن يمنعها منهم، أعني بالنكاح، ولا أن يُنكحها لغيرهم. إلى غير ذلك من الذل والإهانة التي هم فيها معهم. هكذا أهل إفريقيا كلهم معهم".
ومهما يكن من أمر، فقد كان الكراغلة يتصفون بشدة البأس، إلى درجة أن مصطلح: "مْكْرغل" لا يزال يُطلق في فاس ونواحيها على كل شخص شديد المراس.
وحسب تقديري الخاص - وبحكم انتمائي إلى مدينة فاس - يمكن القول أن استعمال هذا المصطلح في فاس ونواحيها يرتبط بمحاولة العثمانيين السيطرة على هذه المدينة - التي تُعد العاصمة التاريخية للمغرب - خلال عهد سليمان القانوني (926 - 974هـ/1520 - 1566م)، وبالضبط في سنة: 961هـ/1554م. ولبلوغ ذلك المرام، استعمل العثمانيون أتراك الجزائر من الكراغلة الذين كان آباؤهم من جيش الإنكشارية التركي، وهو الجيش الذي حاول إبادة حكام تلمسان "الزيانيين" غداة سيطرة العثمانيين على الجزائر سنة: 922هـ/1516م، لكن الزيانيين الناجين من مذبحة العثمانيين فروا إلى المغرب واستقر معظمهم بمدينة فاس، حيث تحالفوا مع السلطان عبد الله الغالب السعدي (964 - 982هـ/1557 - 1574م)، ولعبوا دورا مهما في إيقاف الزحف العثماني من منطلق ثأرهم القديم، وخاصة في معركة وادي اللبن التي جرت بين السعديين وبين العثمانيين في سنة: 965هـ/1558م، بمنطقة تيسة (إقليم تاونات - حاليا) شمال مدينة فاس، وهي المعركة التي قطعت آمال العثمانيين نهائيا في الحصول على بلاد المغرب، حيث انتصر فيها السعديون انتصارا ساحقا بمساعدة حلفائهم الجدد "بني زيان". وكاد حسن باشا قائد القوات العثمانية أن يلقى حتفه في هذه المعركة لولا أن نجح في الفرار بجلده، وتقديرا لبسالتهم؛ قُدِّمت لبقايا الزيانيين الأراضي المحيطة بأرض المعركة، فظهرت قبائل "الحياينة" على مسرح الأحداث، حيث ستشكل درعا لحماية فاس من أي زحف عثماني. و الحياينة يوجدون اليوم بكثرة بمدينة فاس، مما يفسر استعمال مصطلح: "مْكْرغل" الذي كان يُطلقه الزيانيون على المولدين من أبناء الأتراك، وذلك لتمييزهم عن الجزائريين الأقحاح، وبحكم التداول والتواتر، ظل هذا المصطلح مستعملا استعمالا معياريا بمدينة فاس إلى الآن.
من خلال ما سبق، يمكن القول أن "القول" هو جزء من أجزاء "الطغراء العثمانية" التي كانت تمثل "سيادة" السلطان العثماني، مما يدل على أن الإيالات الشمال إفريقية - عدا المغرب - كانت تمثل جزءا من سيادة الدولة العثمانية، لارتباط سكانها "القول أغلية" أو (الكراغلة) بـ: "قول" الطغراء العثمانية الذي كان يعد تابعها من خلال صورته وموقعه ضمن أجزائها، تماما كما كانوا هم تابعين للدولة العثمانية، من خلال موقع إيالاتهم (الغربية) من "مركز القرار"؛ استانبول.
بخلاف المغرب الذي كان البلد الوحيد الذي استطاع إيقاف الزحف العثماني، بفضل قوة الدولة السعدية، التي عبرت عن استقلالها وسيادتها من خلال استعمال "الطغراء المغربية" التي كانت متفردة في شكلها ونصوصها عن "الطغراء العثمانية".

حقوق النشر محفوظة

حقوق النشر محفوظة

لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة

مراجعات ( 0 )
اقتباسات ( 0 )
  أبحث عن كتاب آخر

مراجعة كتاب "د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي"

اقتباسات كتاب "د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي"

كتب أخرى مثل "د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي"

كتب أخرى لـ "محمد عبد الحفيظ"

إخفاء الملكية الفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب المذكور
فى حالة وجود مشكلة بالكتاب الرجاء الإبلاغ من خلال أحد الروابط التالية:
بلّغ عن الكتاب أو من خلال التواصل معنا

الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا