التحميل مجاناً لكن نقدم بعض الخدمات المدفوعة ادعمنا بالإشتراك فيها
حذف الإعلانات وتسريع تصفح المكتبة.
يبدأ التحميل بضغطة زر دون انتظار تجهيز الكتاب.
لا حدود لمرات التحميل.
يمكنك رفع كتب بلا حدود بالمكتبة.
تمكين القراء من تحميل كتبك دون إنتظار.
حذف الاعلانات على الكتب التي تنشرها.
لا مشاكل في روابط التحميل لكتبك المرفوعة.
مصدر الكتاب
تم جلب هذا الكتاب من موقع archive.org على انه برخصة المشاع الإبداعي أو أن المؤلف أو دار النشر موافقين على نشر الكتاب في حالة الإعتراض على نشر الكتاب الرجاء التواصل معنا
| مؤلف: | كاتب غير محدد |
| قسم: | أمراض الأوعية الدموية وأمراض الدم والجهاز الدوري [تعديل] |
| اللغة: | العربية |
| الصفحات: | 655 |
| حجم الملف: | 11.89 ميجا بايت |
| نوع الملف: | |
| ترتيب الشهرة: | 49,408 رقم 1 هو الأشهر ! |
| رابط مختصر: | نسخ |
| المزيد من الكتب مثل هذا الكتاب | |
حقول الدم -الدين وتاريخ العنف
تحليل ونقد تصور كارين ارمسترونج عن الإسلام والارهاب
سيتم تحليل ونقد لتصور كارين ارمسترونج عن الإسلام والإرهاب، وقبل الخوض في تحليل ونقد أفكار كارين ارمسترونج كان لابد من التمييز بين مفهومي الإرهاب والجهاد، لذلك يعرض المطلب الأول مفهوم الإرهاب وأسبابه، أما المطلب الثاني فيبحث في مفهوم الجهاد الإسلامي في القرءان والكريم والسنة النبوية، والمطلب الثالث يتناول تحليل لكتاب حقول الدم لكارين ارمسترونج، عرض الشبهات الواردة في الكتاب والرد على هذه الشبهات.
المطلب الأول: مفهوم الإرهاب وأسبابه
مفهوم الإرهاب:
وردت كلمة رهب وما اشتق منها من تصريف في أثني عشر موضعاً في القرآن الكريم بالترتيب التالي:
- } يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ {.
- } لتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نصارى ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ { .
- } قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ { .
- } وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ { .
- } وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ {
- } اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ { .
- } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ { .
- } وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ ۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ { .
- } فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ { .
- } اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ۖ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32) قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ { .
- } ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ {
- } لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ { .
ونلاحظ أنً أكثرها يتعلق بالخوف والرهبة من الله سبحانه وتعالى إلا أن آية الأنفال المتعلقة بإعداد القـوة لإرهاب العدو قد توحي بمفاهيم قد يخالها البعض ذات صلة بالإرهاب المعاصر إلا أن الأمر عند التأمل يدل على خلاف ذلك لأن الارهاب في آية الأنفال من قبيل الردع لمنع القتال وهو مـا عـرف في العصر الحديث باستراتيجية التهيؤ بالقوة لحماية السلام بالإضافة إلى أنه خطاب موجـه إلى الدولـة المسلمة وليس لأفراد ولا لجماعات.
ويعرف الإرهاب لغةً كمصدر للفعل أرهب يرهب ومعناه: أخاف يخيف إخافة وأفزع يفزع إفزاع، ومنها قوله تعالى في سورة الأنفال } تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ{ ، أما التعريف الاصطلاحي للإرهاب فقد اختلف باختلاف الباحثين ومجالات دراساتهم، وقد عرفه طاهر محمود بأنه" العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات أو دول، بغياً على الإنسان، دينه ودمه وعقله وماله وعرضه، ويشمل صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق، وما يتصل بصور الحرابة وإخافة السبيل وقطع الطريق، وكل فعل من أفعال العنف أو التهديد، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو أحوالهم للخطر، ومن صنوفه إلحاق الضرر بالبيئة أو المرافق والأملاك العامة أو الخاصة، أو تعريض أحد الموارد الوطنية، أو الطبيعية للخطر" أما عبد الله بن بيه فقد عرفه بأنه " الأعمال العنيفة التي ترمي إلى التدمير والإفساد وترويع الآمنين بقتل الأبرياء وتدمير المنشآت وترويج المخدرات وكذلك الأعمال العنيفة التي تقوم بها العصابات ضد السلطة الشرعية لخلق جو عام مـن العصيان يشل النشاط العام ويخوف المدنيين أو لقلب النظام الشرعي القائم"، لذلك يمكن التعرف على مفهوم الإرهاب عبى أنه أي عمل تخريبي يهدف الى ترويع الأفراد، وتهديد السلم العام واثارة الفتن بين أفراد المجتمع وتخويفهم، وقد ظهر مفهوم الإرهاب بالعصر الحديث كما يشير عبد الله بن بيه في ملحق الأكاديمية الفرنسية عام 1798 لوصف حكومة الثورة الفرنسية التي كانت ترهـب الـشعب وبخاصة الملكيين باسم الحرية والثورة فكان الارهاب وصفاً لنظام حكم إلا أنه ومنذ بداية القرن الثامن عشر أصبح المصطلح يتعلق بعنف صادر عن أفراد أو جماعات خارج القانون، وأول عملية وصفت بالإرهابية في العصور الحديثة كانت محاولـة اغتيـال نـابليون بونـابرت عام 1800.
