English  

كتاب د محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني القفطان المغربي المخزني

حقوق النشر محفوظة

لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة

حقوق النشر محفوظة
د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني.
Qr Code د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني.

د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني.

مؤلف:
قسم: السياسة الاسلامية [تعديل]
اللغة: العربية
الناشر: مطبوعات أمينة الأنصاري، فاس
ردمك ISBN: 9789954340219
ترتيب الشهرة: 547,114 رقم 1 هو الأشهر !
رابط مختصر: نسخ
المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب
مراجعات ( 0 )
اقتباسات ( 0 )
التحميل غير متوفر

باحث

الناشر والمؤلف كتاب د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني. .
باحث

وصف الكتاب

د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني.
مستخرج من كتاب: "الطغراء المغربية. العلامة السعدية أنموذجا - مدخل لدراسة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية وخصوصية التراث المغربي"، مطبوعات أمينة الأنصاري، فاس، الطبعة الأولى: 2014.

ملخــــــص الكتـــــــاب:

يُعدّ "القفطان المغربي" أهم "شعار" ملبوس يعبر عن "الأزياء السلطانية" في المغرب؛ وذلك بالنظر إلى كونه لباسا رسميا - مخزنيا تميز به السلاطين المغاربة عن غيرهم - يحيلنا على مفهوم "السلطة المخزنية" في المغرب، حتى إن بعض المصادر كانت تنعت قفاطين السلاطين المغاربة بـ: "قفاطين المخزن".
ولتأصيل ظهور القفطان المغربي تأصيلا تاريخيا؛ نشير إلى أنه وبالرغم من عدم اعتماده في عصر الدولة المرابطية لباسا رسميا؛ إلا أن رمز "الطاووس" الذي كان حاضرا في رايات المرابطين وعمائرهم حسب صاحب الحلل الموشية، سيتم فيما بعد استخدام رسمته (طرزته) على القفطان المغربي، وتحديدا قفطان "النطع الفاسي" الذي سيعرف بتطريز هذه الرسمة إلى اليوم.
وبعد سقوط الدولة المرابطية سنة: 541هـ/1146م، ظهر القفطان لأول مرة في المغرب خلال العصر الموحدي، حيث أصبح لباس (الخلفاء) المغاربة أو بالأحرى؛ "لباسا خليفيا"، سعى من خلاله (الخلفاء الموحدون) إلى تجسيد رغبتهم في تمييز لباسهم باللون الأحمر - القرمزي عن لباس (الخلفاء العباسيين) الذي كان يسمى عندهم بـ: "الخفتان"، وهو لباس يميل لونه إلى السواد "الفختي" أو"الفاختي"، وذلك من منطلق المنافسة السياسية حول شرعية حيازة الخلافة.
وقد كان القفطان المغربي يُصنع منذ هذا العصر بمدينة فاس، بدليل ما أورده ابن أبي زرع الفاسي (ت.741هـ/1340م) في كتابه: "الأنيس المطرب بروض القرطاس". حيث ذكر أن هذه المدينة كانت تضم خلال العصر الموحدي: 3064 محلاّ لصناعة الحياكة والخياطة.
وبعد سقوط الدولة الموحدية سنة: 668هـ/1269م، صار القفطان "لباسا سلطانيا"، بمجرد أن اتخذه السلاطين المرينيون - الذين ارتقوا لسدة الحكم في المغرب خلفا للموحدين - لباسا رسميا خاصا بهم وشعارا يميزهم عن غيرهم، خاصة بعد ظهور لقب: "سلطان" في المغرب لأول مرة مع أول سلاطين بني مرين؛ أبي يوسف يعقوب بن عبد الحق (647 - 685هـ/1249 - 1286م). بخلاف المشرق الذي ظهر فيه هذا اللقب مع السلطان محمود بن سبكتكين الغزنوي (388 - 421هـ/998 - 1030م) في ظل الخلافة العباسية.
وقد أضاف المرينيون حزاما يحاط به الخصر لضمّ القفطان إلى الجسم، وخاصة في المعارك والحروب، وذلك حتى لا تعوق أطرافه وتلابيبه حركاتهم أثناء الفرّ والكرّ، ولذلك سمي هذا الحزام عند المغاربة بـ: "المْضْمَّة".
وأقدم إشارة لتسمية: "القفطان" خلال العصر المريني، هي الإشارة التي أوردها ابن بطوطة (703 - 779هـ/1304 - 1377م) في رحلته المسماة: "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار".
وبعد سقوط الدولة المرينية سنة: 869هـ/1465م، وقيام الدولة الوطاسية على أنقاضها؛ حافظ الوطاسيون - على غرار سابقيهم - على الخصوصية المغربية في لباسهم، حيث ورثوا القفطان عن المرينيين. وفي هذا الباب، يشير الحسن الوزان (ت. نحو 957هـ/1550م)، في كتابه: "وصف إفريقيا" إلى أنه كان يوجد - على سبيل المثال - بمدينة فاس خلال هذا العصر؛ 520 دارا للنساجين يعمل بها 20 ألف عامل.
وإذا كان القفطان المغربي في بداية الأمر "لباسا ذكوريا" لبسه (الخلفاء) والسلاطين المغاربة كما تدل على ذلك الإشارات السابقة، فإن هذا الأمر لم يمنع من انتقاله إلى النساء خلال العصر الوطاسي، إلى درجة أصبح معها - في مراحل لاحقة - لصيقا بالنساء أكثر من الرجال.
