اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وقعت مذبحة المماليك في قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة والتي أمر ببنائها عام 1176م لتحصين القاهرة من هجمات الصليبيين. حيث استدعى وزيره بهاء الدين قراقوش وأمره أن يُنشئ له قلعة في الجبل، ومنذ ذلك الحين باتت القلعة مقرّ الحكم، حتى بناء قصر عابدين. وقد وقعت المذبحة فعليًا عند "باب العزب" أحد أبواب القلعة، وهو ممر صخرى منحدر تكتنفه الصخور على الجانبين، حيث لا مخرج ولا مهرب. ويشبه الباب في تكوينه بابي الفتوح وزويلة، وهو مكون من برجين كبيرين مستطيلين لهما واجهة مستديرة أعلى كل منهما غرفة وبينهما توجد سقاطة استخدمت لإلقاء الزيوت المغلية على الأعداء الذين يحاولون اقتحام البوابة عنوة، وقد بنى هذا الباب الأمير رضوان كتخدا الجلفي قائد الجنود العزب في موضع باب قديم يرجع تاريخه إلى العصر المملوكي.
كان والي مصر محمد علي قد تلقى رسالة من الباب العالي يطالبه فيها بإرسال حملة عسكرية إلى الحجاز للقضاء على حركة محمد بن عبد الوهاب في نجد، فعيّن ابنه أحمد طوسون باشا قائدًا للحملة، وأعد مهرجانًا ضخمًا، وحدد له يوم الجمعة الخامس من صفر سنة 1226 هـ الموافق الأول من مارس سنة 1811م للاحتفال بإلباس ابنه خلعة القيادة. ويذكر بعض المؤرخين أن محمد علي دعا وزيره محمد بك لاظ أوغلي الشهير بـ "لاظوغلي" للتشاور والتفكير في الأمر الذي أسفر عن أنه يستغل الفرصة ويدعو المماليك بحجة التشاور معهم في الحرب على الوهابيين. وكلّف لاظوغلي باشا بالتخطيط والإعداد لمذبحة القلعة.
فدعا الوالي رجال الدولة وأعيانها وكبار الموظفين العسكريين والمدنيين وزعماء المماليك لشهود هذا الحفل، وقد لبى المماليك دعوته ولبسوا أفخر الملابس، ويقال أنه كان عدد الحضور حوالي عشرة آلاف شخص من كبار القوم ومختلف الطوائف. وقبل ابتداء الحفل دخل البكوات المماليك على محمد علي فتلقاهم بالحفاوة، ودعاهم إلى تناول القهوة معه، وشكرهم على إجابتهم دعوته، وألمح إلى ما يناله ابنه من التكريم، وتجاذب معهم أطراف الحديث.
لمَّا تقلد الأمير طوسون خلعة القيادة، تحرك الموكب وفي مقدمته الفرسان يقودهم "أوزون علي"، ويتبعهم والي الشرطة والآغا محافظ القاهرة والمحتسب، ويليهم الجنود الأرناؤوط بقيادة "صالح آق قوش"، وسار ورائهم المماليك يتقدمهم "سليمان بك البواب"، ومن بعدهم بقية الجنود، ثم باقي المدعوين وأرباب المناصب. وكان الموكب يسير بانحدار إلى باب العزب - وهو أحد أبواب القلعة -. ولمَّا اجتاز طليعة الموكب ووالي الشرطة والمحافظ باب العزب، ارتج الباب الكبير وأقفل من الخارج في وجه المماليك وتحول الجنود بسرعة عن الطريق، وتسلقوا الصخور على الجانبين، وراحوا يمطرون المماليك بوابل من الرصاص. وساد الهرج والمرج، وحاول المماليك الفرار، لكن قُتِل أغلبهم بالرصاص، حتى امتلأ فناء القلعة بالجثث، ومن نجا منهم من الرصاص، ذُبِحَ على أيدي الجنود. ويقال أن الحي المقابل لباب العزب امتلأ بالدم واستغرق فترة طويلة للتخلص من أثاره، فسمَّاه المصريون حي الدرب الأحمر.
