اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
هو فخر أولاد نايل والجزائر المحروسة، أبو زكرياء يحيى بن الفقيه أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن عيسى بن شبل بن ابى البركات النائلي نسبة إلي قبيلة أولاد نائل بالقطر الجزائري الملياني الشاوي تسمية لا نسبا الجزائري المالكي، ولد سنة 1030 هـ بمدينة مليانة.
نشأ مترجمنا في أسرة اشتهرت بتحمل العلم والعمل به فكان لهذه البيئة أثرها به، فبكر بطلب العلم والأخذ عن الشيوخ، فقرأ صغيراً على والده وعلماء محلته، فحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثمان سنين، وتعلم مبادئ العربية وعلومها وأخذ الحديث والفقه والأصول وغيرها عن شيوخ بلدته، ثم تابع تحصيله العلمي فقرأ في مختلف العلوم ومنها التفسير والحديث رواية دراية على مشايخ كثيرين، منهم علماء الجزائر المحروسة التي انتقل إليها بعد أن اشتد عوده، ونذكر بعضهم:
كل هؤلاء الشيوخ اجازوه بما لديهم من مرويات وأسانيد، ولما احس بنفسه القدرة والتمكن عقد مجالس للتدريس والتحديث " فتصدر للإفادة ببلده وكانت حافظته مما يقضى منها بالعجب)).
وغيرهم من علماء الجزائر الذين تلقى عنهم، وأجازوه، وشهدوا له بالبراعة في التفسير والحديث رواية ودراية، شرحا وإسنادا، والأصول والعربية والمعاني والبيان والفقه، ولما ظهر لهم من قدراته العلمية وتمكنه من العلوم الشرعية، قدموه للتدريس فعقد مجالس التحديث والإقراء، فكان يدرس ويشرح الكتب الستة، كما اشتهر برواية الموطأ وشرحه، وانتفع به الطلبة وتفقه به جماعة من الطلبة والأعيان و: " وكان يبتدئ مجلس الدرس بالفاتحة وآية الكرسي والإخلاص والمعوذتين والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء، ثم يبدأ في سرد الأحاديث من حفظه بإسنادها... وقد اتسعت حلقة درسه مثل شيوخه، واشتهر ذكره وانتظم في عداد العلماء "، لكن حبه للإسناد العالي وشغفه بطلب العلم جعلاه يغادر ارض الجزائر، فقد كثرت أسفاره ورحلاته فزار مصر، والحجاز، ودمشق، وبغداد، والروم (تركيا) وغيرها من البلدان.
سافر الشيخ النايلي إلى الحجاز لأداء فريضة الحج سنة 1073 هـ، وقد استغل هذه الرحلة فأخذ عن علماء وشيوخ الحجاز واجازوه بعد أن حضر مجالس سماعهم، واخذ عنهم.
عاد من الأراضي المقدسة قاصدا مصر سنة 1074 هـ، بهدف الدراسة والاخذ عن علمائها وشيوخها، وقد طاب له المقام فاستقر بها معلما ومدرسا، وممن درس عليه وأجازه من العلماء في مصر:
1- أبو الحسن علي الشبراملسي الضرير إمام مسجد المغاربة بالقاهرة، ذكر أبو سالم العياشي في رحلته 1/145 أنه تلقى عنه القراءات، وأثنى عليه قائلا : " علي بن علي الشبراملسي، نسبة لشبراملس: قرية من قرى مصر، إمام أهل عصره وبلده في العلوم الشرعية الأصلية والفرعية، والفنون العقلية والنقلية... وكان ـ رضي الله عنه ـ محققا في فن القراءات والشيخ الشبراملسي إمام معتبر في هذا الشأن نجده في سلاسل إسناد الأئمة المعتمدين في مصر كالشيخ محمد المتولي صاحب المؤلفات في القراءات[ " كتاب إيضاح الدلالات في ضابط ما يجوز من القراءات ويسوغ من الروايات " و" فتح المعطي وغنية المقري في شرح مقدمة ورش المصري" ] والشيخ علي بن محمد الضباع شيخ عموم المقارئ المصرية، والشيخ عبد الفتاح عجمي المرصفي وسواهم.
2- سلطان المزاحي: ((شيخ القراء بالقاهرة على الإطلاق في زمانه، ومرجع الفقهاء بالاتفاق ت 1075 هـ)) ترجم له تلميذه المحبي في خلاصة الأثر 2 / 210-212 فقال عنه : ((الإمام المقرئ سلطان بن أحمد بن سلامة بن إسماعيل، أبو العزائم المزاحي المصري الأزهري، من الحفاظ والقراء، فريد العصر، وعلامة الزمان، قرأ بالروايات على شيوخ عصره، وأجيز بالإفتاء والتدريس سنة ثمان بعد الألف، وتصدر بالأزهر للتدريس، فكان يجلس في كل يوم مجلسًا يقرئ فيه العلوم الشرعية والقراءات...وأخذ عنه كثير من العلماء المحققين...وألف تآليف نافعة منها حاشيته على شرح المنهج للقاضي زكريا في فقه الشافعي وله مؤلف في القراءات الأربع الزائدة على العشر من طريق القباقبي، ورسالة في التجويد، وقد وصف ب.وكانت ولادته في سنة خمس وثمانين وتسعمائة، وتوفي ليلة الأربعاء سابع عشر من شهر جمادى الآخرة سنة خمس وسبعين وألف".
3- الشمس البابلي: ((العلامة المقرئ، المفسر ت 1077 هـ)) : وصفه المحبي في خلاصة الأثر فقال " الإمام حافظ الزمان، المسند أبو عبد الله محمد بن العلاء البابلي المصري الشافعي الشيخ البابلي، حجة مصر على الآفاق في صدر الألف الهجري، أحد الأعلام في الحديث والفقه وهو أحفظ أهل عصره لمتون الأحاديث وأعرفهم بجرحها ورجالها وصحيحها، وسقيمها وكان شيوخه وأقرانه يعترفون له بذلك " ولمزيد الاطلاع على شيوخه انظر [ فهرس الفهارس والأثبات 1 / 211 ].
بعد أن أجاز ه هؤلاء الأئمة الأعلام واثنوا عليه، وشاهدوا بأنفسهم سعة علمه، وحدة ذكائه، وحسن حفظه، قدموه للتدريس بالأزهر الشريف " ثم تصدر للإقراء بالأزهر واشتهر بالفضل وحظي عند أكابر الدولة واستمر على القراءة مدة قرأ فيها مختصر خليل وشرح الألفية للمرادي وعقائد السنوسي وشروحها وشرح الجمل للخونجي لابن عرفة في المنطق ثم رحل إلى الروم فمر في طريقه على دمشق وعقد بجامع بني أمية مجلساً اجتمع فيه علماؤها وشهدوا له بالفضل التام وتلقوه بما يجب له ومدحه شعراؤها واستجاز منه نبلاؤها ثم توجه إلى الروم فاجتمع به أكابر الموالي وبالغ في إكرامه شيخ الإسلام يحيى المنقاري والصدر الأعظم الفاضل وحضر الدرس الذي تجتمع فيه العلماء للبحث بحضرة السلطان فبحث معهم واشتهر بالعلم ثم رجع إلى مصر مجللاً معظماً مهاباً موقراً وقد ولي بها تدريس الأشرفية والسليمانية والصرغتمشية وغيرها وأقام بمصر مدة ثم رجع إلى الروم فأنزله مصطفى باشا مصاحب السلطان في داره وكنت الفقير إذ ذاك بالروم فالتمست منه القراءة فأذن فشرعت أنا وجماعة من بلدتنا دمشق وغيرها منهم الأخ الفاضل أبو الإسعاد بن الشيخ أيوب والشيخ زين الدين البصري والشيخ عبد الرحمن المجلد والسيد أبو المواهب سبط العرضي الحلبي في القراءة عليه فقرأنا تفسير سورة الفاتحة من البيضاوي مع حاشية العصام ومختصر المعاني مع حاشية الحفيد والخطائي والألفية وبعض شرح الدواني على العقائد العضدية وأجازنا جميعاً بإجازة نظمها لنا " [محمد أمين المحبي - خلاصة الاثر في أعيان القرن : 3 / 235)]. وقد أورد عبد الحي الكتاني عن حفظه في " حاشية الشيخ التاودي ابن سودة على صحيح البخاري لما ذكر امتحان أهل بخارى لفخر بلدهم الإمام أبي عبد الله البخاري بقلبهم له الأسانيد قلت يشبه هذه القصة ما حكى لي بعض المصريين على الشيخ يحيى الشاوي كان ظهر على أهل مصر بحفظه وذكائه". [ فهرس الفهارس 2 / 1134].
مثل هذا العالم الذي اشتهر بمجالسه العلمية ودروسه الحديثية، وكثرة تلاميذه وطلبته، يجد الوقت الكافي للتأليف والكتابة، فيترك لنا ثروة تراثية هامة، لكن مع الاسف – أقول- إنها بقيت حبيسة المكتبات، فلم يقم أهل العلم باخراجها إلى الناس لينتفعوا بها، واللوم موجه إلى أبناء بلده – الجزائر - بصفة خاصة، أذكر منها:
- حاشية على شرح السنوسية في العقائد.
- حاشية على شرح الألفية للمرادي.
- توكيد العقد فيما أخذ الله علينا من العهد.
- حاشية على شرح أم البراهين للسنوسي" [ توجد منها ثلاث مخطوطات بقلمه في المكتبة الأزهرية تحت أرقام: 311313 -311315 -329142 ].
-رسالة في " أصول النحو ": " جعله على أسلوب الاقتراح للسيوطي أتى فيه بكل غريبة وجعله باسم السلطان محمد وقرظ له عليه علماء الروم منهم العلامة المنقاري قال فيه لا يخفى على الناقد البصير إن هذا التحرير كنسج الحرير ما نسج على منواله في هذه العصور تنشرح بمطالعته الصدور"
- شرح التسهيل لابن مالك. - المحاكمات بين أبي حيان والزمخشري.
- " نظم لامية في إعراب الجلالة "[ شرح منظومة لا اله الا الله مخطوطة في المكتبة الازهرية رقم 316867] جمع فيها أقاويل النحويين وشرحها شرحاً حسناً أحسن فيه كل الإحسان.
- قرة العين في جمع البين من علم التوحيد - والنيل الرقيق في حلقوم انساب الزنديق.
- "ارتقاء السادة لحضرة شاه زاده " ألفه باسم السلطان محمد بن السلطان إبراهيم خان العثماني.
- "نتائج افكار ذوى المجد في تحرير ابحاث اما بعد " فريدة في نوعها، لم يؤلف مثلها اتى فيه بكل غريبة عجيبة.و غيرها.
تتلمذ على يديه خلق كثير حيث انتفع بعلمه شيوخا وعلماء قدموا خدمات جليلة بقيت آثارها في مؤلفاتهم وفي ما تخرج على ايديهم من الخلف الصالح، وسأذكر هنا بعضا من تلاميذه على سبيل المثال – لا الحصر
هذه نسخه من إجازته لتلميذه محمد أمين المحبي، وهي منظومة ذكر فيها مروياته التي أجازه بها:
"" الحمد لله الحميد والصلاة والسلام على الطاهر المجيد وعلى آله أهل التمجيد، وبعد أجزت الإمام اللوذعي المعبرا... أميناً أمين الدين روحاً مصورا سليل محب الدين بيت هداية... وبيت منار العلم قدماً تقررا بإقرائه متن البخاري الذي به... تقاصر عنه من عداه وقصرا موطا شفاء والشفاء لمسلم... إذا مسلماً تقريه حقاً تصدرا وباقي رجال النقل حقاً مبيناً... وتفسير قول الله في الكل قررا أجزت المسمى البدر في الشرع كله... كما صح لي فاترك مراه تكدرا وعلم كلام خالي عن أكاذب الفلاسفة... الضلال والعدل نكرا أقول لكل فلسفي يدينه... ألا لعنة الرحمن تعلو مزورا أجبريل فلك عاشر يا عداتنا... أعادى شرع الله نلتم تحيرا بأي طريق قلتم عشر عشرة... ونفى صفات والقديم تحجرا حكمتم على الرحمن حجراً محجراً... ومنعكم خلق الحوادث دمرا أبرى الحبيب اللوذعي عن الردى... مجازاً بدين الشرع كلاً محررا ولكن عليه النصح والجد والتقى... وإن ناله أمر القضاء تصبرا حماه إله العرش من كل فتنة... ونجاه من أسواء سوء تسترا وصل وسلم بكرة وعشية... على من به أحيا القلوب تحيرا"
(المحبي - خلاصة الاثر في أعيان القرن : 3 / 235).
سافر قاصدا بيت الله الحرام لأداء فريضة الحج في البحر فمات وهو في السفينة على ظهر البحر، يوم الثلاثاء عشرين شهر رمضان سنة ست وتسعين وألف (1096 هـ / 1685 م)، ويذكر تلميذاه أبو المواهب الحنبلي ص 21 والمحبي في (خلاصة الاثر في أعيان القرن : 3 / 235) واللفظ للثاني: "... وأراد الملاحون إلقاءه في البحر لبعد البر عنهم فقامت ريح شديدة قطعت شراع السفينة، فقصدوا البر وأرسوا بمكان يقال له رأس أبي محمد فدفنوه به، ثم نقله ولده الشيخ عيسى بعد بلوغه خبره إلى مصر ودفنه بها بالقرافة الكبرى بتربة السادة المالكية ووصل إلى مصر ولم يتغير جسده ".