بل و ارتبط القفطان المغربي خلال هذا العصر ارتباطا وطيدا بالأعراس والمناسبات المغربية. فقد كان من عادات أهل فاس المتوارثة في أعراسهم أن أن يقدّم العريس في العصر الوطاسي "ثلاثة قفاطين" و"ثلاثة فساتين" مع جهاز العروس.
وبعد سقوط الدولة الوطاسية نهائيا على يد السعديين في سنة: 961هـ/1554م، أصبح القفطان المغربي خلال العصر السعدي لباسا سلطانيا "مخزنيا"، ذا "خصوصية مغربية"، وتحديدا خلال عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، الذي نُسب إليه بعدما أضاف له قطعة أخرى فوقية، فأضحى يسمى باللباس "المنصوري" أو"المنصورية" حسب صاحب "المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور". والمنصورية هي ما يعرف اليوم بـ: "التكشيطة" عند النساء.
بل إن القفطان أصبح من الخلع السلطانية التي يرتديها خُدّام الدولة السعدية باعتباره لباسا سلطانيا مخزنيا يعبر عن رجال المخزن السعدي، ويُستنتج ذلك - على سبيل المثال لا الحصر- من خلال كتاب: "ديوان قبائل سوس في عهد السلطان أحمد المنصور الذهبي" لمؤلفه إبراهيم بن علي الحساني، الذي انتهى منه بأمر من أحمد المنصور الذهبي في فاتح ربيع الأول 988هـ/16 أبريل 1580م. حيث تحدث عن القفطان في معرض حديثه عن لباس "المحلّة السلطانية".
وفي حديثه عن العثمانيين؛ أشار السفير المغربي علي بن محمد التمكروتي (941 - 1003هـ/1534 - 1594م)، إلى الألبسة السلطانية العثمانية دون أن يورد ما يفيد أن القفطان كان من بينها، ويستنبط ذلك من خلال حديثه عن رجال الديوان الهمايوني العثماني حيث يذكر أن "كل واحد منهم على قدره وزينته.. لا يساوي كل واحد منهم من هو أعلى منه رتبة في المشي ولا في العمامة ولا في اللباس ولا في المجلس"، خاصة وأن التمكروتي كان سفير السلطان السعدي: أحمد المنصور الذهبي (986 - 1012هـ/1578 - 1603م)، إلى السلطان العثماني: مراد الثالث (982 - 1003هـ/1574 - 1595م)، ومعلوم أن المنصور الذهبي هو مخترع القفطان المنسوب إليه، والمعروف بـ: "المنصورية".
بناء على ما سبق، نستطيع القول إن كل دولة من الدول التي حكمت بلاد المغرب، كان لسلاطينها قفطان يميزهم عن غيرهم - باعتباره ملبوسا سلطانيا - يختلف في طريقة خياطته وألوانه وطرزه من دولة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر. بل إن القفطان كان يختلف داخل البلد نفسه، وذلك بحسب أهمية الوظائف السلطانية ومراتبها.
وعليه، فإن القفطان هو - في الحقيقة - اسم صفة من حيث دلالته اللغوية، شأنه في ذلك؛ شأن التسميات الأخرى كالجلباب والجبة والقميص والسروال، وهي تسميات تطلق على أنواع محددة من اللباس وإن اختلفت أثوابها وأشكالها وألوانها وطريقة خياطتها من بلد إلى بلد، إلا أنها تشترك في صفات تميزها مثل أن تكون فضفاضة أو ضيقة، قصيرة أو طويلة، سابغة أو شفافة، كأن نقول مثلا: السروال التركي.. والسروال الفارسي.. وهكذا.. لذلك فإننا لا نجد أية غضاضة - بناء على ما ذكرناه - في إضافة كلمة قفطان إلى نوع محدد ومميز من اللباس؛ له قواسم مشتركة من منطقة إلى أخرى، بصرف النظر عن البلد الذي ينتمي إليه، كالقفطان العثماني والقفطان الفارسي، والقفطان المغربي، وغيرها من القفاطين الأخرى التي تنتمي لمختلف بلدان العالم الإسلامي.
ولأننا نتحدث عن "القفطان المغربي" تحديدا؛ نشير إلى أن تمييزه بـ: "المغربي"، هو من باب المقارنة بينه وبين القفاطين الأخرى؛ وعلى رأسها: "القفطان العثماني" الذي لاعلاقة له بـ: "القفطان المغربي" لا في هيأته ولا حتى في نوع الثوب المستعمل في خياطته وهو: "الزردخان المغربي" المنسوج من خيوط حريرية شبيهة بالتفتة (الحرير الرقيق)، وهو الثوب الذي كان يعرف في المغرب إلى عهد قريب بـ: "النسيج البلدي". و يُسمى في يومنا هذا بـ: "البروكار الفاسي"، لأن حياكته كانت - ولا تزال - تتركز في مدينة فاس، ولا يخفى علينا في هذا الشأن أن الزردخان أو البروكار الفاسي المغربي، مشهور بجودته التي تعكس ثقافة وتقاليد المغاربة، إلى درجة عُرف معها "القفطان المغربي" المصنوع من هذا الثوب بـ: "قفطان البروكار الفاسي"، وذلك لتمييزه عن القفاطين الأخرى التي كانت تُصنع بغيره من الأثواب.
ويشير عبد الهادي التازي إلى أن "الزردخان" شبيه بـ: "المْلفّ"، وهو أملس، ومنه نوع يُتّخذ من القطن، إلا أن الزردخان يأتي في المرتبة الثانية بعد الملف. و"المْلفّ" (أو المْلِيفّة) هو نوع من الأثواب الفاسية الفاخرة التي كانت - ولاتزال - تُنسج في مدينة فاس، وهي الأثواب التي أشار إليها ابن بطوطة (703 - 779هـ/1304 - 1377م)، في غير موضع من رحلته الشهيرة.