ولم ينج من المماليك الأربعمائة والسبعين الذين دخلوا القلعة في صبيحة ذلك اليوم إلا واحد يسمى "أمين بك" كان في مؤخرة الصفوف، واستطاع أن يقفز بجواده من فوق سور القلعة، وهرب بعد ذلك إلى الشام. وصل خبر تلك المذبحة إلى الجماهير المحتشدة في الشوارع لمشاهدة الموكب فسرى الذعر بينهم، وتفرق الناس، وأقفلت الدكاكين والأسواق، وهرع الجميع إلى بيوتهم، وخلت الشوارع والطرقات من المارة، وسرعان ما انتشرت جماعات من الجنود الأرناؤوط في أنحاء القاهرة يفتكون بكل من يلقونه من المماليك وأتباعهم، ويقتحمون بيوتهم فينهبون ما تصل إليه أيديهم، وتجاوزوا بالقتل والنهب إلى البيوت المجاورة. وسادت الفوضى ثلاثة أيام، قُتل خلالها نحو ألف من المماليك ونُهب خمسمائة بيت، ولم يتوقف السلب والنهب إلا بعد أن نزل محمد علي إلى شوارع المدينة، وتمكن من السيطرة على جنوده وأعاد الانضباط. فمر بالأحياء المهمة التي كانت هدفًا لعدوان الأرناؤوط، وأمر بقطع رؤوس من استمروا في النهب والاعتداء، ونبَّه على الأرناؤوط بأن يقتصروا على القبض على المماليك الذين بقوا أحياء لتخلفهم عن الذهاب إلى القلعة، وكان "كتخدا بك" يأمر بقطع رؤوسهم، ولم ينج منهم إلا من هرب من المدينة مختفيًا وهاجر إلى الصعيد، وأمر محمد علي الدوريات المتنقلة باعتقال كل من يلقونه من المماليك وقتلهم. ويُذكر أن إبراهيم باشا بن محمد علي طارد بعض من فلول المماليك الآخرين الفاريين إلى الصعيد وذلك بعد سنة كاملة من مذبحة القلعة.
راح ضحية تلك المذبحة المعروفة بمذبحة القلعة كل من حضر من المماليك، وعددهم 470 مملوك حسب أغلب المصادر، كما استمر قتل المماليك بعدها بثلاثة أيام خارج القلعة في أنحاء مختلفة من القاهرة، وقدَّر البعض أن عدد القتلى يصل إلى 1000 مملوك، في حين يقول عبد الرحمن الرافعي أن عدد الضحايا وصل إلى 1200 قتيل. وعُلِقَت رؤوس كبار المماليك على باب مسجد الحسنين بالقاهرة.
ولم ينج من مذبحة القلعة سوى مملوك واحد يدعى "أمين بك"، الذي كان في مؤخرة الصفوف، واستطاع أن يقفز من فوق سور القلعة، ثم هرب إلى الشام. وقد ذكر جرجي زيدان في روايته "المملوك الشارد" أن أمين بك عندما سمع أصوات الرصاص، هرع إلى سور القلعة، ولكز جواده بضربة عنيفة، فهوى به من ذلك الارتفاع، وقبل أن يصل الحصان إلى الأرض قفز من فوق ظهر الحصان فنجا من الموت. فر أمين بك بعد ذلك، واستجار بالأمير بشير الشهابي في جبل لبنان. وفي رواية أخرى أن هذا المملوك كان اسمه "مراد بك". وقيل في رواية ثانية أنه جاء إلى الحفل متأخرًا، فوجد أبواب القلعة قد أُغلقت، فشعر بالمكيدة وهرب إلى بلاد الشام.
كما كان زعيم المماليك وشيخ البلد إبراهيم بك في طرة، ولم يحضر الحفل في القلعة، فنجا من المذبحة وعندما سمع بما حدث، وفر مع أتباعه إلى دنقلا حيث بقي حتى مات 1817م، وبعد وفاته نقلت زوجته رفاته إلى القاهرة وذكر الجبرتي أنه كان قد أرسل إلى محمد علي قبيل وفاته طالبا السماح له بالعودة إلى القاهرة ليموت فيها ولكن يبدو أن محمد علي لم يسمح له أو أن الموت كان أسبق. كما نجا أمير مملوكي آخر يُدعى "أحمد بك" حيث تخلف عن الحفل بسبب انشغاله ببعض الأعمال في أحد القرى.