English  

كتب وفاة رسول

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

بعد وفاة الرسول (معلومة)


  • طالع أيضًا: حُرُوبُ الرِّدَّة
  • الفتحُ الإسلاميُّ لِفارس

بعد وفاة الرسول، بُويع أبو بكر الصدِّيق بالخِلافة ليتولّى شؤون المُجتمع الإسلامي الجديد الذي كوَّنهُ الرسول خِلال حياته، وكان أوَّل عمل قام به أبو بكر بعد مُبايعته هو التصدّي لأهل الردَّة ومُدعي النبوَّة الذين انتشرت ظاهرتهم واشتعلت في مُختلف أنحاء شبه الجزيرة لِأهدافٍ مُختلفة، ولكن قبل أن يحوِّل نظره شطر الأنحاء التي أعلن أهلها ارتدادهم عن الإسلام، قرر أبو بكر تلبية رغبة النبيّ مُحمَّد قبل وفاته، وهي إرسال سريَّة أسامة بن زيد إلى مشارف الشَّام للإغارة على القبائل الشاميَّة على الطريق التجاري بين مكَّة وغزَّة، ولمُحاربة الروم. وقد أشار المُسلمون وفي مُقدمتهم عُمر بن الخطَّاب على أبي بكرٍ ألّا يُرسل حملة أسامة بن زيد حتى لا تضعف قوَّة المدينة المنوَّرة بحال هاجتمها قبائل الأعراب المُرتدَّة، ولحاجته إليها في قتالهم وغزوهم، لكن أبا بكر أبى أن يُخالف وصيَّة النبي، وكان جوابه إلى الصحابة صريحًا، فقال: «وَاللَّهِ لَا أَحُلُّ عُقْدَةً عَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَلَوْ أَنَّ الطَّيْرَ تَخَطَفُنَا، وَالسِّبَاعَ مِنْ حَوْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَوْ أَنَّ الْكِلَابَ جَرَّتْ بِأَرْجُلِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، لَأُجَهِّزَنَّ جَيْشَ أُسَامَةَ». وترتب على انتصار المُسلمين على أهل الرِّدَّة عدَّة نتائج مُهمَّة منها إعطاء المُسلمين الثقة بالنفس وبِالنظام الذي اختاروه وبِالقُدرة على الانتصار، وهي ثِقةٌ هامَّةٌ وضروريَّةٌ في مُواجهة قِوى كُبرى تتمتَّع بِقُدراتٍ ماديَّةٍ وكثرةٍ عدديَّةٍ، هذا إلى جانب الإيمان بالهدف. كما شكَّلت فُرصةً للمُسلمين كي يتدربون تدريبًا عسكريًّا عمليًّا على مُستوى الجُيوش الكبيرة، ابتداءً من الحشد والتعبئة العامَّة إلى التحرُّكات والسير والالتحام، إلى أعمال الدوريَّات والحِصار والجاسوسيَّة والتدابير اللوجستيَّة. ويُمكنُ وصف هذه الحُروب بِمثابة جسر عبر المُسلمون العرب عليه إلى خارج شبه الجزيرة العربيَّة بِهدف الفتح.

يكادُ يتفق الباحثون في تاريخ الفُتوح الإسلاميَّة على أنَّ الشَّام كانت في مُقدِّمة اهتمامات الخليفة أبي بكر الهادفة إلى التوسُّع عبر المناطق المألوفة للعرب جُغرافيًّا، وكانت هذه البِلاد أكثرُها التصاقًا بِذاكرة العربيّ التاجر، حيثُ سعى إليها في رحلة الصيف أو سمع الكثير عنها من رجال القوافل ورُواة الأخبار. وكانت رؤية الرسول التوسُّعيَّة في تلك المنطقة حاضرة في ذهن أبي بكر الحريص على انتهاج السياسة النبويَّة مُنذُ بداية عهده. وإذا كانت ملامح هذه السياسة قد ظهرت أولًا في العراق، فإنَّ الجبهة الشَّاميَّة قد استقطبت الجانب الأكبر من اهتمامات أبي بكر، وبخاصَّة بعد انتصار المُسلمين في العراق. وتمَّت خطَّة التحرُّك نحو الشَّام في السنة الثانية عشرة للهجرة، بعد مُشاوراتٍ أجراها أبو بكر مع كِبار الصحابة من أهل الحل والعقد، ثُمَّ قام بِتعبئة المُسلمين لِغزو هذه البِلاد. كان ردُّ فعل المُسلمين الفوري الصَّمت، وذلك بِفعل هيبة غزو الروم، حتَّى قام خالد بن سعيد بن العاص الأُموي، فتقبَّل الفكرة، فكان أوَّل من خرج إلى الشَّام بعد أن عقد لهُ أبو بكر لِواء، هو أوَّل لِواء عقدهُ لِحربِ الشَّام. تحمَّست بعض القبائل، في سياق هذه الحملة التعبويَّة، للمُشاركة في عمليَّة فُتوح الشَّام، وأرسلت مُقاتليها إلى المدينة المُنوَّرة، ومع ذلك ظلَّت الاستجابة بالمُشاركة ضعيفة، مما دفع أبا بكر إلى استنفار قبائل اليمن، فجاءهُ المُتطوعون من حِمير ومذحج، ويُشيرُ البلاذري أنَّ أبا بكر سارع فور انتهاء حُرُوب الرِّدَّة إلى تعبئة قبائل نجد والحجاز واليمن لِغزو الشَّام، وسعى لِتشجيعها بالغنائم العظيمة، فسارع النَّاسُ إليهِ بين مُحتسبٍ وطامعٍ، وهذا يعني أنَّ بعض القبائل كانت تدفعُهم غريزة الغزو والغنيمة، وفق تقاليد الغزو المعروفة في المُجتمع العربي، وأنَّ أبا بكر لجأ إلى هذه الوسيلة التشجيعيَّة بعد أن لمس ضعف الاستجابة العربيَّة لِمشروعه، مما يدُلُّ على أنَّ بعض العرب كان الإسلامُ لا يزالُ ضعيفًا في قُلوبهم، كما أنَّ منع أبي بكر المُرتدين من المُشاركة في حرب الفُتوح، وهُم أكثر العرب، قد أثَّر على ذلك. ومهما يكُن من أمر، فإنَّ حركة الفُتوح الإسلاميَّة للشَّام، نوقشت بين أهل الحل والعقد، ثُمَّ عُرضت على عامَّة المُسلمين، ووُضعت الخُطوط العريضة لها أثناء انعقاد اجتماع كِبار الصحابة.