إذن فإضافة تسمية: "قفطان" إلى بعض خِلع السلاطين العثمانيين التي كانت تُعرف عندهم بـ: "البندالي" (Bindalli) هو من باب المقارنة فقط، وأيضا من باب: "إذا شابه الشيء شيئا أعطي حكمه"، فصارت تسمية: "قفطان عثماني" تسمية مجازية يُراد بها التشبيه والتمثيل، وهذا معروف في اللغة العربية، كإطلاق تسمية موحدة على شيئين مختلفين لجعلهما مؤتلفين؛ كتسمية (الأسودين) التي تطلق على الماء والتمر، وتسمية (الحسنيْن) التي تطلق على الحسن والحسين وخاصة ريحانتي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسمية (القمرين) التي تطلق على الشمس والقمر وهكذا..
وهذا ما تم تأكيده من خلال كتاب تركي تحت عنوان: "التطور التاريخي لزي القفطان":
(HISTORICAL DEVELOPMENT OF THE CAFTAN COSTUME)
وهو كتاب تم نشره في سنة: 1978م، من تأليف الباحثة العراقية - التركية مفيدة عبد النور قصير (ولدت في الموصل سنة: 1355هـ/1936م)، التي تطرقت فيه لتاريخ تطور القفطان منذ ظهوره إلى أواخر القرن العشرين، وقد أرفقت صورا مختلفة للقفطان المغربي بأنواعه المعروفة؛ كالقفطان الرباطي والتطواني، والقفطان الفاسي؛ وخاصة قفطان الخريب الفاسي (المخيط من الديباج)، و قفطان النطع الفاسي، وغيرها من القفاطين الأخرى التي كانت تنسب لمختلف الجهات المغربية.
والملاحظ أن الباحثة المذكورة عرّفت كل ملبوس طويل وسابغ باسم: "قفطان"، ثم نسبته إلى بلد معين، وذلك بحسب طريقة خياطته وتفصيله (الفصالة بلسان الخياطين المغاربة)، وقد جمعنا كل تلك القفاطين المنسوبة إلى الدول العربية التي ذكرتها مرفقة بأشكالها المختلفة، والتي لا يجمع بينها سوى اسم قفطان حيث تختلف كليا فيما بينها، وللأمانة؛ سندرج كل تلك القفاطين التي أوردتها وأسماء الدول المنسوبة إليها كاملة، وذلك حسب الترتيب الذي قامت باختياره. والدول التي نسبت إليها الباحثة القفطان؛ هي أربعة دول فقط، وذلك من منطلق التشابه في الإسم لا العين؛ نذكرها كالتالي:
- القفطان المصري.
- القفطان المغربي.
- القفطان السوري.
- القفطان العثماني.
ولم تقتصر الباحثة مفيدة على القفطان المغربي الذي كانت تلبسه النساء في بيوتهن، بل أدرجت اللباس المغربي الذي كانت تلبسه النساء خارج البيوت، والذي كان لباسا سابغا محتشما يغطي كافة جسد المرأة المغربية بما في ذلك الوجه، يختلف من منطقة إلى أخرى من مناطق المغرب، حيث أدرجت صورتين اثنتين فقط خصّت بهما المغرب؛ ألا وهما: "الحايك". و"الجلباب المغربي النسائي" (جلابة اللثام).
وهما صورتان تظهر فيهما سيدتان مغربيتان، أولاهما؛ صورة لسيدة مغربية ترتدي "الحايك"، وهي مؤرخة في سنة: 1962م، والثانية؛ لسيدة مغربية أخرى ترتدي "جلابة اللثام" (كما يسميها المغاربة)، وهي مؤرخة في سنة: 1977م. وقد التُقِطت الصورتان معا في باحة "لرياضيْن" مغربيين مختلفين مزيّنيْن بالزليج الفاسي، تتوسطهما نافورتيْن يحيط بكل منهما حوض مائي مضلّع الشكل.
وكما هو ملاحظ من خلال الصورتين الوحيدتين اللتين أوردتهما الباحثة التركية مفيدة، هو وجود التلازم البديهي بين عناصر ومحددات التراث المغربي سواء في اللباس الذي يرتبط بالحياء والاحتشام الذي عُرفت به المرأة المغربية، أو في العمارة التي عرفت بطرازها المغربي المتميز، حيث يسترعي انتباهنا فخامة "الرّْيَاضات" (بتسكين الراء وتشديدها وتخفيف الياء كما ينطقها المغاربة وهي جمع روض)، والتي كانت - ولاتزال - معروفة بباحاتها المزينة بالزليج الفاسي (الزليج البلدي)، ونوافيرها المائية البديعة.
ولعل هذا التلازم بين الحياء والاحتشام في لباس المرأة المغربية، والزليج الفاسي والنوافير المائية في الرّيَاضات المغربية التي كانت كالقصور المكنونة، هو ما عبر عنه عبد الكريم سكيرج (1318 - 1403هـ/1900 - 1983م) في معرض حديثه عن "الخط المغربي" الذي يعد هو الآخر من محددات ومظاهر "الخصوصية المغربية"، حيث أكد أن "الخط المغربي يلزم أن يبقى مغربيا، ما دام المغرب معروفا بجمال الزليج في تزويقه، ونقش الجبس في تنميقه، وبالقرمود الأخضر في تنسيقه، وماء الفوارات في تدفقه، وما بقيت الجلابة والكساء والحياء في النساء، ومادامت فاس بجنّاتها وقصورها وشموسها وبدورها، والرباط بحسّانه وشالته ومرسى الفلك وبحارته، والحمراء [يقصد مراكش] بنخيلها وكتُبيتها، وجامع الفناء وضجتها".
