اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
ينصرف لفظ الهجرة عند إطلاقها على هجرة النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحابته الكرام من مكّة المُكرّمة إلى المدينة المنورة، وسُمّوا بِالمُهاجرين، لقوله -تعالى-: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)، لِذا فقد هاجر النبيّ مرةً واحدةً إلى المدينة المنوّرة، وفي هذا المقال بيانٌ للهجرة النبويّة إلى المدينة، وذكرٌ للهجرات الأخرى في الإسلام.
أذِن الله -تعالى- لرسوله وللمُسلمين بالهجرة إلى المدينة، فسارعوا إلى ذلك، وكان أوَّلُهُم أبو سلمة بن عبد الأسد وزوجتُهُ أُمُّ سلمة، ولكنّها مُنعت من ذلك، فلحقت به بعد سنة، ثُم بدأ الصحابةُ الكِرام بالخُروج تِباعاً، وبقي النبي -عليه الصلاة والسلام- وأبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهُما- في مكّة، وكذلك من منعه المُشركون من الهِجرة، فأحسّت قُريش بِخَطَرِ ذلك؛ لكثرة أتباع النبيّ، وهجرتهم إلى المدينة، وخافوا أن يأتي رسول الله إليهم فتزيد قوّتهم، فاجتمعوا بأشرافِهِم ورؤسائِهِم في دار النّدوة؛ للقضاء على النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل إتيانه للمدينة، وأشار بعضُهُم إلى حبسِه وإغلاق الباب عليه، فاعترض أحدهم على هذا الرأي؛ خوفاً من سماع الصحابة بذلك ومُقاتلتهم، فأشار البعض الآخر بنفيِه من مكّة، لكنّ أبا جهلٍ أشار عليهم بأخذ شابٍ قويٍّ من كُلِ قبيلةٍ، فيضربون النبي -عليه الصلاة والسلام- ضربةً واحدةً فيقتُلُوه؛ ليتفرّق دَمُه بين القبائل، فلا تستطيع قبيلته مقاتلة القبائل الأخرى، ويَرْضون بالدّية.
لكنّ الله -عزّ وجل- أوحى إلى نبيّه وأخبره بهذه المؤامرة، فقال -سبحانه-: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ)، فأذِن الله -تعالى- له بالهِجرة، وأن لا ينام في تلك اللّيلة بفِراشه، فخرج مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في اللّيل أمام المُشركين، ولمْ يرَوْه، حيث إنّه وضع التراب على رؤوسهم وهو يقرأ فواتح سورة ياسين، وبقي المُشركون ينتظرون خُرُوجه لِقتلِه، ووصل النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى المدينة في صبيحةِ يوم الاثنين في الثاني عشر من شهرِ ربيعٍ الأول، وأصبح هذا التاريخ المُعتمد عند المُسلمين، لما جاء عن الصحابيّ سهل بن سعد الساعديّ -رضي الله عنه-: (ما عَدُّوا مِن مَبْعَثِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولَا مِن وفَاتِهِ، ما عَدُّوا إلَّا مِن مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ).
وعند وُصول النبي -عليه الصلاة والسلام- للمدينة استقبله خمسُمئةٍ من الأنصار، وأحاطوا برَكْبه ورَكْب أبي بكر الصديق، وصعد الرجال والنساء فرحين فوق البيوت، وذهب الغلمان إلى الطُّرق، ونادوا: "يا مُحمّدُ يا رسول الله، يا مُحمّدُ يا رسول الله"، ورغِب كُلُّ واحدٍ منهم بشرف ضيافة النبي -عليه الصلاة والسلام- وصاحبه، ولكنّهما نزلوا عند أبي أيوبٍ الأنصاريّ -رضي الله عنه-، واستضاف الأنصار إخوانهم المُهاجرين، ومدحهم الله بقوله: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، ومدحهم النبي -عليه الصلاة والسلام- بقوله: (لَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصَارِ، ولو سَلَكَ النَّاسُ وادِيًا وشِعْبًا لَسَلَكْتُ وادِيَ الأنْصَارِ وشِعْبَهَا، الأنْصَارُ شِعَارٌ والنَّاسُ دِثَارٌ)، وبعد ذلك بدأ النبيّ وصحابته ببناء المسجد، واستغرق بناؤه اثني عشر يوماً.
بلغ عدد الهجرات في الإسلام ثلاثاً؛ اثنتين إلى الحبشة، وواحدة إلى المدينة، وهي فيما يأتي:
تُعرّف الهجرة في اللُغة بالتَّرْك، ويُقصد بها ترك الإنسان لوطنه والانتقال إلى غيره، وفي الاصطلاح: ترك المُسلم دار الحرب والانتقال إلى دار الإسلام؛ خوفاً من الفتنة، ولإقامةِ دينه، كما تُطلق أيضاً على ترك كُلّ ما يكرهُه الله -تعالى- إلى ما يُحبه، ومن الأدلّة على مشروعيّتها قول الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)، وقوله -تعالى-: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).
]]تصنيف:حياة_الرسول_و_الصحابة[[