بعد أن استُكمِلت التجهيزات وتمَّت الاستعدادات، عيَّن أبو بكر قادة الجُيوش التي قرَّر أن يُرسلها إلى الشَّام، وهي: الجيشُ الأوَّل بِقيادة خالد بن سعيد بن العاص الأُمويّ، وحدَّد لهُ دمشق كهدف، وتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مُقاتل. وقد أبدى عُمر بن الخطَّاب تحفُظًا على قيادة خالد، لِموقفٍ اتخذهُ من بيعة أبي بكر، فأعفاهُ الخليفة بعد أن اقتنع بِرأي عُمر، واستردَّ منهُ اللواء وعيَّن مكانهُ يزيد بن أبي سُفيان وهو أُمويٌّ أيضًا. وأردف أبو بكر ربيعة بن الأسود بن عامر مددًا لِيزيد، فأضحى عدد قُوَّاته سبعة آلاف مُقاتل، وحدَّد له طريق الزحف وهو: وادي القُرى - تبوك - الجابية - دمشق. وانطلق هذا الجيش في 23 رجب 12هـ المُوافق فيه 3 تشرين الأوَّل (أكتوبر) 633م سالكًا الطريق المُحدد له. الجيشُ الثاني بِقيادة شرحبيل بن حسنة، وهدفهُ بُصرى عاصمة حوران، وتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مُقاتل على أن يسلك طريق معان - الكرك - مأدبا - البلقاء - بُصرى، وخرج هذا الجيش من المدينة في 27 رجب المُوافق فيه 7 تشرين الأوَّل (أكتوبر). الجيشُ الثالث بِقيادة أبي عُبيدة بن الجرَّاح، وهدفهُ حِمص، ويتراوح عديده بين ثلاثة وأربعة آلاف مُقاتل، على أن يسلك طريق وادي القُرى - الحجر - ذات المنار - زيراء - مآب - الجابية - حِمص، وخرج إلى وجهته في 7 شعبان المُوافق فيه 17 تشرين الأوَّل (أكتوبر). الجيشُ الرَّابع بِقيادة عمرو بن العاص، وهدفه فلسطين، ويتراوح عديده بين ستَّة وسبعة آلاف مُقاتل، على أن يسلك طريق البحر الأحمر حتَّى العقبة فوادي القُرى فالبحر الميِّت وُصولًا إلى بيت المقدس، وخرج من المدينة في 3 مُحرَّم 13هـ المُوافق فيه 10 آذار (مارس) 634م. الجيشُ الخامس بِقيادة عِكرمة بن أبي جهل، وقد أبقاهُ في المدينة كاحتياط، وبلغ عديده نحو ستَّة آلاف مُقاتل.

وأوصى أبو بكر قادة الجُيوش باللين مع الجُنود وعدم تحميلهم ما يفوق طاقتهم للمُحافظة على قُدرتهم القتاليَّة، وأن يُشاور كُلٌ منهم مرؤوسيه للوُصول إلى القرارات السليمة، وبأن يؤمنوا لهم العدل ويُبعدون عنهم الشرَّ والظُلم في وقت السِلم كي يُلازموهم في وقت الحرب، وعدم الفرار عند لقاء العدوّ لِأنَّ ذلك يُغضب الله، وعدم جواز قتل الأولاد والشُيوخ والأطفال والنساء والعُزَّل أو حرق الزرع وقطع الأشجار ونقض العُهود والغدر، وذلك لِكسب قُلوب سُكَّان المناطق المفتوحة، وعدم التعرُّض للبطاركة والرُهبان والنُسَّاك والمُتصوفون في الأديرة والصوامع والكنائس، على أن يُخيَّر المُشركون المُوالون للشيطان بين القتال أو الإسلام أو الجزية.

المصدر: wikipedia.org