فلا شك أن عبد الكريم السكيرج قد تحدث في هذا النص عن المحددات الأساسية التي عرف بها التراث المغربي سواء في الخطوط أو العمارة أواللباس، كما تحدث أيضا عن مراكز الحضارة المغربية وتراثها المادي واللامادي كمدينة فاس ومراكش والرباط، وهي المدن التي تُحيلنا على استمرار الدولة المغربية - دون انقطاع - عبر التاريخ.
ومعلوم أن عبد الكريم سكيرج (1318 - 1403هـ/1900 - 1983م) كان على دراية بقيمة هذا التلازم الدلالي والسببي بين محددات التراث المغربي، حيث كان خطاطا بارعا مجيدا للخطوط المغربية المشرقية، علاوة على خطوط مبتكرة اجتهد في وضع أصولها. بل وكان ومن أوائل الخطاطين المغاربة الذين عرّفوا بالخط المغربي وأصنافه من خلال مقاله الشهير: "الخط العربي المغربي". يُضاف إلى ذلك أنه هو من قام بإنجاز الكتابات المنقوشة على جدران ومحراب المسجد الأعظم بباريس الذي شيّده الحرفيون المغاربة سنة: 1345هـ/1926م، بآيات قرآنية وأبيات شعرية من نظم أبيه العلامة القاضي أحمد بن العياشي سكيرج (1295 - 1363هـ/1877 - 1944م).
ومن عجيب الموافقات أن يكون (أبوه) أحمد سكيرج؛ هو أول من افتتح المسجد الأعظم بباريس بأول خطبة جمعة بحضور السلطان العلوي (مولاي) يوسف (1330 - 1346هـ/1912 - 1927م). وهو خطاط أيضا ألف في بعض وظائف الخط المغربي المتعلقة بالعقود الشرعية وحساب المواريث مثل كتابه الموسوم بـ: "إرشاد المتعلم والناسي في صفة أشكال القلم الفاسي".
وما يسترعي انتباهنا هو أن عبد الكريم سكيرج ربط في مقاله المذكور بين الخط المغربي والزليج الفاسي بنص قوله: "الخط المغربي يلزم أن يبقى مغربيا، ما دام المغرب معروفا بجمال الزليج في تزويقه..". بخلاف (الزليج) العثماني الذي كان يسمى بـ: "القاشاني" والذي انتشر في دول شمال افريقيا بحكم التأثير التركي على هذه البلدان.
والظاهر من خلال تسمية: "القاشاني" أنها تنتسب إلى العراق القديم؛ بدليل ما رواه محمد بن علي الراوندي (المتوفى بعد: 600هـ/1203م)، في كتابه: "راحة الصدور وآية السرور في تاريخ الدولة السلجوقية"، حيث أشار إلى أنه كان ينتسب إلى أسرة معروفة بإجادة الخطوط المنسوبة وحذقها؛ إلى درجة عُرفت معها بخط نُسب إليها؛ كان يسمى: "الخط الكاشي" (خط كاشيان)، أو"الخط القاشاني" نسبة إلى مدينة كاشان (أو قاشان) مسقط رأس الراوندي. يقول الراوندي في ذلك: "وصار الحال في سائر أنحاء العراق أنه كلما رُئي خط‍ جميل، قالوا إنه خط‍ الكاشانيين، أو إنه مأخوذ عن الكاشانيين".
وقد ربط عبد الكريم سكيرج أيضا بين الخط المغربي والجلباب المغربي بنص قوله: "الخط المغربي يلزم أن يبقى مغربيا.. ما بقيت الجلابة والكساء والحياء في النساء".
من خلال ما سبق، يمكن القول إن الفوارق بين القفطان المغربي والقفطان العثماني، هي ماثلة للعيان، تماما كالفوارق الموجودة بين "الطغراء المغربية" و"الطغراء العثمانية"، وهي الفوارق التي لا تدركها إلا عين غمصة أو رمصة.
وقد كان المشارقة ينعتون (القفطان المغربي) بتسمية: "القفطان المغربي": (Moroccan caftan) - على غرار الأوربيين - كما نلاحظ ذلك من خلال كتاب: "التطور التاريخي لزي القفطان"، لمؤلفته العراقية - التركية مفيدة عبد النور قصير.
أما العثمانيون، فقد كانوا ينعتون (القفطان المغربي) بتسمية: "القفطان الفاسي": (Fas Kaftanlar/Fas Kaftanı/Fas Kaftanları)، والسر في هذه التسمية - وكما ذكرنا ذلك آنفا - يرجع أولا إلى أن العثمانيين كانوا يسمون المغرب "دولة فاس"، كما يرجع أيضا إلى كون القفطان صنع لأول مرة بمدينة فاس منذ العصر الموحدي أي قبل ظهور العثمانيين بأكثر من قرن من الزمان.
وقد ظل القفطان هو اللباس الرسمي للسلاطين السعديين إلى حين سقوط الدولة السعدية سنة: 1069هـ/1659م، وعنهم ورثه العلويون، وفي هذا المضمار نستدل بما أورده المؤلف الفرنسي: "فرونسوا بيدو سانت أولون"(François Pidou de Saint - Olon) (1056 - 1132هـ/1646 - 1720م) الذي عاصر أواخر الدولة السعدية وبداية الدولة العلوية إلى حدود عهد السلطان العلوي: (المولى) إسماعيل (1082 - 1139هـ/1672 - 1727م) في كتابه الذي يتضمن تقريرا عن: "إمبراطورية المغرب. أوضاع البلاد، أعرافها وتقاليدها الدينية، سلطتها السياسة، سكانها"، والكتاب تحت عنوان:
)Relation de l'empire de Maroc où l'on voit la situation du pays, les moeurs, coutumes, gouvernement, religion et politique des habitans(.
وقد نقل المؤرخ البريطاني طوماس جيفيريس (Thomas Jefferys)، عن "فرونسوا بيدو سانت أولون" معظم ما يتعلق بالقفطان المغربي في كتابه الموسوم بـ: "مجموعة من فساتين الأمم المختلفة القديمة والحديثة":
)A Collection of the Dresses of Different Nations, Ancient and Modern.(
