اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
تُوفي الإمبراطور هرقل يوم 24 صَفَر 20هـ المُوافق فيه 11 شُباط (فبراير) 641م، وسُرعان ما ساد الاضطراب عاصمة الإمبراطوريَّة بعد وفاته بِسبب النزاع الأُسري على العرش. فقد تزوَّج هرقل خلال حياته من امرأتين: فابيا إيدوسا ومارتينا، ورُزق بِولدين من الأولى وحوالي تسعة من الأُخرى، لكنَّ أغلب أولاده كانوا عليلين ومُصابين بِإعاقاتٍ جسديَّة وعقليَّة. وهكذا لم يبقَ من يتولَّى العرش بعد وفاته إلَّا ولديه الكبيرين الصحيحين، وهُما قُسطنطين الثالث ابن فابيا إيدوسيا البالغ من العُمر ثمانية وعشرين سنة، وهرقلوناس ابن مارتينا البالغ من العُمر خمسة عشر سنة. وخِلال السنوات الأخيرة من حياة الإمبراطور، أصبح واضحًا أنَّ النزاع حول السُلطة سيحتدم بين قُسطنطين ومارتينا التي كانت تُحاول فرض ابنها وليًّا للعهد، فما كان من هرقل إلَّا أن أشار في وصيَّته إلى أنَّهُ ينبغي أن يشترك الأخوان معًا في الحُكم وأن يتساويا في المكانة والحُقوق. ولِحرصه على أن يجعل لِمارتينا قدرًا من النُفوذ المُباشر في إدارة الدولة، أعلن في وصيَّته بأنَّهُ ينبغي أن تشترك الإمبراطورة الأُم في الحُكم. عندما أعلنت مارتينا وصيَّة زوجها لقيت مُعارضةً شديدةً من جانب أركان الحُكم والشعب، فأُثيرت نتيجة ذلك مسائل تتعلَّق بالوضع الدُستوري العام، إذ أقرَّ أفرادُ الشعب تولية الأخوين العرش غير أنَّهم لم يقُرّوا باشتراك مارتينا في إدارة الشُؤون العامَّة، وأعلنوا أنَّها بوصفها امرأة لا تُمثِّلُ الإمبراطوريَّة وليس لها أن تستقبل السُفراء، وزعمت مارتينا لِنفسها هذا الحق ووقع الشقاق داخل شطريّ الأُسرة الحاكمة.
وهكذا ساد الصِّراعُ الحياة العامَّة في العاصمة البيزنطيَّة في وقتٍ تعرَّضت فيه الإمبراطوريَّة لِخطرٍ سياسيٍّ بالغ الشدَّة في الخارج. كان قُسطنطين الثالث أكثر أتباعًا وأنصارًا من أخيه غير أنَّهُ أُصيب بالمرض وتُوفي في 8 جمادى الآخرة 20هـ المُوافق فيه 25 أيَّار (مايو) 641م بعد أن حكم ثلاثة أشهر، وأضحى هرقلوناس مُتفردًا في الحُكم. والواقع أنَّ مارتينا هي التي كانت تُسيِّر شؤون الإمبراطوريَّة، فنفت أنصار قُسطنطين وقرَّبت أنصارها، وكان من بينهم البطريرك پيروس المونوثليستي. كانت مصر في رأس اهتمامات مارتينا، إذ أنَّ ضياع هذا البلد من شأنه أن يُعرِّض الإمبراطوريَّة لِنقصٍ في الأقوات، لِذلك أسرعت باستدعاء المُقوقس من المنفى، ووضعت ثقتها فيه، وأعادتهُ إلى منصبه السَّابق في مصر. كان المُقوقس لا يزالُ على رأيه أنَّ لا جدوى من مُقاومة المُسلمين، ولكنَّهُ تظاهر بالاقتناع بِحُجج الذين يرون ألَّا يدخل البيزنطيُّون في صُلحٍ مع المُسلمين، ووعدتهُ مارتينا بِمُساعدته بالإمدادات الكبيرة، وجهَّزت السُفن من أجل ذلك. أسرع المُقوقس بالسفر إلى مصر على رأس جيشٍ أُعدَّ لِهذه الغاية ورافقهُ عددٌ من القساوسة. ثُمَّ حدث أن تدهورت أوضاع مارتينا وابنها هرقلوناس بعد أن انقلب أصحاب السُلطة والنُفوذ في الإمبراطوريَّة على حُكومتهما، أمثال القادة العسكريّون ورجال الدين. وظلَّ الناسُ على كراهيتهم للإمبراطورة والبطريرك پيروس، وجرى اتهامهُما بأنَّهُما تآمرا ضدَّ قُسطنطين بِدسِّ السُّمِّ له، وطالبوا بأن يكون العرش لابن قُسطنطين الثالث ولم يكن يتجاوز الحادية عشر من عُمره واتخذ اسم هرقل عند تعميده، غير أنَّهُ عند تتويجه اتخذ اسم قُسطنطين وأطلق الناس عليه اسم «قُنسطانز» وهو مُصغَّر قُسطنطين. وثارت القُوَّات المُرابطة في آسيا الصُغرى ضدَّهُما وزحفت نحو العاصمة حتَّى بلغت خلقدونية، فاضطرَّ هرقلوناس للإذعان للثائرين وتُوِّج قُنسطانز قسيمًا لهُ في الحُكم، غير أنَّ هذا الإجراء لم يمنع سُقوطه في شهر شوَّال أيلول (سپتمبر)، كما تقرَّر عزل مارتينا، وتفرَّد قُنسطانز بالحُكم.