أسباب الإرهاب:
1- العوامل الفكرية:
ترى أسماء الحسين أن الإرهاب سببه مجموعة من العوامل الفكرية كمعاناة العالم الإسلامي اليوم من الانقسامات الفكرية الحادة، بين تيارات مختلفة، وسبب هذه المعاناة وما ترتب عنها من مشكلات وانقسامات هو الجهل بالدين والبعد عن التمسك بتوجيهات الإسلام، وظهور تيارات معاصرة كالعلمانية التي تدعو إلى بناء الحياة على أساس دنيوي وغير مرتبط بالأصول الشرعية ولا بالتقاليد والعادات والموروثات الاجتماعية الأصيلة، والتي هي من وجهة نظر أصحاب هذا الاتجاه، عوائق في طريق التقدم والانطلاق نحو الحضارة، إضافة الى ظهور التيار الديني المتطرف الذي يعارض المدنية الحديثة وكل ما يتصل بالتقدم الحضاري، فهي من وجهة نظرهم ليست إلا فسادا في الأخلاق، وتفككا في الأسر وجمودا في العلاقات الاجتماعية، فهم يرون أن الحضارة تجعل الفرد يعيش لنفسه ملبيا لرغباته متنكرا للآداب والفضيلة، ولذا فكل جانب يرفض فكر الآخر ويقاومه، وينظر إليه نظرة ريب وشك دون تمحيص وتقويم، ليصل إلى الحق والمبادئ الأساسية فيها، ليقارنها بما عنده من أصول ومبادئ يمكن أن تكون عاملا مشتركا يجمع بينها ويكون فيه الخير لكلا التيارين.
أما السبب الثاني للإرهاب فيرى عبد الرحمن اللويحق أنه بسبب تشويه صورة الإسلام والمسلمين، فالإسلام هو دين العدالة والكرامة والسماحة والحكمة والوسطية، وهو دين رعاية المصالح ودرء للمفاسد، الا أن أفعال الناس المنتسبين إلى الدين، تنسب عادة إلى الدين ذاته، فإذا غلا امرؤ في دينه فشدد على نفسه وعلى الناس، وجار في الحكم على الخلق، نسب الناس ذلك إلى دينه فصار فعله ذريعة للقدح في الدين.
وتضيف أسماء الحسين لأسباب الإرهاب الفكرية ضآلة الاهتمام بالتفكير الناقد والحوار البناء من قبل المربين والمؤسسات التربوية والإعلامية، فالاهتمام بالعقول وإثراءها بالمفيد واستثارتها للتفكير والتحقق يتطلب التناول العلمي في النظر إلى الأمور وإعطاء أهمية للحوار الفكري مع الآخر، ومن عيوب التربية والتعليم في المدارس أسلوب التلقين وحشو مواد الدراسة فيها يماثل ما عليه الحال في وسائل الإعلام بما يجمد الفكر ويسطحه في عديد من الدول العربية الإسلامية على وجه الخصوص أو بأفكار وبرامج تدعم الإرهاب والعنف بطرق مباشرة أو وقتية غير مباشرة، إضافة الى سوء الفهم والتفسير الخاطئ لأمور الشرع، وهذا الأمر الذي يتعرض له بعض الناس يدعمه وجود من يدعون العلم والفقه في الدين وينصبون أنفسهم أئمة ويتساهلون في أمور الحلال والحرام ويأخذون من الأمور ظاهرها أو وفق أهوائهم الشخصية، دون الرجوع إلى العلماء الأكفاء وأهل العلم الشرعي الصحيح.
2- العوامل الاقتصادية:
حدد خالد الظاهري الأسباب الاقتصادية للإرهاب في عدم القدرة على إقامة تعاون دولي جدي من قبل الأمم المتحدة، وحسم المشكلات الاقتصادية والاجتماعية للدول من خلال النمو، والتقليل من الهوة السحيقة بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وتحقيق مستوى حياة أفضل للغالبية العظمى من الشعوب بكرامة وشرف، إضافة الى عدم قدرة المنظمة على إيجاد تنظيم عادل ودائم لعدد من المشكلات الدولية كاغتصاب الأراضي والنهب والاضطهاد وهي حالة كثير من الشعوب.
3- العوامل السياسية:
تتمثل العوامل السياسية في ظهور الإرهاب بالتناقض الفاضح بين ما تحض عليه مواثيق النظام السياسي الدولي من مبادئ وما تدعو إليه من قيم إنسانية ومثاليات سياسية رفيعة، وبين ما تنم عنه سلوكياته الفعلية والتي ترقى به إلى مستوى التنكر العام لكل تلك القيم والمثاليات، وهذا التناقض مدعاة لظهور بعض الممارسات الإرهابية الدولية كصرخة احتجاج مدوية على ما يحمله هذا التناقض الصارخ بين القول والفعل من معان، إضافة الى افتقار النظام السياسي الدولي إلى الحزم في الرد على المخالفات والانتهاكات التي تتعرض لها مواثيقه بعقوبات دولية شاملة ورادعة ضد هذا المظهر الأخير من مظاهر العبث، فالتسيب الدولي هو الذي يفتح المجال واسعا أمام أخطبوط الإرهاب الدولي الذي يجمع في صفوفه بين القتلة والمحترفين والمرتزقة المأجورين وغيرهم من المغرر بهم دينيا أو سياسيا أو عقائديا، وتشجيعه على التمادي في احتقار القانون الدولي، والاعتداء على سيادة الدول والإساءة إلى حقوقها ومصالحها المشروعة بوسائل تدينها الأخلاقيات والأعراف الدولية .
4- العوامل الاجتماعية
تعتبر العوامل الاجتماعية واحدة من أهم الأسباب لظهور الإرهاب كعدم الحكم بما أنزل الله في كثير من البلاد الإسلامية، فقد أشار عبد الرحمن اللويحق أنه عند تتبع مظاهر الغلو العقدية أو العملية في كثير من البلاد العربية، نجد غالبها يرجع إلى مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، وهذا الانحراف العقدي أنتج انحرافا عقديا مقابلا، ويضيف لأسباب الإرهاب الاجتماعية الفساد العقدي حيث أنً أصل الدين الإسلامي واحد، وقد تركنا الرسول عليه الصلاة والسلام على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك، ولكن أقواما سلكوا سبل الأمم السابقة فتفرقوا في دينهم، وظهر ما يسمى بالخوارج وما يقابلها من بدعة الإرجاء، وبدعة الجبرية رد فعل لبدعة القدرية النفاة ...وهكذا.