وهو الكتاب الذي يصف فيه أزياء الشعوب حول العالم، ومن ضمنها الزي التقليدي المغربي لسنة: 1106هـ/1695م، حيث يذكر منها: "القفطان" (Caffetan)، الذي كان يلبسه الرجال والنساء في المغرب فكان قفطان النساء يتميز عن قفطان الرجال بكونه فضفاضا سابغا يستر كافة الجسد من أم الرأس إلى أخمص القدمين، وكان نساء المغرب اللائي يلبسنه يُغطّين أيضا رؤوسهن بحجاب أبيض رقيق يخفي نصف الوجه حيث لا يظهر منهن سوى العينين.
والملاحظ أنه لا وجود لكلمة قفطان في الفقرات الخاصة باللباس التركي كما لم يتم ذكر أي بلد في شمال افريقيا باستثناء المغرب، حيث جعل القفطان محصورا على المغرب.
وفي كتاب بعنوان: "سفارة في المغرب": (Une ambassade au Maroc)، تم نشره منذ سنة: 1304هـ/1887م، وهو من تأليف المستكشف الفرنسي غابرييل شارم.(gabriel charmes) (1266 - 1303هـ/1850 - 1886م)، يصف فيه القفطان المغربي الذي شاهِده عندما كان في بعثة رسمية، لدى السفارة الفرنسية في المملكة المغربية. وكان ذلك قبل فرض الحماية الفرنسية على المغرب (1330هـ/1912م) بثلاثة عقود.
ويشير أبو القاسم الزياني (1147 - 1249هـ/1734 - 1833م)‏، في: "البستان الظريف" إلى أنه تم في سنة: 1159هـ/1746م، نهب 3000 "قفطان مخزني" إثر ثورة قام بها أهل فاس بسبب غلاء أسعار خرفان عيد الأضحى.
وقد اهتم ملوك و سلاطين الدولة العلوية بمظهرهم و أناقتهم، فكان القفطان جزءا من لباسهم المخصص للظهور في المناسبات و الحفلات التي تقام في القصر. وفي هذا الشأن؛ يذكر مؤرخ الدولة العلوية و نقيب الشرفاء العلويين (المزوار) عبد الرحمن بن زيدان (1295- 1365هـ/1878- 1946م) في كتابه: "العز والصولة في معالم نظم الدولة"، أن سلاطين الدولة العلوية كانوا يحتفظون بالقفاطين المصنوعة من ثوب الملف في "صناديق من خشب مغشاة الباطن بثوب من كتان خاص".
وفي شهر ربيع الأول من سنة: 1246هـ/غشت 1830م، عقب احتلال فرنسا لمدينة الجزائر (الجزائر العاصمة)، نزحت سفينتان تحمل اللاجئين الجزائريين نحو المغرب، وتحديدا إلى مدينة تطوان. حيث استقبلتهم هذه المدينة قبل أن يتوزع ما تبقى منهم على مدن مغربية أخرى وخاصة مدن الشمال المغربي حيث كان كثيرا منهم - على حد تعبير المؤرخ المغربي محمد داود "فقراء و لا حرفة لهم". وأحصي من فقراء الجزائر بتطوان وحدها في سنة: 1258هـ/1842م حوالي 700 فرد.
وبعد استقرارهم بالمغرب أوصى السلطان العلوي عبد الرحمن بن هشام خديمه قائد مدينة طنجة عبد الرحمن أشعاش بأن يحسن استقبالهم وإيوائهم ويعطي "قفطان ملف" لكل وافد جزائري على مدينة تطوان كما تؤكده بعض "المراسلات المخزنية" المتبادلة بين السلطان وعامله على طنجة.
من هنا نستطيع القول إن التراث المغربي أصل لا يتجزأ، من حيث الماهية والانتساب، بمعنى آخر؛ إن تمظهرات التراث المتعددة، يربط بينها خيط ناظم وعلاقة سببية تحيلنا على التراكمات الحضارية، والمحطات التاريخية، والهوية الثقافية، التي تولد عنها مسمى: "التراث الموروث" المتواتِر والمتوارَث عند المغاربة كابرا عن كابر، حيث إنه لم يأت من فراغ، كما أنه يرتبط بالتسلسل الزمني لتاريخ المغرب الذي لم ينفرط عِقده كما هو الحال عليه في باقي دول شمال إفريقيا التي فُرض عليها منطق "التبعية" - إسمية كانت أو رسمية - لكيانات سياسية مختلفة في مختلف فتراتها التاريخية.
ولذلك فمن الطبيعي أن يكون التراث المغربي تراثا أصيلا متأصلا ضاربا أطنابه في التاريخ، فمثلا؛ القفطان المغربي له أسماء متعددة تُنسب لمختلف المدن المغربية كالقفطان الفاسي والسلاوي والرباطي والتطواني، وأسماء متعددة تُنسب إلى صنعته كقفطان الخريب وقفطان النطع الفاسيّيْن، وأسماء تُنسب إلى نوع الثوب المستعمل في خياطته كقفطان "المْلفّ" (أو المْلِيفّة) وقفطان البروكار الفاسيّيْن، وأسماء متعددة تُنسب إلى المناسبات والأعراس المخصص لها وخاصة قفطان العرائس الذي كان يسمى في مدينة فاس بالشدة أو (اللبسة) الفاسية، وفي مدينة سلا الشدة أو (اللبسة) السلاوية.. وأسماء تُنسب إلى شكل القفطان وتأثيره على الحالة النفسية كقفطان البهجة نسبة إلى بهجة النفوس.. وغير تلك التسميات كثير، يقصر عنها الوصف.
لكن هذه التسميات بالرغم من كونها مختلفة، إلا أنها مؤتلفة فيما يتعلق بانتسابها إلى المغرب لذلك تم اختزالها والاقتصار على تسمية: "المغربي" عند الحديث بشكل عام عن الزي التقليدي للنساء في المغرب فصار يسمى بـ: (القفطان المغربي)، لأن الفرع لا يخالف أصله، ولأن الخاص دائما يحمل على العام بمقتضى القاعدة الشرعية المعروفة في علم الأصول.