"... شيخنا الأستاذ الذي ختمت بعصره أعصر الأعلام وأصبحت عوارفه كالأطواق في أجياد الليالي والأيام المقرر براهين التطبيق بتوحيده فلا تمانع فيه إلا من معاند علم مرجعه عن الحق ومحيده آية الله تعالى الباهرة في التفسير والمعجزة الظاهرة في التقرير والتحرير من روى حديث الفخار مرسلاً ونقل خبر الفخار مرتلاً وهو في الفقه إمامه ومن فمه تؤخذ أحكامه وأما الأصول فهو فرع من علومه والمنطق مقدمة من مقدمات مفهومه وإن أردت النحو فلا كلام فيه لأحد سواه وإن اقترحت المعاني والبيان فهماً انموذج مزاياه إذا استخدم القلم أبدى سحر العقول وإن جرت الحروف على وفق لسانه وفق بين المعقول والمنقول وإذا ناظر عطل من مجاريه مجاري الأنفاس واستنبط من بيان منطقه علم الجدل والقياس وبالجملة فتقصر همم الأفكار عن بلوغ أدنى فضائله وتعجز سوابق البيان عن الوصول إلى أوائل فواضله...... وأجازنا جميعاً بإجازة نظمها لنا)).
المحبي - خلاصة الاثر في أعيان القرن : 3 / 234).
" ولما قدم الشام حضرت دروسه في علوم العربية والكلام والمنطق والتصوف لأنه قرأ تجاه نبي الله سيدي يحيى الحصور عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم السلام كتاب الحكم لابن عطاء الله الإسكندري. وأيضا حضرت دروسه في التسهيل في العربية لابن مالك. وأجازني ومن حضر بسائر مروياته رحمه الله رحمة واسعة"
مشيخة أبي المواهب الحنبلي. ص 21
"...كان يحفظ شرح التتائي الكبير وشرح الإمام بهرام الوسط وغيرهما، بل يحفظ ستين كتابا من الكتب الكبار كمختصر ابن عرفة الفقهي وهو ستة أسفار كبار جمع فيه أكثر المذهب حتى إنه يذكر في بعض المسائل خمسين قولا منسوبة لقائلها وأمثال ذلك، وأما التواليف التي هي كراريس قليلة يحفظ منها ما لا يحصى كيف لا وهو يحفظ من ثلاث عرضات لا غير فحفظ القرآن وهو ابن ثمان سنين ثم اشتهر بالحفظ وحدة الذهن وجودة الإدراك حتى عبر عنه شيخنا سيدي بركات بن باديس القسمطيني بقوله إنه عالم الربع المعمور "
أحمد بن قاسم البوني في ثبته " شذا الروانيد في ذكر بعض الأسانيد".
"...أشعري الزمان وسيبويه الأوان، لم أر أسرع منه نظما قال وقرأنا عليه شرح المرادي على الألفية وكنا نصحح نسخنا على حفظه ولما كتب لي الإجازة قال مؤرخة بمجموع الاسم واللقب فعددت حروف يحيى الشاوي فوجدتها 78 وألف وذلك هو التاريخ فتعجبت من شدة فطانته"
النور علي النوري الصفاقصي في فهرسته.
"...العلامة أبى زكريا يحيى ابن الفقيه الصالح محمد النابلي الشاوي الملياني المغربي الجزائري، شيخنا العلامة، والمحقق الفهامة، إمام المعقول والمنقول، محرر الفروع والأصول. الفحل الذي لا يبارى في فنون العلوم، والسابق الذي لا يجارى في مضمار المنطوق والمفهوم... قرأت عليه ليالي الموسم آخر حججه متن السنوسية في علم العقائد فكان في التقرير دونه السيل الهدار، والعباب الزاخر التيار، أملى في وجوه إعراب كلمة التوحيد، أربعمائة وخمسين وجهاً بالتعديد، فسبحان مفيض ما شاء على من شاء... وكانت له - رحمه الله - قوة في البحث واستحضار للمسائل الغريبة، وسعة حفظ مفرطة، وبداهة جواب لا يضل صوب الصواب". العصامي : سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي 3/122