بينت أسماء الحسين أيضا الى أن أسباب الإرهاب الاجتماعية تعود الى اختلال العلاقة بين الحاكم والمحكوم فأصل هذه العلاقة مبني في الدين الإسلامي على إقامة الحاكم للدين والحكم بشريعة سيد المرسلين وإصلاح أمر المسلمين والرفق بهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى الرعية السمع والطاعة وعليهما التناصح والشورى، إضافة لهذه الأسباب عدم تكوين روح التعلق بالمجتمع الإسلامي أو بالأمة الإسلامية فقد اهتم الإسلام بالتعلق بالمجتمع أو الجماعة اهتماما بالغا وبين علاقة الفرد به حتى شبه المجتمع بالجسم الواحد، وبناء على ذلك دعا إلى التعلق بالجماعة، كما أنً غياب دور العلماء وانشغالهم والتفكك الأسري والاجتماعي يعتبران من العوامل الاجتماعية لظهور الإرهاب.
5- العوامل النفسية:
أشار سيد منصور وزكريا الشربيني الى أنً الدوافع التدميرية النفسية المتأصلة، ضعف الأنا العليا كالنفس اللوامة أو العقل والضمير وسيطرة الذات الدنيا كالهوى أو النفس الأمارة بالسوء على الشخصية الإنسانية، تضخم الأنا العليا بسبب الشعور المتواصل بوخز الضمير، الإحباط في تحقيق بعض الأهداف أو الرغبات أو الوصول إلى المكانة المنشودة، هذيان العظمة، هذيان الاضطهاد، ظهور الشخصيات البليدة أو الفصامية كلها عوامل نفسية تؤذي الى ظهور الإرهاب.
6- العوامل التربوية:
لخص خالد الظاهري ومقداد يالجن العوامل التربوية لظهور الإرهاب في انها تكمن بنقص الثقافة الدينية في المناهج التعليمية من الابتدائي وحتى الجامعة في معظم البلاد الإسلامية وعدم الاهتمام الكافي بإبراز محاسن الدين الإسلامي والأخلاق الإسلامية التي يحث عليها الدين، إضافة الى عدم الخضوع للنظام في مرحلة الطفولة في مختلف المراحل التربوية.
يمكن التوصل من خلال الاستعراض السابق الى أن البيئة المحيطة بالفرد كعامل خارجي إضافة الى نشأة الفرد وخصائصه الشخصية كعامل داخل تؤدي الى اختلال فكري وسلوكي لديه يشجعه على تبني المفاهيم والسلوكيات المحرضة على الإرهاب بكافة أنواعه.
المطلب الثاني: مفهوم الجهاد الإسلامي في القرءان الكريم والسنة النبوية
مفهوم الجهاد الإسلامي:
الجهاد لغة: "مصدر جاهد جهاداً ومجاهدة، وأصل الكلمة الثلاثي هو (جهد)، والجَهد: المشقة والطاقة، وقيل الجٌهد: الوسع والطاقة، الجَهد: المشقة والمبالغة والغاية، والجهاد هو استفراغ الوسع في طلب العدو" .
أما الجهاد اصطلاحاً: فقد ذهب أغلب علماء المسلمين على أنه قتال المسلم الكافر بعد دعوته الى الإسلام أو الجزية وابائه ، فقد تم تعريفه لدى الحنفيين بأنه "بذل الوسع والطاقة بالقتال في سبيل الله بالنفس والمال واللسان أو غير ذلك والمبالغة فيه" ، وعند المالكيين هو " قتال المسلم للكافر غير ذي عهد لإعلاء كلمة الله سبحانه وتعالى" ، وعند الشافعيين يعرف الجهاد بأنه "بذل الجهد في قتال الكفار" ، أما الحنبليين فقد عرفوه بأنه "قتال الكفار" .
الجهاد في القرءان الكريم والسنة النبوية:
لم يخرج الجهاد في الدين الإسلامي عن تحقيق هدفين فالأول يكون في الحرب الدفاعية عن النفس والعقيدة أو الدفاع عن العهود، والثاني يكون في الحرب الوقائية الرامية إلى إضعاف العنف الذي يشكل خطرا ً مباشراً على الإسلام .
الجهاد في القرءان الكريم:
لخص حسن الجواهري آيات القرءان الكريم التي تمثل الخطوط العريضة لمفهوم الجهاد في الإسلام كما يلي:
- قوله تعالى } وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ ۚ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ۚ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ ۖ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) { ، إن سياق الآيات يدل على أنها نازلة دفعة واحدة لبيان غرض تشريع القتال لأول مرة مع مشركي مكة، إذ في الآيات التعرض لإخراجهم من حيث أخرجوا المؤمنين، التعرض للفتنة، التعرض للقصاص، النهي عن المقاتلة عند المسجد الحرام حتى يقاتلوا عنده وهذه الأمور كلها مرتبطة بمشركي مكة، فالقتال لمن قاتل المسلمين قد شرعه الله تعالى في هذه الآيات والتي تصدت لا لبيان تشريعه فقط، بل لبيان حدوده ولوازمه.
- قوله تعالى} قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ{ ، فقد أمر القرءان الكريم بجهاد أهل الكتاب من خلال التصدي لهم إذا أرادوا استئصال الدين والمسلمين حتى يعطوا الجزية لإعلاء كلمة الحق على كلمتهم وإظهار الإسلام على الدين كله، فيكف ّ القتال عنهم، إذن لم يشرع الاسلام القتال مع أهل الكتاب لجبرهم على الإسلام.
- قوله تعالى } وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ{ فالخطاب هنا متوجه إِلى المجتمع فيكون التكليف على عاتقه بما هو مجتمع، وليس التكليف متوجها إِلى كل فرد، ولما كان تنفيذ تلك التكاليف يستدعي تشخيص الموضوع وإِحرازه، والأنظار في هذه الموارد تختلف كثيرا، وأكثر الناس لا يخلون من الأهواء وكثيرا ّما يستعقب تصدي كل فرد لها التنازع والخصام والهرج والمرج، فمن أجل ذلك منع الشارع من تصدي الأفراد لها بل جعلها وظيفة لممثل المجتمع، قطعا لمادة النزاع والفساد، فالشارع الحكيم وضع تلك التكاليف على عاتق المجتمع رعايةً لمصالحه.
- قوله تعالى} يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ { ، هذه التشريعات هي للقتال الذي هو عبارة عن محاولة الرجل قتل من يحاول قتله، فلم يبدأ الاسلام بقتال، بل كان دفاعا عن النفس وقصاصا بالمثل.
من خلال الآيات الكريمة السابقة نستنتج أنً الجهاد منسجم في الاسلام مع الحالة الانسانية، فالإنسان لا يقف مكتوف الأيدي إذا هوجم واعتدي عليه وكان موضع ظلم الآخرين، كما لا يفسح المجال لظهور الفتنة وإجبار المسلمين على الرجوع إلى حالة الشرك، فالحرية الدينية أمر أقرًه الاسلام، فمن يمنع الحرية الدينية يريد ايجاد فتنة في المجتمع فيوقف عند حده، لأجل احترام حرية الآخرين وإرادتهم بما لا يضر بالآخر.
الجهاد في السنة النبوية:
يشير حيدر التميمي الى أنً الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام وضح مفهوم الجهاد ومراتبه بحيث كانت كما يلي:
- جهاد النفس كما في قوله عليه الصلاة والسلام (المجاهد من جاهد نفسه) ، وقوله (يا عبد الله ابدأ بنفسك فاغزها، وابدأ بنفسك فجاهدها) .
- جهاد الشيطان كما في قوله صلى الله عليه وسلم (إنَّ الشَّيطانَ قعد لابنِ آدمَ بطرقِه، قعد له بطريقِ الإسلامِ، فقال: أتسلِمُ وتذرُ دينَك ودينَ آبائِك؟ قال: فعصاه وأسلم. قال: وقعد له بطريقِ الهجرةِ، فقال: أتهاجرُ وتدعُ أرضَك وسماءَك، وإنَّما مثلُ المهاجرِ كالفرسِ في الطِّوَلِ؟ فعصاه وهاجر، ثمَّ قعد له بطريقِ الجهادِ، وهو جهادُ النَّفسِ والمالِ، فقال: تقاتلُ فتُقتلُ، فتُنكحُ المرأةُ ويُقسَّمُ المالُ؟ قال: فعصاه، فجاهد. قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: فمن فعل ذلك منهم فمات، كان حقًّا على اللهِ أن يدخلَه الجنَّةَ، أو قُتِل كان حقًّا على اللهِ أن يُدخلَه الجنَّةَ، وإن غرِق كان حقًّا على اللهِ أن يُدخلَه الجنَّةَ، أو وقصتْه دابَّةٌ كان حقًّا على اللهِ أن يُدخلَه الجنَّةَ) .
- جهاد العدو الظاهر من كفار ومنافقين وأهل المنكر من الظالمين والفاسقين، ويكون الجهاد بالنفس والمال والقول والقلب، فقد قال صلى الله عليه وسلم (ان من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر) ، وقوله (... ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن) .
من خلال هذا الاستعراض نستنتج أنً الجهاد مصطلح شمولي بمعناه العام وينطوي على مضامين روحانية وتربوية هدفها العمل الجاد الهادف الى اصلاح النفس والمجتمع.
المطلب الثالث: تحليل كتاب حقول الدم لكارين ارمسترونج
ملخص الكتاب:
حقول الدم لكارين ارمسترونغ هي قصة تاريخية عن الدين والعنف - من بداية الحضارة السومرية إلى الجهاد العالمي الحديث - مع التركيز على الأسباب العقلانية للعنف البشري الذي لا ينتهي في التاريخ، تحرض المؤلفة على "الجهاد" ضد مبرر وجود العنف في التاريخ، أي المجتمع الزراعي، والمجتمع الصناعي ، و "كل دولة حديثة قوية"، إنها تلخص "الدين والعنف" على أنهما لا ينفصلان فعليًا، وتتصارع مع "أسطورة" راسخة في عصرنا: أن جميع النزاعات في العالم تقريبًا مدفوعة بالدين على وجه التحديد بالنسبة لها، "العنف" هو عدد لا بأس به من المرات أقل لاهوتية وأكثر سياسية واقتصادية، لكن وصفه بأنه ديني فقط هو "عفا عليه الزمن"، نستعرض في هذا المطلب اراء كارين ارمسترونج حول علاقة الدين بالإرهاب بشكل عام وعلاقة الإرهاب بالإسلام بوجه خاص من وجهة نظرها، ومدى تطابق وجهة النظر هذه مع الإسلام .
أولاَ: علاقة الدين بالإرهاب
يعتبر كتاب حقول الدم عبارة عن سرد تاريخي لعلاقة الدين بالإرهاب وقد أبحرت الباحثة بشكل كبير لتظهر هذه العلاقة من خلال ذكرها لأسطورة جلجامش وصولا لحكم باراك أوباما حيث يغطي الكتاب فترة طويلة من الزمن في ثلاثة أقسام (مقسمة إلى ثلاثة عشر فصلاً) مما يخلق انحرافات في قراءة آلاف السنين من التاريخ، لكن ارتباطه بموضوع "الارهاب والدين" يدفعنا إلى البحث والتمحيص، قد نختلف مع أطروحتها حول "أسطورة الارهاب الديني" أثناء مشاهدتها - الحروب الصليبية ومحاكم التفتيش الإسبانية وأحداث 11/9 والجهاد وهجمات فرنسا الأخيرة، لكن هذا هو المكان الذي تتعمق فيه الكاتبة بشكل عقلاني وتجد أسبابًا اجتماعية واقتصادية وسياسية ونفسية وراء هذه الأحداث والتي تبدو في ظاهرها مستوحاة من الدين.
- العنف متجذر بالطبيعة البشرية:
بدأت الباحثة بالترتيب الزمني للعنف في التاريخ فبدأت من السومريين، عبر الآشوريين، والمصريين، والإغريق، والزرادشتيين، والفيدية والكونفوشيوسية، ومسيحية الغرب، والديانات اليهودية والإسلام، حيث وضحت الكاتبة مفهوم "الارهاب البنيوي الذي ابتكرته الحضارات"، والذي تدعمه الطبقة الزراعية أو "الفلاحين المستغَلين"، حيث كانت الحضارات التي نشأت في الوجود تطالب بهذا العنف، والذي أصبحت لغته معقدة للغاية في فترة ما بعد الحداثة لفك شفرتها، لذلك فان حجتها الرئيسية هي أنً "العنف يكمن في عمق الطبيعة البشرية"، وتدعم وجهة نظرها من خلال توثيق تعقيدات تأويل العنف، حيث نراها في القسمين الأولين، تمدح مهافيرا، وبوذا، وكونفوشيوس، وزرادشت، وموسى عليه السلام، وعيسى عليه السلام، ومحمد صلى الله عليه وسلم والذين وفقًا لها صارعوا العنف في أوقاتهم. حيث ترى أنً أتباعهم يسعون الى استغلال الطبقات الضعيفة في المجتمع من مزارعين وفلاحين لإنشاء ما يسمى بالإمبراطوريات الزراعية ذات الارستقراطية المميزة قبل انشاء الحضارة، ومع ذلك، فهي ترى هؤلاء القادة يحاربون من أجل انشاء هذه الامبراطوريات فعلى سبيل المثال ووفقا لكارين فقد لخص كونفوشيوس تعاليمه في عبارة واحدة هي: "اكبح نفسك" ولكنه كان واقعيا بشكل كافي لتخيل أن البشر لا يستطيعون التخلي عن الحرب، كما اكتشف الإسرائيليون، مرارًا وتكرارًا، أنهم لا يستطيعون العيش بدون دولة قوية.
ويشير واني أنً المؤلفة وجدت العنف في التاريخ كعنصر لا غنى عنه لتطور الحضارات، وله أسباب متعددة الأبعاد، ذكرت في القسم الأخير أنه نظرًا لأن الناس لم يتمكنوا من فك رموز وتعقيدات العنف فقد بدأوا بفصل الدين عن العناصر الأخرى للتطور الحضاري ووجدوا الدين فقط كسبب للعنف وبالتالي فقد عممت الحروب الصليبية والجهاد، ونستنتج من هذا الطرح بأن المشكلة لا تكمن في الدين، بل في العنف المتأصل في طبيعتنا البشرية وطبيعة الدولة، والتي تطلبت منذ البداية العدوان القسري بين البشر.
- العنف والعلمانية:
ترى المؤلفة أنً عدم التمييز في الدين قد أدى إلى "وصول العلمانية" و "خصخصة الدين"، وقد أقامت معاهدة ويستفاليا (1648) "جدار الفصل" بين الدين والدولة على أساس هذه الأسطورة القائلة بأن الحروب من قبل كانت دينية، على الرغم من أنها لم تستطع تجنب العنف في أوروبا، فم يكن باستطاعة الاستقلال الأمريكي والثورة الفرنسية كبح جماح العنف، كما استغلت أوروبا الهند والشرق الأوسط في صناعاتهما، كما أساء نابليون استخدام "علم وعلم التنوير لإخضاع الناس لبناء إمبراطورية"، وتشن الكاتبة حرباً ضد العلمانية والتي تعتبر بالنسبة لها متجذرةً بعمق في الاستغلال مثل "تجارة الرقيق"، وغزو فيتنام، والحرب العالمية، والحرب البارد، ولذلك فقد كان الدين يقاوم كرد فعل على فشل العلمانية التي تم تشكيلها.
ثانياً: علاقة الإسلام بالإرهاب:
حاولت الكاتبة بحسب رأي واني أن تكون موضوعية قدر الإمكان وتقف على مسافة واحدة من كافة الأديان، لكنها ربطت مشكلة المسلمين الأولى بالخلافة الأموية وأنها كانت السبب في ظهور مفهوم العنف بالإسلام سعيا لتحقيق الخلافة الإسلامية، حيث وضحت في الفصل السابع "المعضلة الإسلامية" تاريخ الجزيرة العربية وارتباطها بالتجارة كمصدر للرزق، فقد ربطت حروب الجاهلية بأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى، الى أن بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم ليبث الأخلاق الفاضلة ويسعى لإقامة المجتمع العادل.
أخطأت الكاتبة في وصف المهاجرين من مكة الى المدينة باعتبارهم عبئاً على أهل المدينة المنورة والتي كانت ذات موارد شحيحة ولذلك فقد اختار المهاجرون الغزو (سبب اقتصادي) لتعويض قلة الموارد في المدينة المنورة، كما توجد شبهة بيٍنة لدى الكاتبة بوصفها النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته الكرام بأنهم قد انتهكوا الأشهر الحرم قبل معركة بدر وقاتلوا فيها، كما أشارت الكاتبة الى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد بدأ الفتوحات الإسلامية بناء على أسس اقتصادية بحتة، ثم استمرت الكاتبة بسرد تاريخي للأحداث التي جرت حول العالم، مع اتخاذها موقف المحايد من كافة الديانات، والنظر بشكل موضوعي لها.
ثالثاً: نظرة كارين ارمسترونج للإسلام
يرى عقيل محفوض أنً ارمسترونج تجد في تاريخ الإسلام "صراعا مأساوياً بين العنف البنيويّ للسلطة أو الدولة وبين قيم المسلمين، حيث يُرجع ذلك الى اختلاف القيم والمدارك وافتراقها واختلاف أفهام الناس واختلاف أولويّاتها، كان عاملاً نشطًا وربّما مرجّحًا في تجاذبات القوى ورهاناتها في تاريخ المنطقة، مثلما هو الحال في حاضرها"، ومن خلال ذلك نستقي رؤية ارمسترونج للإسلام بأنها لا تتعارض مع فكرة الدين الإسلامي بحد ذاته بل هي تجد بأنً بعض المسلمين قد انتهجوا نهجا لا ستوافق مع القيم الإسلامية مما أدى الى نشوء أفكار متطرفة تؤدي الى السلوكيات غير المرغوبة.
قام هشام العبيلي بمراجعة كتاب حقول الدم لارمسترونج وتوصل الى نتيجة مفادها أنً ارمسترونج قد كشفت عن بعض الجوانب في التاريخ الإسلامي والتي يغفل عنها بعض المسلمين والتي بررتها الكاتبة في قولها " ان الحروب التي وقعت في دولة الإسلام الأولى بمبررات عدة منها: أنها حروب اقتصادية كما في اعتراض عير قريش القادمة من الشام بقيادة أبي سفيان، وسياسية كقتل النبي صلى الله عليه وسلم رجال بني قريظة"، وإن كانت هذه الأسباب لا تتعارض أن تكون دينية أيضاً داخلة ضمن دائرة السياسة الشرعية، لكن حتى يصح للمؤلف توجهها لجأت إلى هذه المبررات.
تناولت دراسة أروى اليزيدي موقف كارين أرمسترونج من الإسلام بدراسة وافية وقد لخصت رؤيتها في أنً الكاتبة تجد بأن الإسلام قد حقق نجاحاً كبيرا في القرن السابع بينما كانت أوروبا متخلفة حيث شكل هذا النجاح تحدياً كبيراً لها نتج عنه عداءً واضحاً للإسلام، إضافة الى فشل الحروب الصليبية في وقت لاحق وانتشار الفتوحات الإسلامية وخصوصاً في عهد العثمانيين، كما ترى أن الإرهابيين لا يشكلون الصورة النموذجية للإسلام، فالإعلام الغربي والدراسات الاستشراقية كان لهما دور كبير في تشويه صورة الإسلام من خلال ربط كل الأحداث التي تجري بالعالم الإسلامي بالإسلام، كما أن الغيرة والحسد لعبت دوراً كبيراً في تعقيد العلاقة بين المسلمين والغرب فهم يرون ان الإسلام قادر على بناء مجتمع مثالي في حين يمكن أن تكون أوروبا والغرب في الظلام اذا تم تطبيق التعاليم الدينية في هذه المجتمعات.
ووجدت نانسي عويس أن ارمسترونج تعتقد بأنً الانسان هو الذي خلق الاله بخياله الإبداعي وأنه لا يوجد حقيقة خارجية واقعية للإله، فالتجربة الدينية للبشر هي تجربة داخلية في نفس الانسان لا تحتاج مصادر خارجية لتأكيدها، وأن الاله هو عبارة عن قوة غامضة يشعر حياله المرء بالخشوع والرهبنة عند أي موقف يتعرض له للقاء المقدس، كما حاولت الكاتبة اثبات بأن التوحيد في الإسلام مر بمراحل تطور مشابهة لليهودية بالانتقال من الوثنية الى التوحد الوثني ثم انكار كل الالهة عدا يهوه، لكنها لم تقدم دليلا واحدا على ذلك، كما ترى الكاتبة "ارمسترونج" بأن المستقبل الان لإله الصوفية بعد انتهاء عصر التوحيد واله الفلاسفة او الكائن الاسمى والبديل عنه هو التجربة الروحية، فكل الأديان يجب أن تتطور وتتغير كما حدث في البوذية، والتعايش بين الأديان هو الحل من خلال التراحم بين أصحاب الديانات المختلفة.
كما لفت كتاب ارمسترونغ (حقول الدم) أنظار بعض الباحثين الغرب حول حقيقة العنف في الأديان ومنها الدين الإسلامي، حيث يحلل بروان ذلك بقوله ان الكاتبة وجدت أن "السياسة القديمة كانت لا تنفصل عن الدين "وذلك عندما" تتبنى النخبة الحاكمة تقليدًا أخلاقيًا ، كالبوذية والمسيحية أو الإسلام ، عادة ما تبنى رجال الدين الأرستقراطيين أيديولوجيتهم بحيث يمكن أن تدعم هيكلية العنف في الدولة، أي انً اتفاق السياسيين ورجال الدين وارتباطهم مع بعضهم البعض يؤدي الى إعطاء الصبغة الدينية للعنف في هذه الدولة، كما يرى داوسون أن ما قامت به ارمسترونج في كتابها يدفع السياسيين الغربيين الى إعادة النظر في مفاهيمهم حول الإسلام فهو كغيره من الأديان ينبذ التعصب وقتل النفس دون وجه حق، وأنً وسائل الاعلام قد شوهت هذه الصورة من خلال ربط الإسلام بالإرهاب، فبدلا من تعميم صورة مشوهة عن المسلمين والإسلام، يلزمنا بذل جهد أكبر وخصوصا في علم الاجتماع للبحث عن دوافع الإرهاب لمعتنقي كافة الديانات.
من خلال هذا السرد يمكن التوصل الى أن ارمسترونج كاتبة ذات معرفة واسعة في علوم الأديان، ونظرتها للإسلام نظرة موضوعية محايدة، لكنها تنكر وجود (الله) سبحانه وتعالى كما توصلت نانسي عويس ، فالإسلام من وجهة نظرها دين كغيره من الأديان مبني على الروحانيات فالتشريعات الموجودة فيه لا تختلف بشكل كبير عن التشريعات في أي ديانة أخرى، كما نستنتج أن الكاتبة رغم حرصها على الموضوعية لا تزال لديها نزعة قوية نحو النصرانية وما تحويه من تشريعات خاصة، فنجدها تقارن الإسلام باليهودية والبوذية ولا تتطرق الى مقارنته بالديانة النصرانية، وذلك لتفوق الدين الإسلامي في كل نقاط المقارنة.
أسلوب الكاتبة:
يتصف أسلوب الكاتبة بمجموعة من المزايا الإيجابية فقد كانت:
- موضوعية: حيث وقفت على مسافة واحدة من كافة الديانات والأشخاص.
- التوثيق: اعتمدت الكاتبة على أسلوب توثيقي لكافة المعلومات المنقولة من المراجع والمصادر، حيث استشهدت بآيات قرآنية مفسرة، وبعض النصوص التوراتية والانجيلية، وبعض الدراسات الدينية الفلسفية.
- اتساع المعرفة: من خلال سرد الكاتبة للأحداث التاريخية المنوعة، فقد أظهرت قدرة كبيرة على المعرفة ببعض التفاصيل وتبرير الأحداث بحسب الحقبة الزمنية.
وهذا يتفق مع رأي أروى اليزيدي حيث وجدت أن ارمسترونج تتمتع بأسلوب كتابي يتصف بالعدل والانصاف، والكتابة بأسلوب علمي، وتمتعها بثقافة واسعة في مقارنة الأديان، والمصداقية والتحليل الجيد، إضافة الى عقد المقارنات المنصفة، والرد على الشبهات المثارة حول الإسلام وتعدد الزوجات وحقوق المرأة.
كما يتصف أسلوب الكاتبة ببعض السلبيات وهي:
- التفسير الخاطئ لبعض النصوص.
- استخدام مصطلحات لا تتناسب مع الإطار الإسلامي كوصفها للفتوحات الإسلامية بالحروب ذات الدافع الاقتصادي، ووصفها لبعض الصحابة رضي الله عنهم بصفات غير ملائمة لمكانتهم في الإسلام كمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه.
الشبهات التي أوردتها الكاتبة والرد عليها:
- انتهاك المسلمين للأشهر الحرم:
يدعي البعض أنً هناك تناقضا في القرءان الكريم في حكم القتال بالأشهر الحرم ومنهم ارمسترونج ، وكان الرد على هذه الشبهة بموسوعة بيان الإسلام للشبهة الحادية عشر أن القتال في الأشهر الحرم لدفع العدوان أو لرد ظلم هو مباح ومشروع في الإسلام والأصل فيه التحريم، كما أنً القتال في الإسلام ضرورة يضطر اليها المسلمون للدفاع ورد الظلم، وتحريمه لا يتفق مع الطبيعة العدوانية لأعداء الإسلام الذين يتربصون به.
- الحروب الاقتصادية كدافع للفتوحات الإسلامية
هناك إجماع تام من المستشرقين الذين رفضوا الجهاد كدافع أوحد للفتوح وبمقاييس مادية رأوا أن الهدف الرئيسي يعود إلى الحصول على الغنائم واستبدال العرب أراضيهم الصحراوية بأراضي خصبة وغنية ومنهم ارمسترونج وقد تشبثوا بالروايات المشبوهة والواهية فتكفيهم إشارة هامشية ليلتقطوها ويبنوا عليها الأحكام المغلوطة، ويتصيدوا من النصوص ما يؤيد آرائهم ويتجاهلوا بقية النص، ويكمن دحض تلك الشبهة كما وضحت نورة الحارثي ، بعدم وجود أزمة اقتصادية غداة الفتوح الإسلامية بل كانت تعيش في ظروف اقتصادية جيدة نتيجة لازدهار النشاط الاقتصادي بكافة أنواعه بالإضافة إلى توافد الوفود وتكوين علاقات تجارية مع المدينة فمنذ وصول المصطفى صلى الله عليه وسلم أصبح هناك انفتاح اقتصادي، وأصبح لدولة الإسلام الناشئة ثقل اقتصادي في المحيط الدولي آنذاك، وكانت هناك أوقاف بشقيها الذري والخيري، كما أنً المنهجية العلمية المغلوطة فالمؤرخ الحق هو الذي يعتمد على النصوص الثابتة ويبني عليها استنتاجاته، وليس الاعتماد على العبارات المبتورة أو الأخذ بالجانب المنفي كما حدث أن استشهدوا بنص من خطبة لخالد بن الوليد رضي الله عنه وتركوا الجانب المثبت أو النظر إلى البيئة الجاهلية وبالتالي عمموها كحقائق علمية لا تقبل النقاش، أما من الناحية الدينية فالإسلام كعقيدة وسلوك لا يتعامل مع الواقع من برج عاجي وإنما يخاطب كينونة النفس البشرية ويعالج متطلباتها ويربطها بالوشائج الروحية فيعمل المسلم على الأرض وروحه معلقة بما عند الله، لذلك كان المسلمون يتعاونون في الجهاد وما هي إلا إحدى الحسنين إما الشهادة وإما الفوز بالغنائم التي أحلها الإسلام وهي مطلب بشري كنتيجة للنصر.
المراجع:
ارمسترونج، كارين، (2016)، حقول الدم: الدين وتاريخ العنف، ترجمة أسامة غاوجي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، لبنان.
الترمذي، أبو عيسى (892)، الجامع الصحيح لسنن الترمذي، تحقيق أحمد شاكر، دار احياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
التميمي، حيدر قاسم، (2017)، الجهاد الإسلامي في الدراسات الاستشراقية، مجلة دراسات استشراقية، (10).
الجواهري، حسن (2006)، بحوث في الفقه المعاصر، مجمع الذخائر الإسلامية، قم، إيران.
الدردير، أبو البركات أحمد (1726)، الشرح الصغير على أقرب المسالك الى مذهب الامام مالك، تحقيق مصطفى كمال، دار المعارف، القاهرة، مصر.
الرحيباني، مصطفى السيوطي (1994)، مطالب اولي النهى في شرح غاية المنتهى، المكتب الإسلامي، دمشق، سوريا.
الرماحي، بتول محمد، (2020)، الإسلام وشبهة الإرهاب في آيات الجهاد والحدود، مجلة العميد، 9 (35).
الطيالسي، سليمان بن داوود (820)، مسند أبو داوود، تحقيق محمد عبد المحسن، هجر للطباعة والنشر، القاهرة، مصر.
الظاهري، خالد بن صالح بن ناهض (2002)، دور التربية الإسلامية في الإرهاب، (رسالة دكتوراه منشورة)، دار عالم الكتب، الرياض، المملكة العربية السعودية.
العسقلاني، ابن حجر أحمد بن علي، (1448)، فتح الباري بشرح صحيح الامام البخاري، تحقيق عبد القادر شيبة، مكتبة الرياض، الرياض، المملكة العربية السعودية.
عويس، نانسي (2011)، منهج التطور العقدي في دراسة الأديان المقارنة (كارين ارمسترونج نموذجا)، دار الهداية للطبع والنشر، الكويت.
الكاساني، علاء الدين أبو بكر، (1191)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، تحقيق علي محمد عوض وعادل أحمد، دار الكتب: بيروت، لبنان.
اللويحق، عبد الرحمن بن معلا، (1998)، مشكلة الغلو في الدين في العصر الحاضر، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
ابن المطرز، ناصر الدين، (1213)، المغرب في ترتيب العرب، تحقيق محمود فاخوري، مكتبة أسامة: حلب سوريا.
النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد، (915)، السنن الكبرى، تحقيق عبد الله عبد المحسن، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان.
بن بيه، عبد الله، (2007)، الإرهاب التشخيص والحلول، سلسلة محاضرات منتدى الفكر الإسلامي، مجمع الفقه الإسلامي، جدة، المملكة العربية السعودية.
محفوض، عقيل (2017)، في ثقافة الكراهية: الظاهرة الدّينيّة، الحرب، التوحّش، من أعمال مؤتمر نحو ثقافة الحوار بين الأديان، بيروت، 12-13 سبتمبر.
محمود، طاهر، (2014)، الإرهاب أسبابه وعلاجه، مجلة الدراسات الاسلامية ٔ بجامعة اردو الفيدرالية للفنون والعلوم والتكنولوجيا، اسلام آباد، باكستان.
مسلم، مسلم بن حجاج، (875)، الجامع الصحيح، تحقيق فؤاد عبد الباقي، دار احياء التراث العربي، بيروت، لبنان.
منصور، سيد أحمد والشربيني، زكريا أحمد (2003)، سلوك الإنسان بين الجريمة والعدوان الإرهاب، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر.
يالجن، مقداد، (1987)، التربية الإسلامية ودورها في مكافحة الجريمة. مطابع الفرزدق التجارية، الرياض، المملكة العربية السعودية.
اليزيدي، أروى (2018)، المستشرقة كارين ارمسترونج وموثقها من الإسلام، مجلة القراءة والمعرفة، (199).
المراجع الأجنبية:
Dawson, Lorne, (2018), Challenging the Curious Erasure of Religion from the Study of Religious Terrorism, Numen, 65
Brown, Sundar J.M, (2015), REVIEWING KAREN ARMSTRONG’S FIELDS OF BLOOD: RELIGION AND THE HISTORY OF VIOLENCE, Religious Studies, Academia.edu.
الكتب الإلكترونية هي مكملة وداعمة للكتب الورقية ولا تلغيه أبداً بضغطة زر يصل الكتاب الإلكتروني لأي شخص بأي مكان بالعالم.
قد يضعف نظرك بسبب توهج الشاشة، أدعم ناشر الكتاب بشراءك لكتابه الورقي الأصلي إذا تمكنت من الوصول له والحصول عليه فلا تتردد بشراءه.
أنشر كتابك الآن مجانا
نحن بحاجة لملفات تعريف الارتباط لكي يعمل هذا الموقع. يرجى تمكينها للمتابعة.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
بإستخدامك هذا الموقع أنت توافق لنا على جمع ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لتقديم تجربة مستخدم أفضل،
المزيد من التفاصيل.
لا يمكن تصفح الموقع طالما رفضت استخدام الكوكيز لأن الموقع يعتمد عليه بشكل أساسي للعمل
الملكية الفكرية محفوظة للمؤلفين المذكورين على الكتب والمكتبة غير مسئولة عن افكار المؤلفين
يتم نشر الكتب القديمة والمنسية التي أصبحت في الماضي للحفاظ على التراث العربي والإسلامي
، والكتب التي يتم قبول نشرها من قبل مؤلفيها.
وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه "لكل شخص حق المشاركة الحرة في حياة المجتمع الثقافية، وفي الاستمتاع بالفنون، والإسهام في التقدم العلمي وفي الفوائد التي تنجم عنه. لكل شخص حق في حماية المصالح المعنوية والمادية المترتِّبة على أيِّ إنتاج علمي أو أدبي أو فنِّي من صنعه".