وعليه، يمكن القول إن القفطان بعد دخوله من المغرب إلى بعض دول شمال إفريقيا بحكم التداخل و التجاور، وجدنا بعض التسميات المحدودة والحديثة التي تطورت إقليميا، وخاصة في غرب الجزائر التي كانت بعض أراضيها تابعة - تاريخيا للمغرب - قبل أن يقتطعها الاستعمار الفرنسي عقب احتلاله للجزائر سنة: 1830م.
ومن تلك التسميات المحدودة والحديثة؛ قفطان القاضي والشدة التلمسانية على سبيل المثال. وهي تسميات ترتبط بالقفطان المغربي ارتباط الفرع بأصله والدال بالمدلول عليه صنعة وانتسابا وتسمية، شأنه في ذلك شأن "الطربوش الأحمر المغربي" ذو الذؤابة السوداء، الذي كان مدى انتشاره أوسع من انتشار القفطان المغربي، ومردّ ذلك راجع إلى كون السلاطين العثمانيين المتأخرين؛ تأثروا بسلاطين الدولة العلوية المزامنين لهم - الذين حلوا محل السعديين في المغرب - فقاموا باتخاذه بشكل رسمي عوض "العمامة العثمانية" (العمامة الخاقانية) التي كان يُعرف بها السلاطين العثمانيين الأوائل كما تعكسه جميع صورهم التي نقلتها المصادر العثمانية. وبعد اتخاذه بشكل رسمي؛ أطلق العثمانيون على "الطربوش المغربي" تسمية: "الطربوش الفاسي"، أو"طربوش الفاس"، أو"فسس"، وهي التسمية التي وردت في معجم الدولة العثمانية الذي ذُكر فيه أن "(فسس) بكسر الفاء الممالة [وهي] غطاء للرأس يُصنع في مدينة فاس من صوف أو لباد أحمر اللون.. وأصبح (فسس) الغطاء الرسمي للرأس عند العثمانيين بعد إلغاء فرقة الانكشارية. وكان ذلك بمقتضى قانون صدر عام: [1140هـ] 1728م. وفي عام: [1251هـ] 1835م أُقيمت في استانبول (فسس خانه).. [لكن ما لبث أن] ألغي لبسه رسميا عام: [1343هـ] 1925م". أي: بعد سقوط الخلافة العثمانية.
وينعت الطربوش المغربي في اللغات الأوروبية بكلمات: FEZ أوFES أوFAS نسبة إلى فاس، وفي هذا الشأن، نشير إلى أن أصل هذا الطربوش، يرجع إلى المغرب الذي كان يصطلح العثمانيون على تسميته بـ: دولة "فاس"؛ نسبة إلى العاصمة التاريخية لهذا البلد، لأنه انطلق من مدينة فاس المغربية إلى غيرها من المدن والأقطار.
وقد كان "الطربوش الفاسي" الذي يُلبس مع الجلباب المغربي (الجلاّبة)، يُعرف بلسان المغاربة - منذ العصر المريني - بـ: "الشاشية" نسبة إلى الذؤابة السوداء أوخصلة الشعر التي تشبه شعر ذيل الحصان.
من خلال ما سبق يمكن القول إنه كان من الطبيعي أن تنتقل هذه التأثيرات الحضارية إلى الغرب الجزائري المتاخم للمغرب، وذلك بحكم الارتباط الثقافي والحضاري، بل وحتى البشري، لاسيما وأن الغرب الجزائري وتحديدا عاصمته تلمسان؛ لطالما تأثرت بعوائد الحضارة المغربية، بل وكانت تابعة للمغرب في بعض مراحلها التاريخية خاصة بعدما استولى عليها السلطان أبو الحسن المريني (731 - 749هـ/1331 - 1348م)، وبنى مشوارها السعيد المستلهم من المشوار السعيد للقصر المريني بفاس الجديد وهي (العاصمة المخزنية للمرينيين).
ولم يقتصر تأثير الحضارة المرينية على غرب الجزائر فحسب، بل شمل حتى مدينة غرناطة، وهي آخر معقل إسلامي بالأندلس، حيث إن ملوك بني الأحمر (بنو نصر) كانوا يقلدون المرينين في تقاليدهم المخزنية حسب ماذكره مارمول كربخال (926 - 1009هـ/1520 - 1600م) في كتابه: "وقائع ثورة الموريسكيين"، حيث يقول: "ولطالما قلد ملوك غرناطة نظراءهم من ملوك فاس [يقصد المرينيين]، فأضحت المدن محل الوصف وأجواءها ومبانيها و حكامها وكل ما هو دون ذلك على قدر كبير من التشابه".
بل وأشار مارمول إلى أن أمراء غرناطة قلدوا حتى "فاس الجديد" الذي بناه المرينيون خارج أسوار المدينة القديمة التي أضحت تسمى: "فاس البالي". يقول مارمول: ".. ماحملهم [ملوك غرناطة] على جعل بداية ذلك الحصن ونهايته خارج أسوار المدينة وعلى مقربة منها، اقتداء بملوك فاس الذين أقاموا حصنا آخر للغرض ذاته قبل سنين قليلة، حيث تركوا وراءهم ما يملكونه من قصور قصبة فاس القديمة [فاس البالي] ليشيدوا حصن فاس الجديد الذي لقبوه بالبيضاء، وعاشوا فيه أكثر أمنا في منازلهم مع ذويهم".
ولعل هذا التأثير سيترسخ في الغرب الجزائري بشكل كبير في مرحلة "الهيمنة المرينية"، وهي المرحلة التي لقب فيها السلاطين المغاربة بـ: "ملوك المغرب"، كما تؤكده بعض الوثائق والمراسلات السلطانية الصادرة من خصومهم، وعلى رأسها؛ وثيقة مؤرخة في: 9 محرم 716هـ/3 أبريل 1316م، يصف فيها أبو يحيى زكرياء الأول الحفصي، السلطان أبا سعيد المريني (710 - 731هـ/1310 - 1331م) بـ: "ملك المغرب أعزه الله".
ومعلوم أن أبا زكرياء الأول الحفصي، انتقلت إليه "الخلافة" من أجداده الحفصيين بتونس الذين ورثوها بدورهم عن أسلافهم الموحدين في مراكش، وأبو زكرياء هذا هو الذي سيوحد الدولة الحفصية من جديد حيث أصبح (الخليفة) الحفصي بدون منازع في تونس بين سنتي: (718 - 747هـ/1318 - 1346م)، حيث سيتحالف مع المرينيين ضد أمير تلمسان أبي تاشفين ابن أبي حمو موسى الزياني (718 - 737هـ/1318 - 1337م) لإيقاف هجوماته التي بدأها منذ سنة: 719هـ/1319م على مدينة بجاية الحفصية، وهو التحالف الذي انتهى بمقتل أمير تلمسان أبو تاشفين ابن أبي حمو موسى الزياني (718 - 737هـ/1318 - 1337م)، وسقوط تلمسان في يد أبي الحسن المريني (731 - 749هـ/1331 - 1348م) في: 27 رمضان 737هـ/29 أبريل 1337م. الذي سيثبت لنفسه - بعد ذلك - لقب: "ملك المغرب"، كما نلاحظه - على سبيل المثال لا الحصر - من خلال خواتم أجزاء ربعته المصحفية الشهيرة التي كتبها بخط يده سنة: 745هـ/1345م، وحبّسها على بيت المقدس الذي لا تزال بعض أجزائها محفوظة به إلى اليوم، وهي الربعة التي قمنا بدراستها في أطروحتنا لنيل الدكتوراه حول: "المصاحف والكتب والوثائق المخطوطة في المغرب".
وبعد سيطرة أبي الحسن المريني على تلمسان سيق أحد أمراء بني زيان وهو: أبو حمو موسى الثاني إلى مدينة فاس عاصمة المرينيين فأقام بها مدة طويلة، حيث تأثر بمظاهر الحضارة المرينية كما يذكر ذلك ابن الأحمر (725 - 807هـ/1325 - 1405م) في كتابه: "تاريخ الدولة الزيانية بتلمسان". حيث يقول عنه: "..أدركته بفاس وهو يسكن بها في عين أصليتن [وهو حي بعدوة القرويين بفاس يعرف اليوم بعين أزليتن] يتعيش برد الفك للمفكوكين، وذلك في دولة المولى أمير المسلمين أبي الحسن المريني، ورأيت بفاس؛ أباه يوسف بن عبد الرحمن - بعد الهزيمة عليهم بأنجاد - وهو في حانوت بالسقاطين يبيع السقط، فكيف يضاهي هذا الخامل الملوك الكرام بني مرين؟ وآل مرين أهل العزة والقهر لمن سواه من الملوك..".
ورغم التحامل الذي يظهر في لهجة ابن الأحمر تجاه أبي حمو موسی الثاني (760 - 791هـ/1359 - 1389م)، إلا أن هذا الأخير نجح في إعادة إحياء الدولة الزيانية من جديد بعد استرجاعه لمدينة تلمسان سنة: 760هـ/1359م، مستغلا بذلك وفاة السلطان المريني أبي عنان سنة: 759هـ/1358م، فنقل "الحضارة الفاسية" المغربية معه حتى صارت "تلمسان" تدعى بـ: "الأخت الصغرى لمدينة فاس".
وقد أحكم أبو حمو موسی الثاني الزياني قبضته على تلمسان لينفرد فيها بالحكم مدة 30 سنة، فألف كتابه: "واسطة السلوك في سياسة الملوك" لوصف منهجه السياسي في ممارسة الحكم، حتى أن مؤرخ بلاطه يحيى بن خلدون - وهو الأخ الأصغر لعبد الرحمن بن خلدون صاحب المقدمة - اعتمد عليه في تأليف كتابه: "بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد" الذي ألفه بأمر منه.
وذهب أبو حمو موسى في كتابه: "واسطة السلوك" إلى اعتبار "تزوير المراسلات والمكاتبات" فضلا عن اللجوء إلى "أسلوب الخداع"؛ سبيلا للنيل من أعدائه المرينيين.
لاسيما وأن الزيانيين كانوا دائما ما يستشعرون خطر المرينيين المحدق ببلادهم، لذلك كانوا في الغالب الأعم يلجؤون إلى أسلوب "المهادنة واالمداهنة" مع إعمال الحيلة لاحتواء الخطر المريني، وهو ما جعلهم - طيلة صراعهم مع المرينيين - في وضع دفاعي يرومون من خلاله إيقاف التحرشات المرينية. وتفادي مغبة الاصطدام معهم - ما أمكن - ولعل هذا التوجه؛ هو ما طبع الدولة الزيانية منذ عهد مؤسسها يغمراسن بن زيان (633 - 681هـ/1236 - 1283م)، الذي فضل عدم منافسة المرينيين، حيث يذكر ابن خلدون أنه أوصى ابنه أبا سعيد عثمان الأول (681 - 703هـ/1283 - 1303م) بوصية حذره فيها من منازعتهم في الأمر.
أما المرينيون، فلم يدخروا جهدا في القيام بتدبير المؤامرات لاغتيال أبي حمو موسی الثاني الزياني، وذلك منذ عهد أبي سالم إبراهيم المريني (760 - 762هـ/1359 - 1361م) الذي كان يناصبه العداء إلى درجة وصفه معها أبو حمو في كتابه: "واسطة السلوك" بـ: "العدو"، كما تدل على ذلك عبارة: "وهذا كان حالنا مع عدونا أبي سالم..".
وقد تأتّى للمرينيين - بعد عدة محاولات - التمكّن من أبي حمو موسی الثاني الزياني من خلال الخيانة الداخلية، حيث استعان ابنه وولي عهده أبو تاشفين بالسلطان المريني أبي العباس أحمد المستنصر (ت.796هـ/1393م)، مما مهد السبيل للمرينيين للدخول مرة أخرى إلى تلمسان وتخريبها بعد مقتل أبي حمو موسی في ذي الحجة 791هـ/نونبر 1389م.
ورغم كل هذا الصراع المرير؛ إلا أن التلمسانيين، وبعد سيطرة العثمانيين على الجزائر سنة: 922هـ/1516م، وجدوا أن قواسمهم المشتركة مع المغرب أكثر من تلك التي تجمعهم مع الأتراك، لذلك قاموا ببيعة السلاطين السعديين الذين لم يقتصروا على اتخاذ لقب: "الخلافة"، بل أضافوا له ألقابا أخرى؛ كلقب: "ملوك إفريقيا". وهو ما أسخط عليهم القائد العثماني "بربروس" الذي بيّت النية لاستئصال شأفتهم.
وبعد قضاء العثمانيين على ما تبقى من الزيانيين في تلمسان، اتجهت فلولهم إلى المغرب ودخلوا في تحالف مع السلطان السعدي عبد الله الغالب (964 - 982هـ/1557 - 1574م)، الذي جرت بينه وبين العثمانيين معركة وادي اللبن في سنة: 965هـ/1558م، بمنطقة تيسة (إقليم تاونات - حاليا) شمال مدينة فاس، وهي المعركة التي قطعت آمال العثمانيين نهائيا في الحصول على بلاد المغرب، حيث انتصر فيها السعديون انتصارا ساحقا بمساعدة حلفائهم الجدد "بنو زيان"، وكاد حسن باشا قائد القوات العثمانية أن يلقى حتفه في هذه المعركة لولا أن نجح في الفرار بجلده، وتقديرا لبسالتهم؛ قُدِّمت لبقايا الزيانيين الأراضي المحيطة بأرض المعركة، فشكلوا دِرعا لحماية فاس من أي زحف عثماني.
من هنا يمكن القول إن تلمسان وبعض مدن الغرب الجزائري، تأثرت بالعادات المغربية، وهذا ما يفسر اننا كلما اتجهنا شرقا يقل تأثير الحضارة المغربية، لأن الجزائر كانت خلال العصر الحديث معلقة بين عالمين؛ التأثير العثماني والتأثير المغربي، وقبل ذلك؛ أي في العصر الوسيط، كانت تتأرجح بين التأثير القيرواني والأندلسي و المغربي، كما يستنتج هذا من خلال ما ذكره هوداس في معرض حديثه عن الخط المغربي، حيث أشار إلى أن الجزائر كانت تتأرجح بين التأثير الفني للخط الفاسي والخط القيرواني تارة، وبين تأثير الخط الأندلسي تارة أخرى، بل إن سكان مدن الغرب الجزائري - حسب الباحث نفسه - كانوا يذهبون إلى مدينة فاس للدراسة في جامعة القرويين، ويرجعون منها بنوع الكتابة المتخذ في جامعة هذه المدينة.
وهذا التأثر نلاحظه حتى في اللباس، فكما يوجد "القفطان المغربي" في الجزائر وخاصة في التخوم الغربية، توجد ألبسة أخرى عثمانية مثل "الكراكو العثماني" مما يدل على أن الجزائر عرفت تنوعا حضاريا وثقافيا بحكم (المؤثرات المغربية) في العصر الوسيط وتحديدا خلال عصري الدولتين المرابطية والموحدية اللتان كانت عاصمتهما "مراكش"، فضلا عن (المؤثرات العثمانية) ابتداء من العصر الحديث بعد سيطرة العثمانيين على الجزائر سنة: 922هـ/1516م، فصارت إيالة عثمانية تابعة لـ: "استانبول"، حيث ستخضع هي وكافة دول العالم الاسلامي لعملية (التتريك) التي فرضها العثمانيون على ولاياتهم وإيالاتهم شرقا وغربا. ولتمييز المغرب على الايالات العثمانية بخصوصية تراثه واستقلاله بسيادته، كان يرِد في الوثائق السعدية بتسميات مختلفة من قبيل: "المملكة الحسنية". أو"الإيالة الهاشمية". أو"الإيالة العلوية". أو"الإيالة الشريفة".
وعلى العموم فقد ظلت دول شمال إفريقيا - عدا المغرب - مرتبطة بالثقافة العثمانية إلى حين سقوطها تحت ربقة الاحتلال الفرنسي. (سقوط الجزائر سنة: 1246هـ/1830م)، و(سقوط تونس سنة: 1298هـ/1881م).
إذن فمسألة التراث وعلاقة التأثير والتأثر لا يمكن - بأي حال من الأحوال - حَجْرها وحَصْرها بالحدود السياسية المقيتة التي تعد من مخلفات الاحتلال الغاشم، فالتراث يتنقل ويتبلور ثم يتطور، لتتولد عنه أشكال أخرى تنمّ عن معينه الثرّ الذي لا ينضب، كما أن الحضارة والعادات والتقاليد تخضع لمنطق "التوطين المجالي" (الإنساني) المتحرّك، لا لمنطق "الترسيم الحدودي" (السياسي) الجامد، فمثلا سكان غرب الجزائر هم أقرب لسكان شرق المغرب من قرب هؤلاء وأولائك من سكان شرق الجزائر وسكان غرب المغرب، من حيث العادات والتقاليد والعوائد بحكم التداخل و التجاور و الروابط الدموية.

حقوق النشر محفوظة

حقوق النشر محفوظة

لا يمكن قراءة الكتاب أو تحميله حفاظاً على حقوق نشر المؤلف و دار النشر
غير متوفر رقمياً أو ورقياً من خلال مكتبة نور، متروك للتقييم والمراجعة

مراجعات ( 0 )
اقتباسات ( 0 )
  أبحث عن كتاب آخر

مراجعة كتاب "د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني."

اقتباسات كتاب "د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني."

كتب أخرى مثل "د. محمد عبد الحفيظ خبطة الحسني، القفطان المغربي المخزني."

كتب أخرى لـ "محمد عبد الحفيظ"

إخفاء الملكية الفكرية محفوظة لمؤلف الكتاب المذكور
فى حالة وجود مشكلة بالكتاب الرجاء الإبلاغ من خلال أحد الروابط التالية:
بلّغ عن الكتاب أو من خلال التواصل معنا

الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا